الإصلاح السياسي Political Reform 

د. محمد تركي بني سلامة

Mohammedtorki@yahoo

Dec 23, 2007


(دراسة نظرية (Theoretical Study

 

 

مقدمة

كثرت الأحاديث مؤخراً عن الإصلاح السياسي ووجوب تطبيقه فوراً في العالم العربي، لأنه السبيل الأوحد لتلافي بديل الخراب الآتي([i])، وبالرغم من أن الإصلاح ضرورة ملحة من اجل إعادة ترتيب البيت العربي وتحصينه لمواجهة الاستحقاقات المستقبلية، إلا انه ما زال مثار جدل للكثيرين في العالم العربي سواء أكانوا قادةً أو مفكرين أو جماهير. فأهدافه ودوافعه لا يزال يكتتنفها الغموض، ويكثر حولها الخصام، الأمر الذي يعطل فرص تحقيق إصلاح سياسي في كثير من دول العالم العربي.

فبالنسبة لبعضهم فان العالم حقيقة متغيرة، وبالتالي فان التغير هو سنة الكون، والإصلاح عملية طبيعية وحضارية لابد من الدخول فيها من اجل تغيير الواقع الراهن السيئ بواقع أفضل، فهو الطريق نحو مستقبل واعد يتم فيه الانفتاح السياسي، وتسود فيه قيم العدالة والمساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان، وترتفع فيه مستوى معيشة الملايين من أبناء العالم العربي، وتنخفض نسب الفقر والبطالة والأمية والفساد والاستبداد والطغيان. وبالتالي فان الإصلاح حاجة ملحة لا مهرب منها ولا مصلحة من تجاهلها أو تأجيلها، فهذا الفريق يغالي في تقديس الإصلاح ويولد الإحساس بأنه إذا ما تحقق الإصلاح فانه سوف تحل كافة مشاكل الشعب العربي.

أما بالنسبة للفريق الآخر، فان النظرة مختلفة تماماً، ولا سيما بعد تبني الولايات المتحدة الأمريكية لعدد من المبادرات والمشاريع الإصلاحية، وأبرزها مشروع الشرق الأوسط الكبير، إذ يرى هذا الفريق أن الإصلاح المفروض من الخارج الذي ينادي به الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ما هو إلا حلقةً جديدةً من حلقات الهيمنة والتآمر على الوطن العربي، ولا يهدف إلا إلى تحقيق أجندة خفية Hidden Agenda،  ومصالح خاصة بالدول الغربية، وبلغة أخرى فان هذا الفريق يرى أن الإصلاح الذي ينادي به الغرب ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، وبالتالي فان نظرة الشك والريبة وموقف الرفض هو الذي يتبناه هذا الفريق الذي يؤمن أن الإصلاح ينبغي أن يكون ذاتياً ولا دخل لأحد به، فالديمقراطية مثلاً لا تفرض بالقوة أو من الخارج، وكل ما يأتي من الغرب مشكوك في مصداقيته وجدواه ودوافعه.

والحقيقة إنه سواءً كان الإصلاح مطلباً ومصلحةً لنا بغض النظر عما يقوله الغرب أو الأمريكيون، وليس مجرد رغبة بل ضرورة ملحة من اجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو مفروض من الخارج لغاية في نفس يعقوب، فانه لابد من الإشارة إلى أنه أصبح موضوع الساعة، ولاسيما في ظل الظروف والمتغيرات التي شهدها العالم في العقدين الماضيين والتي أبرزها:

1.    انتهاء الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها على النظام الدولي.

2.  الثورة الديمقراطية في معظم دول العالم فقد أصبحت الديمقراطية نظام الحكم الوحيد المقبول في العالم أو ما يمكن قوله Democracy became the Only Game in Town.

3.    العولمة وما تمثله من أخطار وتحديات سياسية واقتصادية وثقافية.

4.  الواقع العربي المتأزم والذي يعاني من اختلافات سياسية ثقافية اقتصادية واجتماعية لا مجال لمعالجتها بدون إصلاح حقيقي وشامل.

5.    انتشار الإرهاب والتطرف بأشكاله المختلفة.

6.  استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، والاحتلال الأمريكي للعراق وأخيراً الضغوط والتهديدات الأمريكية لسوريا.

في ظل المتغيرات السابقة فانه لابد من دراسة موضوع الإصلاح وطرح العديد من الأسئلة عن الإصلاح المطلوب، وحجمه ومداه وأسلوبه، وبالتالي فان هذه الورقة تهدف إلى الإحاطة بموضوع الإصلاح، وذلك من خلال التعرف على مفهومه، وأصوله، ونشأته، وكيفية إحداثه، وأبرز المعيقات التي تعترضه، وأدواته أو مؤسساته، وأخيراً النتائج التي تترتب عليه، ذلك أن معالجة موضوع الإصلاح في الإطار النظري قد تكون المدخل لفهم واستيعاب هذه الظاهرة، وتعلم بعض العبر والدروس قبل الدخول في حيز التطبيق العملي، فأي مشروع سياسي يفتقر إلى النظرية هو ليس مشروعاً سياسياً حقيقياً.

مفهوم الإصلاح: The Concept of Reform

أن كلمة الإصلاح ليست جديدة على الفكر السياسي العربي، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من سورة "والله يعلم المصلح من المفسد"([ii])، وقوله مخاطباً فرعون "أن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين"([iii])، وبالتالي فان مفهوم الإصلاح ليس جديداً في العقل العربي – الإسلامي، بل هو مفهوم قديم لم يبدأ بظهور الأفكار والتيارات الإصلاحية في القرن الماضي أو المبادرات الإصلاحية في الوقت الراهن، فالدعوة إلى الإصلاح بدأت قديماً في الدولة الإسلامية.

ويمكن اعتبار الأفكار التي نادى بها ابن تيمية بداية الدعوات الإصلاحية في العالم الإسلامي، أو ما يمكن تسميته بالإصلاح الديني، ثم تطور ليصبح مطلباً نهضوياً طرحه المفكرون العرب قبل أكثر من قرن من الزمان، أي فترة ما يمكن أن نسميه "عصر التنوير العربي" في سعيهم نحو تحقيق نهوض أو تقدم عربي في مجالات شتى من الحياة.

وقبل أن يصبح مفهوم الإصلاح، مفهوماً متداولاً ومستقلاً في الأدبيات السياسية الحديثة، فان أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية متضمنة في الكثير من المفاهيم الشائعة مثل: التنمية السياسية Political Development، أو التحديث Modernization، أو التغيير السياسي، Political Change، أو التحول Transition، أو التغيير Change، وجميع هذه المفاهيم تقريباً مرتبطة بالعالم الثالث ومنه الوطن العربي، كما انه يوجد لديها تعريفات متعددة، دقيقة وواضحة إلا أن مفهوم الإصلاح لا يزال يكتنفه الغموض، وذلك لتداخله مع العديد من المفاهيم السابقة، إلا انه ولغايات هذه الورقة يمكن استخدام التعريف التالي لمفهوم الإصلاح: "التغيير والتعديل نحو الأفضل لوضع شاذ أو سيء، ولا سيما في ممارسات وسلوكات مؤسسات فاسدة، أو متسلطة، أو مجتمعات متخلفة، أو إزالة ظلم، أو تصحيح خطا أو تصويب اعوجاج"([iv]).

والحقيقة أن هذا التعريف يثير تساؤلاً فيما إذا كان الإصلاح يقود بالضرورة إلى وضع أفضل من الوضع السابق والحقيقة أن الإجابة على مثل هذا التساؤل تتأثر بالارتباط الإيديولوجي للمعني بالإجابة، إذ يرى دعاة وأنصار الفكر الماركسي أن كل الإصلاحات والتغييرات التي يمكن أن تحدث في الفكر الرأسمالي لا جدوى أو قيمة لها لأنها عاجزة كلياً عن حل تناقضات النظام الرأسمالي البشع، وهي لا تهدف إلا إلى استمرار سيطرة الطبقة البرجوازية على الطبقة العاملة واستغلالها، وبالتالي فان وظيفتها الأساسية هي تأخير قيام ثورة الطبقة لكادحة على النظام الرأسمالي. فالثورة هي الحل الوحيد للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها النظام الرأسمالي.

وكذلك يرى الكثير من الإسلاميين في العالم العربي، أن كافة الإصلاحات والتغييرات التي تتبناها الأنظمة العربية العلمانية لن تفلح في حل المشاكل والأزمات المختلفة التي تعاني منها هذه الأنظمة لان الإسلام هو الحل فقط.

وثمة تساؤل آخر في هذا المجال هو: ما هو مدى أو الحجم الحقيقي للتغيرات المطلوبة بحيث يمكن أن تندرج تحت مفهوم الإصلاح؟ فأحياناً يمكن إحداث تغييرات رمزية أو صورية أو تجميلية في مؤسسة معينة أو سياسة ما، ذلك أن مثل هذه التغيرات الهامشية البسيطة أو الشكلية، ذات قيمة ومغزى لمن يقف وراءها، فالإصلاحات الجزئية والشكلية الانتقائية التي تقوم بها بعض الأنظمة العربية، مثل إجراء انتخابات صورية أو إجراء حوار مع بعض جماعات المعارضة أو رفع شعارات مثل الشفافية والمساءلة أو التنمية السياسية....الخ هي إصلاحات مبتورة بلا جدوى أو مضمون، وبالتالي لا تندرج تحت مفهوم الإصلاح أو التغيير. أن أي تغيير حقيقي يعني الانتقال من وضع إلى وضع مغاير كلياً، وبالتالي فان التغييرات المحدودة أو الشكلية ذات الأثر المحدود لا يمكن أن تدخل نطاق مفهوم الإصلاح، لأنه يتطلب إحداث تغييرات جذرية عميقة شاملة ومستديمة.

والخلاصة أنه حتى يمكن اعتبار أي تغييرات في وضع ما إصلاح لابد من توافر الشروط أو الظروف التالية:

1.  أن يكون هناك وضع شاذ يحتاج إلى إصلاح أو علة تحتاج إلى دواء. إذ إنه في ظل غياب الوضع الشاذ فإنه لا مبرر للإصلاح لأنه يصبح اقرب إلى الترف. فالعلة قد تكون غياب العدالة أو الحرية أو انتشار الفقر أو المرض وعدم الاستقرار، فالعلة تساعد في تحديد موطن الخلل لكي يتم اختيار العلاج الشافي.

2.  أن يكون التغيير نحو الأفضل، فتسود الحرية محل الاستبداد، أو العدالة محل الظلم، أو الأمن محل الخوف والتعليم محل الأمية، أو الاستقرار محل الفوضى.

3.  أن يكون التغيير له صفة الاستمرارية ولا يتم التراجع عنه Irreversible، فالتغيرات المؤقتة التي يمكن التراجع عنها لا يمكن اعتبارها إصلاح بالمعنى الحقيقي للكلمة، فتحول نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي هش يمكن زواله بسرعة لا يعتبر إصلاحاً.

فعلى سبيل المثال تبدأ بعض الأنظمة السياسية بخطوات ديمقراطية تتمثل بالحريات الصحفية والسماح بتشكيل منظمات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات، ثم يلي ذلك إجراء انتخابات ديمقراطية لمجالس بلدية أو برلمانات، ثم ما تلبث هذه الأنظمة أن تكتشف أن هذه المؤسسات تزعج السلطات الحاكمة وتحد من استبدادها، فتتراجع عن هذه الخطوات بفرض القوانين العرفية، وتعديل الدستور، وحل البرلمان، وفرض الرقابة على الصحف، وتقييد حركة مؤسسات المجتمع المدني، وهي بذلك تتشدق بالإصلاح في البداية ثم تقوم باتخاذ إجراءات وأفعال هي في النهاية ضد الإصلاح.


 

أصل الإصلاح: The Origin of Reform

إن فكرة الإصلاح فكرة قديمة قدم الإنسانية، إذ إننا نجد في كتابات قدماء المفكرين اليونان من أمثال أفلاطون وأرسطو الكثير من الأفكار الإصلاحية مثل العدالة والقوانين وتنظيم المجتمع والدولة والاستقرار السياسي والتوزيع العادل للثروة وغيرها، ويمكن القول أن فكرة الإصلاح كانت ولم تزل الهدف الأسمى للعديد من الفلاسفة والقادة والحركات السياسية والاجتماعية في مختلف أرجاء العالم، فضلاً عن كونها موضوعاً رئيساً في النظريات السياسية للفلاسفة والمفكرين منذ أيام مكيافللي في العصور الوسطى حتى كارل ماركس في القرن العشرين، فقد تحدث مكيافللي في كتابه الشهير "الأمير" عن أهمية الإصلاح وبنفس الوقت صعوبة وخطورة خلق واقع جديدة([v]).

أن حركة الإصلاح في العالم لم تتوقف وإن تعثرت أحياناً. فتمرد اللورد كرومل في بريطانيا في منتصف القرن السابع عشر، والثورة الفرنسية 1789، وقبلها الثورة الأمريكية وغيرها من الحركات السياسية جاءت جميعاً لتحقيق إصلاحات سياسية في المقام الأول، فهذه الثورات الديمقراطية هي التي وضعت حدا للاستبداد السياسي، وأمنت الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين.

وفي الوطن العربي فان فكرة الإصلاح بدأت في الدولة العثمانية في المجال العسكري بعد الهزيمة التي تعرضت لها أمام روسيا القيصرية عام 1774 وتوقيعها معاهدة كجك قنطارية([vi])، ثم امتدت لاحقاً إلى المجالات السياسية والإدارية والاجتماعية، ففي سنة 1839 اصدر السلطان عبد المجيد الأول مرسوماً ما عرف "بالتنظيمات الخيرية"، والتي أكدت على المساواة ما بين المسلمين وغير المسلمين في الدولة العثمانية([vii]) ، ثم تبع ذلك تبني أول دستور في الدولة العثمانية سنة 1876 والذي تم بموجبه إنشاء برلمان مُثل فيه المسلمون والمسيحيون واليهود، وبذلك ظهر مفهوم المواطنة Citizenship، لأول مرة في الدولة العثمانية([viii])، واستمرت حركة الإصلاح حتى نهاية الدولة العثمانية، إلا أن الجهود الإصلاحية كانت بطيئة، جزئية ومتأخرة، وبالتالي لم تفلح في إنقاذ الرجل المريض الذي توفي بانتهاء الحرب العالمية الأولى.

وفي الجزء العربي من الدولة العثمانية بدأت الأفكار الإصلاحية في عدد من الأقطار العربية على يد عدد من المفكرين العرب مثل: رفاعه الطهطاوي ومحمد عبده في مصر، ومحمد رشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي في سوريا، خير الدين التونسي في تونس، وغيرهم حيث رأى هؤلاء المفكرون أن الدولة العثمانية لم تعد دولة الإسلام التي تمثل طموحات العرب والمسلمين، وبالتالي لابد من إصلاحها أو التخلي عنها لافتقادها الشرعية، وتمثل أفكار هذا الجيل نواة الفكر القومي العربي الذي بنى عليه الجيل الثاني من القوميين العرب أفكارهم مثل نجيب عازوري، وساطع الحصري، وقسطنطين زريق، وميشيل عفلق وغيرهم من النخبة المستنيرة، والذين لعبوا دوراً بارزاً في نشوء الحركة القومية العربية التي أثمرت جهودها في انفصال العرب عن الدولة العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى(9).

وبوقوع معظم الدول العربية تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي، كانت الجهود منصبه نحو تحقيق الاستقلال الذي تحقق أخيراً، ومنذ الاستقلال حتى نهاية القرن الماضي خضعت جميع الدول العربية لأنظمة تسلطية تعاني من سلسلة من الأزمات المختلفة، ولم يسجل لأي نظام عربي أي مبادرة في الإصلاح أو الانفتاح السياسي، حيث ركزت النخب الحاكمة في البلاد العربية على الاستمرار في الحكم، وبالتالي استمرار هيمنتهم على السلطة والدولة في آن واحد.

وأخيراً جاءت إحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 لتكشف عن عمق الأزمة التي يعاني منها العالم العربي والتي تتمثل بغياب الحرية والعدالة، ونقص المعرفة، وعمق الهوة بين الأغنياء والفقراء وغيرها من الأمراض والتشوهات التي اعتبرت البيئة الخصبة لنمو الأفكار المتطرفة ونشوء الحركات الإرهابية، ولذلك أخذ الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة الضغوط على الأنظمة العربية للتوجه نحو الإصلاح، وقد استجابت بعض الدول العربية على استحيا بإجراء إصلاحات جزئية أشبه بعمليات التجميل، وذلك لاحتواء الضغوط الخارجية الأمر الذي يعني أن العالم العربي لا زال أمامه طريق طويل، وبحاجة ماسة لإجراء إصلاحات جذرية لمواجهة الأخطار المحدقة به، ولخلق واقع جديد يليق بأبناء هذه الأمة. فالدولة القوية والناجحة والحريصة على امن وتقدم واستقرار وسعادة مواطنيها، هي التي تبادر بالإصلاح والتصدي للأخطار والتحديات الكبرى الوطنية والقومية.

عملية الإصلاح: The Process of Reform

إن عملية الإصلاح لا تحدث في فراغ ولا تنطلق لمجرد الرغبة في التغيير، إذ لابد من توفر بيئة مناسبة أو ظروف موضوعية تدفع باتجاه الإصلاح، وذلك لتجنب الآثار السلبية المترتبة على بقاء الوضع على ما هو عليه، من خمود وجمود، ولاستعراض هذه الظروف والكيفية التي تتم فيها عملية الإصلاح وحجم أو درجة الإصلاح المطلوب، فانه لا بد من الإشارة إلى الحقائق التالية:

1.    أن الإصلاح عادة ما يتم في ظروف الأزمة The Context of Crisis، فنقطة الانطلاق هي الأزمة التي تمثل خطراً أو تحدياً للنظام القائم، وبالتالي لابد من التصدي لهذه الأزمة باتخاذ قرارات حاسمة وإجراء إصلاحات جذرية، وقد تكون الأزمة خارجية تهدد امن واستقرار أو كيان الدولة، فالخطر الخارجي هو الذي دفع بالقادة العثمانيين إلى إجراء إصلاحات عسكرية وذلك للدفاع عن سيادة وأمن الإمبراطورية في وجه التهديدات والأطماع الخارجية للدول الأوروبية، وقد تكون الأزمة ناتجة عن عوامل داخلية مثل تردي الأوضاع الاقتصادية أو عدم الاستقرار السياسي أو فقدان الشرعية في نظام الحكم أو هذه العوامل مجتمعة، بحيث يكون الإصلاح هو الاستجابة العقلانية لمواجهة هذه الظروف الصعبة، وفي هذا السياق يمكن اعتبار سياسة الإصلاح أو إعادة البناء التي تبناها الزعيم السابق للاتحاد السوفيتي غورباتشوف في التحول نحو اقتصاد السوق وإنهاء حكم الحزب الواحد، مثالاً على تبني الإصلاح لمواجهة الظروف الاقتصادية والسياسية السيئة في نظام ما. فالأزمة هي لحظة تاريخية حاسمة لا تقبل التوفيق أو التلفيق أو الإبطاء من أجل التقدم والازدهار وتلافي المصاعب والأخطار الناجمة عن عدم الإمساك بتلك اللحظة واستثمارها.

2.    أن دعاة الإصلاح عادة ما يستندون في دعواتهم الإصلاحية إلى عقيدة فكرية أو إيديولوجية Ideology، تساعدهم في تبرير الأفكار الإصلاحية والدفاع عنها، فالدعوة الإصلاحية التي نادى بها الجيل الأول من القوميين العرب من أمثال: الكواكبي واليازجي ورشيد رضا ورفاعة الطهطاوي وغيرهم كانت نابعة من تأثرهم بالأفكار الغربية، ولاسيما فكرة القومية Nationalism، والإصلاحات الاقتصادية التي تبناها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كانت نتاج تأثره بالعقيدة الاشتراكية. فالخطاب الإصلاحي المستند إلى عقيدة أو أيدلوجية يتميز بوضوح الرؤية وقوة الحجة عند المبادرة أو المشاركة أو حتى عند النقاش، فالعلمانية والديمقراطية والعقلانية والمواطنة هي جميعاً إيديولوجيات يمكن لقادة الإصلاح الاستناد عليها في دفاعهم أو تبريرهم لتوجهاتهم الإصلاحية وإقناع الجماهير بضرورتها. إلا انه ليس من الضروري أن تكون كافة الدعوات الإصلاحية نتاج عقائد سياسية، لا بل أن بعض قادة الإصلاح قد يتبنون أفكاراً إصلاحية تتناقض وعقائدهم السياسية، فعلى سبيل المثال تبنت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجرت تاتشر برنامجاً اقتصادياً إصلاحياً قام ببيع القطاع العام إلى القطاع الخاص بالرغم من انتماء تاتشر إلى التيار المحافظ(10).

3.    أن الإصلاح الذي يـأتـي بـمـبـادرة من الـقـائـد ومن هم حوله "الـنـخـبـة الـحـاكـمـة "Reform from Above"، لابد من أن يدفع نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وخلق عناصر وفئات تستفيد من عملية الإصلاح حتى يكتب له النجاح والاستمرارية، أي خلق جبهة للإصلاح، فكلما اتسعت قاعدة المشاركة في عملية الإصلاح زادت شرعية الإصلاحات، فالإصلاح الذي يتم من أجل حريات الناس ومصالحهم ومن اجل مستقبلهم، لا شك سوف يدفعهم للتمسك به وحمايته مما يحاولون عرقلته أو الإساءة إليه، وبالتالي لابد من أن يؤدي الإصلاح إلى حراك اجتماعي وخلق إرادة مجتمعية، وبلغة أخرى يواكب المبادرات الإصلاحية من أعلى إصلاح تدريجي من الأسفل"Reform from Below"، وبخلاف ذلك فإنه تبقى الإصلاحات جزئية وغير مؤثرة يسهل التراجع عنها، وذلك لغياب الجماهير التي يمكن أن تدافع عن هذه الإصلاحات وتتمسك فيها، فعلى سبيل المثال لم تسهم التحولات نحو الديمقراطية في معظم الدول العربية في خلق مؤسسات ديمقراطية فاعلة مثل صحافة حرة أو برلمانات قوية أو أحزاب ونقابات فاعلة وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني، فكانت النتيجة ضعف في هذه المؤسسات، وتراجع المسيرة الديمقراطية في أكثر من دولة عربية.

حجم الإصلاح المطلوب: The Rate of Reform

إذا كانت ظروف الأزمة والإيديولوجية والمشاركة الشعبية من متطلبات عملية الإصلاح فالسؤال المطروح الآن هو ما هو حجم الإصلاح المطلوب؟ هل هو إصلاح جزئي أم شامل؟ وهل هو إصلاح سريع ومفاجئ، أم متدرج بطئ وعلى مراحل؟ وهل هو إصلاحي سلمي أم بالعنف؟

تاريخياً كان الإصلاح يتم بالعنف أو الثورة، فبالقوة تمكن كرومل من تجريد الملك تشارلز الأول من سلطاته وإعطائها للبرلمان، وبذلك دشن اللبنات الأولى للديمقراطية، إذ حول البرلمان من مؤسسة داعمة للسلطة الملكية إلى مقيدة لها، والثورة الفرنسية التي قامت سنة 1789 وسحقت المؤسسات والأفراد الذين استفادوا من سيادة الكبت والظلم، وجاءت بأفكار الحرية وحقوق الإنسان لم تكن تغييراً سلمياً وأخيراً الثورة الأمريكية سنة 1776 والتي جاءت بإعلان الاستقلال، ووثيقة الحقوق والتي أصبحت مصدر الهام للكثير من الشعوب في النضال من اجل الحرية والاستقلال، أيضاً استخدمت العنف، وفي القرن العشرين فان الثورة العنيفة كانت الطريق الأقصر نحو الإصلاح والتغير وخلق واقع جديد في العديد من دول العالم مثل روسيا 1917، تركيا 1922،  الصين 1949، مصر 1952، العراق 1958، كوبا 1959، الجزائر 1962، ليبيا 1969، وأخيراً العديد من دول شرق أوروبا في أواخر القرن الماضي، وباختصار فان التغيرات العظيمة Great Reforms تحتاج إلى ثورات عظمية تطيح بالنظام القائم وتبني نظاماً جديداً على أنقاضه (11)، فالثورة هي أعلى درجات الإصلاح وأكبرها حجماً وأعمقها أثراً، إذ عادة ما يصاحب التغيير في هرم السلطة تغييرات اجتماعية واقتصادية وثقافية كبرى، وتحول كامل في التفكير وأنماط السلوك والقيم والرموز والمؤسسات والسياسات وغيرها.

إلا إنه ليس بالضرورة أن تودي الثورة إلى واقع أفضل، فأحياناً يترتب على التغيرات السريعة والمفاجئة نتائج سلبية مثل الحرب الأهلية، وزعزعة الاستقرار السياسي، أو تردي الأوضاع الاقتصادية أو كل هذه النتائج مجتمعه مثل ما حدث في السودان بعد ثورة الإنقاذ 1989 أو إيران بعد ثورة 1979 ولتجنب مثل هذه النتائج فقد رأى الكثير  من الساسة والمفكرين أن التغييرات التدريجية البطيئة التي تنفذ على مراحل وبخطوات محدودة ومتوازنة ومدروسة بأسلوب انتقالي ومرحلي، هي الإصلاحات المطلوبة لأنها تؤدي إلى النتائج المطلوبة دون أن تعرض الأمن والاستقرار لأي مخاطر، فقد كانت معظم أدبيات التنمية والتحديث تجمع على أن التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تسير جنبا الى جنب، وتعزز بعضها البعض، فالتقدم في المجال الاقتصادي مثلاً يواكبه تقدم في المجال السياسي، إلا أن عدد من مفكري التنمية السياسية وعلى رأسهم عالم السياسة الأمريكي صموئيل هنتنجتون رأى أن التغيرات السريعة المفاجئة بدلاً من ان تؤدي الى الديمقراطية والاستقرار، فإنها قد يترتب عليها الفوضى والعنف، فالتحديث السياسي السريع يؤدي الى زيادة حجم طموحات وتوقعات الأفراد بحياة أفضل قبل أن تكون المؤسسات السياسية قادرة على القيام بهذه المهمة، مما يؤدي الى إحباط هؤلاء الأفراد، وبالتالي لجوؤهم الى العنف والثورة على النظام السياسي، وبالتالي رأى هنتنجتون ضرورة التدرج في التغيير السياسي والبدء بإنشاء مؤسسات سياسية قوية قادرة على إدارة عملية التغيير السياسي مثل مؤسسات مجتمع مدني، بيروقراطية، أجهزة أمنية....الخ  (12)، فعلى سبيل المثال أدى التحول المفاجئ نحو الديمقراطية في الجزائر إلى حرب أهلية، وبالتالي فان الإصلاح الذي يحرق المراحل قد لا يكتب له النجاح لذا فانه لا ينصح بالتشديد على الإصلاح والتغيير بأي ثمن.

 


 

معيقات الإصلاح: Obstacles of Reform

من يرفض الإصلاح؟

أن كلمة الإصلاح ترسم صوراً مشرقة، فهي ترمز إلى أمال وأحلام الملايين في العيش بأمان وسلام، والرغبة في تحقيق واقع سياسي واقتصادي واجتماعي مقارب لواقع الدول المتقدمة، وبالتالي فان ما تبشر به الأفكار الإصلاحية يجعل البعض يعتقد بأن من يرفض الإصلاح هم قلة في المجتمع، ومع زيادة تردي الأوضاع وارتفاع الأصوات المنادية بالإصلاح، فإنه يعتقد أن طريق الإصلاح سالك بسهولة لان المعيقات التي تقف في وجه الإصلاح يمكن التغلب عليها وتجاوزها، خصوصاً أن الإصلاح أصبح مطلباً وحاجةً جماهيرية، إلا أن حقيقة الأمر ليست كذلك فمثلما للإصلاح أنصار ودعاة، له أعداء ومناوئون وان كانوا قلة إلا أنهم يمتلكون وسائل التأثير وأسباب القوة التي تجعلهم قادرين على وقف مسيرة الإصلاح، فالطبقات البرجوازية والنخب السياسية وغيرهم من أصحاب النفوذ لابد أن يقاوموا أية إصلاحات أو تغييرات تؤثر على أوضاعهم ومكتسباتهم، فهذه النخب الحاكمة مهما تشدقت بمصالح الفقراء والبسطاء فأنها لا تسعى إلا لحماية وزيادة مكاسبها، وبالتالي فانه من المستبعد أن تتخلى طواعية عن هذه المكاسب الأمر الذي يعني أن الإصلاح قد يكون نتاج صراع مجتمعي بين قوى سياسية متضادة، وقد يأخذ هذا الصراع شكل العنف أحياناً، وفي كافة الأحوال لابد لقادة الإصلاح من إتباع إستراتيجية معينة في التعامل مع هذه الفئات:

1.  فقد يلجأ قادة الإصلاح إلى محاورة هذه الفئات وإقناعها بضرورة عدم معارضة التوجهات الإصلاحية، وقد يضطر قادة الإصلاح إلى تقديم تعويضات لهذه الفئات من اجل شراء موافقتها، فتاريخياً كان سلاطين الدولة العثمانية يستندون إلى دعم وتأييد شيخ الإسلام ورجال الدين في تأييد ومباركة الخطوات أو الإجراءات الإصلاحية، وذلك بتقديم الهبات والامتيازات لهذه الفئة المؤثرة في الدولة حين ذاك.

2.  وقد يلجأ قادة الإصلاح إلى جماهير الشعب، وتعبئة الرأي العام الوطني لتبني الإصلاح والتمسك به، وبلغة أخرى خلق تيار شعبي إصلاحي في مواجهة التيار النخبوي أو الفئوي المحافظ والمعارض للإصلاح، ففي أوائل الثمانينات نجحت حركة التضامن في بولندا بحشد جيش من العمال والنقابيين والمفكرين الذين نادوا بالإصلاح والتغيير لم يتمكن النظام الشيوعي الحاكم من الوقوف في وجهها وكبح جماحها، وبعد اقل من عشر سنوات كسبت الحركة 99% من أصوات الشعب البولندي في أول انتخابات ديمقراطية نزيهة جرت في ذلك النظام الشيوعي، وأصبح زعيم الحركة "ليخ فاليسا" أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ بولندا السياسي الحديث.

3.  أخيراً، قد يلجأ قادة الإصلاح إلى فرض الإصلاح بالقوة، وهذا يعتمد على قيادة حازمة، ووجود نظام سياسي مستقر، وجهاز عسكري وأمني فاعل ومخلص للنظام السياسي. فالقوانين الاستثنائية التي أصدرها الرئيس جورج بوش بعد إحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 والتي أتت على الكثير من الحريات والحقوق المدنية للشعب الأمريكي لم يكن بالإمكان إصدارها في ظل غياب قيادة حازمة ونظام سياسي مستقر وجهاز امني فاعل.

وسواء تبنى قادة الإصلاح أسلوب الإقناع Persuasion، أو فرض الإصلاح بالقوة Repression([ix])، فإنه لابد من الاعتراف بأن معيقات الإصلاح كثيرة ومتعددة، وان كانت تختلف من مجتمع لآخر، إلا انه يمكن تلخيص أبرز المعيقات التي يمكن أن تحد من اندفاع حركة الإصلاح ولاسيما في مجتمعات العالم الثالث التي تعاني من أزمات متعددة تعيق الإصلاح بما يلي:

1. العوامل السياسية: Political Factors

تتعدد العوامل السياسية التي تشكل عقبة في طريق الإصلاح ومنها: ضعف الإرادة السياسية لدى الفئة الحاكمة، فالإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية لديها الرغبة الصادقة والقدرة الأكيدة على العمل الجاد وإحداث تغييرات سياسية هامة، بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تترتب على هذه التغييرات، مثل تغيير في السلطة أو استبعاد المسؤلين السابقين أو محاسبتهم. أن كثيراً من الأنظمة التسلطية تقوم باحتواء الدعوات الإصلاحية أو المبادرات الإصلاحية وإفراغها من مضمونها, حيث تتبنى سياسات تحافظ على الوضع القائم وبنفس الوقت تقدم الوعود للجماهير بالتغيير والإصلاح وبالمستقبل المزدهر، وبالتالي لا يكون هناك أية نتائج مرجوة من هكذا إصلاح. فعلى سبيل المثال يتردد معظم القادة والزعماء العرب في إجراء إصلاحات حقيقية لان مثل هذه الإصلاحات تقلص من صلاحياتهم وسلطاتهم، لا بل إنها تكشف عوراتهم ولاسيما إذا ما علمنا أن معظم هذه الأنظمة تترأس سجلاً من الفشل وعدم الانجاز يجعلها فاقدة للشرعية. ومما يساعد الأنظمة التسلطية على الاستمرار في الوضع الراهن والمماطلة في التغيير والإصلاح ضعف أو غياب المعارضة السياسية وانقسامها وافتقارها لمشاريع سياسية جادة أو حلول وبدائل لمواجهة الأزمات المختلفة، ومن العوامل السياسية التي تعرقل حركة الإصلاح غياب المؤسسات الدستورية أو ضعفها وفقدانها سلطات التشريع والمراقبة أو اتخاذ القرار، وضعف وغياب مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات واتحادات وجمعيات، وتدني نسبة المشاركة السياسية لدى الجماهير ولاسيما المرأة وغياب الضغط الشعبي مع ضالة الوعي السياسي، ونمو ثقافة الخوف، وعدم استقلال القضاء. الأمر الذي يجعل الإصلاح مرهوناً بإرادة ومزاج الحاكم، وأولئك الممسكين بالسلطة الذين يقاومون أية إجراءات أو إصلاحات يمكن في النهاية أن تقوض مركزهم، ويضاف إلى ذلك عدم الاستقرار السياسي والتطرف والفوضى والإرهاب والأزمات والحروب الأهلية، فعلى سبيل المثال كان المناخ الإقليمي العربي غير مناسب لإجراء إصلاحات سياسية في ظل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، ووجود الاحتلال الأمريكي للعراق(14)، إذ لا قيمة لإنشاء نظام سياسي ليبرالي في بلاد خاضعة للاحتلال الأجنبي، كما انه لا معنى لإقامة حياة سياسية ليبرالية في ظل غياب الأمن والاستقرار، فضلاً عن الميل العام لدى القادة والجماهير لرفض الإصلاحات التي يمكن أن تبدو نزولاً عند الضغط الخارجي، مثل رفض الأنظمة العربية التغييرات التي تفسر بأنها التزامُ بجدول أعمال الدمقرطة الغربي أو الأمريكي.

2- العوامل الثقافية: Cultural Factors

تلعب العوامل الثقافية دوراً بارزاً في تبني الإصلاح ودفع مسيرته إلى الأمام، أو العكس بوقف وإعاقة عملية الإصلاح، ذلك أن تركيبة المجتمع ومؤسساته وقيمه وأنماط سلوكه، لها دور مباشر في التأثير على الإصلاح سلباً أو إيجاباً، فعلى سبيل المثال فان المجتمعات القبلية أو الطائفية ترفض التغيير ولديها عقلية معادية للديمقراطية Anti – Democratic Tendencies، تكون عملية الإصلاح فيها شاقة ومعقدة، فمثل هذه المجتمعات أو الشعوب تعيش في عالم ضيق، وتقاوم التحديث والإصلاح والتغيير، فعلى سبيل المثال في معظم الدول العربية فان الولاء للقبيلة، وهي بنية تقليدية يفوق الولاء للدولة أو الحزب أو النقابة أو أي بنية أو مؤسسة حديثة، فالولاء في المجتمع العربي مثلاً هو لفكر القبيلة والطائفة وليس للأمة أو الدولة، وهذه ولاءات يسهل تبديلها لدرجة انه يمكن القول أن معظم الدول العربـية لا تـزال مـجتمعات قبلية وأن امتـلكت مظـاهر الدولة الحـديثة Tribes with Flags (15). كما أن هناك غياب أو ضعف واضح في مفهوم المواطنة التي تعني المساواة المطلقة بين المواطنين بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الطبقة...الخ، فالمواطنة هي مصدر الحقوق والواجبات، ونحن في عصر حقوق الإنسان والمواطن. أن السلطة في معظم الدول العربية وان ادعت ميلها للتطوير والتحديث إلا أنها شجعت الممارسات القبلية والطائفية والعشائرية، وبالتالي نجحت في منع نشوء مؤسسات وطنية أو قومية يمكن أن تلعب دور في أي عملية إصلاح سياسي، وبلغة أخرى نجحت السلطة في خلق فئات ومراكز قوى وصالونات سياسية وجماعات مغلقة ومنكفئة على نفسها، متنافسة تابعة للسلطة، ولم تسعَ لخلق مجتمع وطني أو مؤسسات وطنية مدنية وسياسية، إن لدى هذه المجتمعات عادات وقيم وسلوكات مناوئه للإصلاح والتحديث، فالإصلاح السياسي يحتاج لثقافة جديدة تؤكد قيم ومثل الحوار، والتسامح، وقبول الآخر، ونبذ العنف والكراهية، واحترام سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، وخلق روح المواطنة، والانتماء إلى الدولة، وهذه قيم لا يمكن خلقها في مجتمعات قبلية أو طائفية. ومن العوامل الثقافية التي تقف عقبة في طريق الإصلاح، الدين في المجتمعات المحافظة، حيث إن عدم دعم ومباركة رجال الدين للكثير من الإصلاحات والتغييرات يفقدها شرعيتها، وبالتالي يتم رفضها، فعلى سبيل المثال يرفض معظم علماء المسلمين دعوات تنظيم أو تحديد النسل، ويتم الرهان على القنبلة الديمغرافية في الصراع بين المسلمين وأعدائهم، سواء في فلسطين أو السودان أو كشمير أو غيرها. ونفس الشيء ينطبق على وضع المرأة في المجتمعات العربية، فهناك الكثير من القوانين المستمدة من تفسيرات متطرفة للشريعة الإسلامية تعامل المرأة بدونية أو بلغة أخرى تجعل حقوقها منقوصة.

3- العوامل الاقتصادية:Economic Factors

أن الدول أو الشعوب التي تعاني من أزمات اقتصادية مثل ضعف الإمكانات وقلة الموارد، وزيادة حجم المديونية الخارجية، وانتشار الأمية والفقر والبطالة، وتفاقم الهوة بين الأغنياء والفقراء، والزيادة السكانية المرتفعة، واختفاء الطبقة الوسطى، وسوء التغذية وانخفاض المستوى الصحي، وغيرها من الاختلالات الاقتصادية التي تحول دون الاهتمام بالإصلاح ولاسيما السياسي الذي يصبح الحديث عنه أشبه بالترف الفكري، إذ ينصب اهتمام الغالبية الساحقة من أبناء المجتمع نحو توفير الحاجات الأساسية من مأكل ومسكن(16)، وغالباً ما يشاع في البلدان الفقيرة أن على الحرية أن تنتظر توافر الخبز، ولكن مقولة الخبر قبل الحرية قد تؤدي إلى افتقاد الخبر والحرية معاً، وبالتالي انتشار الجوع والفقر والكبت والاضطهاد، إذ إنه في حقيقة الأمر يجب أن لا يكون تردي الأوضاع الاقتصادية مبرراً لغياب الإصلاح والعدالة والحرية، ففي دولة مثل الهند مثلاً فان الفساد والفقر والتفاوت في توزيع الثروة لم يمنع قيام ديمقراطية هي الأكثر شعبية في العالم The Most Populace Democracy، وفي دول غنية مثل دول النفط، فان الطفرة الاقتصادية لم تواكبها تحولات سياسية نحو الديمقراطية والمشاركة الشعبية واحترام حقوق الإنسان، فبالرغم من أن هذه الدول غنية "مجتمعات الوفرة" إلا أنها لم تنجح بالتوجه نحو الديمقراطية، فهذه الدول حققت رخاءً اقتصادياً لكنها تعاني من جمود أو تخلف سياسي.

مؤسسات أو أدوات الإصلاح:       Institutions or Agents of Reform

تحتاج عملية الإصلاح الى مجموعة من الأدوات أو المؤسسات التي من خلالها يتم تحويل الإصلاح من مجرد شعار أو مطلب شعبي الى واقع ملموس تنعكس أثاره على الجميع، بحيث يفضي الى فتح القنوات السياسية المسدودة، وإطلاق الحريات وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، ومحاربة الفساد، وتمكين المرأة، وتعزيز حرية استقلال الصحافة والقضاء، وغيرها من الأهداف النبيلة التي هي مطالب أو أجندة شعبية بالمقام الأول. وفي معظم مجتمعات العالم فان هناك عدد من المؤسسات التي تتفاوت بالتأثير اعتماداً على درجة التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، والتي يمكن ان تلعب دوراً بارزاً في دعم وتعزيز مسيرة الإصلاح. ولغايات هذا البحث فقد تم تقسيم هذه المؤسسات او الأدوات الى 3 مجموعات رئيسية، وذلك اعتماداً على مدى اعتماد أو استقلال هذه الأدوات عن النظام السياسي او الدولة، ذلك ان بعضها خاضع كلياً لهيمنة ونفوذ النظام السياسي، وبالتالي فان دور هذه المؤسسات محدود جداً في أحداث الإصلاح السياسي من فوق سلطة الدولة أو دون رغبتها وموافقتها. أما المجموعة الثانية من المؤسسات فهي ضمن نطاق وسيادة الدولة، إلا أن سلطان ونفوذ الدولة عليها ضعيف الى حد ما، فهي مؤسسات شبه مستقلة، وبالتالي فانه تعلق آمال كبيرة على هذه المؤسسات في أن تلعب دوراً هاماً في الضغط باتجاه الإصلاح أو تعزيز مسيرة الإصلاح اذا بدأت بمبادرة السلطة أو النظام السياسي، وأخيراً تأتي الفئة الثالثة التي تتمثل بجهود وضغوط الدول والمنظمات الدولية بشقيها الحكومية وغير الحكومية في دعم وتعزيز المطالب الإصلاحية.

I.  المؤسسات شبه المستقلة: Semi- Independent Institutions    

تتعدد المؤسسات شبه المستقلة التي يمكن ان تسهم في تحقيق الإصلاح، وتختلف في مدى فعاليتها وأسلوب عملها، اذ إنها تبدأ بالأسرة الصغيرة أو العائلة الممتدة، وتنتهي بمؤسسات المجتمع المدني المتعددة الإشكال والأهداف. وفيما يلي عرض مختصر لأبرز هذه الأدوات:

1- الأسرة: The Family

تعتبر الأسرة أول مؤسـسة من مؤسـسات التأهيل السـياسي التي يتعامل معها الفرد، وبوساطتها يتم نقل القيم والمعتقدات والأفكار السياسية داخل المجتمع من جيل الى جيل أخر، وبالتالي فإنها تقوم بوظيفة سياسية الى جانب وظائفها الإنسانية والاجتماعية. إن الأسرة يمكن ان تكون مفتاح التغيير والإصلاح السياسي، فالطفل الذي ينشأ في أسرة او بيئة عائلية تتخذ فيها القرارات بطريقة ديمقراطية وبمشاركة الجميع، فان الأداء المستقبلي لهذا الطفل يتوقع ان يكون أكثر ميلاً نحو الحوار والمشاركة. والعكس تماماً بالنسبة للطفل الذي ينشأ في عائلة سلطوية. (17)

ان المجتمع الذي يسعى الى تحقيق إصلاح سياسي يدرك أهمية تأسيس قواعد للممارسة الداخلية تؤكد قيم الإصلاح، اذا لا معنى للمطالبة بالديمقراطية وحقوق الطفل وحقوق المرأة اذا كانت هذه الحقوق تنتهك داخل مؤسسات المجتمع وعلى رأسها الأسرة. إن من أبرز العقبات التي تعترض طريق الإصلاح السياسي في المجتمع العربي هي السلطة الأبوية التي ترسخت في الأسـرة والعائلة الممتدة ثم القبيلة، وأخيرا الدولة أو النـظام السياسي. (18)

2- مؤسسات التعليم:    Institutions of Education

تجمع أدبيات التنمية الإنسانية والثقافية السياسية على الدور الذي تلعبه مؤسسات التعليم من مدارس ومعاهد وجامعات في عملية الإصلاح السياسي. فهذه المؤسسات تلعب دوراً هاماً في عملية التثقيف السياسي من خلال ما تقدمه من معارف ومعلومات عن أنظمة الحكم المختلفة، مصادر الشرعية، الآمال والتحديات التي يواجهها النظام السياسي...الخ، كما يمكن لهذه المؤسسات ان تلعب دوراً في عملية الإصلاح السياسي بالتركيز على مفاهيم وقيم تعزيز الدعوات والمبادرات الإصلاحية مثل الحرية، والعدالة، والانفتاح، المساواة، المواطنة، أهمية المشاركة، حقوق الإنسان وغيرها. (19)

وبالإضافة الى ذلك فان الأشخاص المتعلمين هم أكثر وعياً وإدراكا واهتماماً بالأحداث والظواهر السياسية، وبالتالي فان النخبة الثقافية يمكن ان تحمل لواء الإصلاح وذلك من خلال الدور المزدوج الذي يلعبه المثقف في ان يكون باحثاً Scholar، يقدم الدراسات والتحليلات او مشاركاً Activist، في العمل السياسي، من خلال الجهر في قول الحق وانتقاد الأوضاع السيئة والعمل على تغييرها نحو الأفضل.

إن من أبرز إشكاليات الإصلاح السياسي في العالم العربي اليوم أن مناهج التعليم السلطوية تركز على الحفظ والتلقين وتؤدي الى الخشوع والإذعان، إضافة الى انعزالية وإحباط النخبة المثقفة وعدم مشاركتها بفعالية في العمل السياسي. (20)

3- المؤسسات الدينية:Religious Institutions     

ان المؤسسات الدينية من مسجد وكنيسة ومعبد وغيرها من دور العبادة، يمكن أن تكون عقبة في طريق الإصلاح، وذلك بتبرير الأوضاع السائدة ودعم الأفراد والمؤسسات القائمة، أو تكون قوة ثورية دافعة للإصلاح والتغيير. وبالتالي فان الدين سلاح ذو حدين وذلك نظراً للدور الهام والمتنامي الذي يلعبه الدين في الحياة المعاصرة(21).

فعلى سبيل المثال، بالرغم من الانطباع السائد بان العلمانية Secularism ، في الغرب تتطلب الفصل التام بين الكنسية والدولة إلا انه تاريخياً لعبت الكنيسة دوراً هاماً في كثير من حركات التحرر والإصلاح السياسية لدرجة أن المسيحية أصبحت تعرف بديانة تحررية أو كفاحية Liberation Theology (22) ، ففي كثير من دول أمريكا اللاتينية في ستينات وسبعينات القرن الماضي وفي الولايات المتحدة الأمريكية في زخم حركة الحقوق المدنية The Civil Rights Movement، في الستينات من القرن الماضي، وفي بولندا في أواخر القرن الماضي فان الكنيسة ورجال الدين كانوا على رأس مثل هذه الحركات. وفي الوقت الحاضر فان الديمقراطية المسيحية Christian Democracy أصبحت حركةً سياسيةً عالميةً لديها أحزاب وأتباع وأفكار في معظم دول أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية.(23)

أما في العالم الإسلامي، فانه لا يخفى على أحد الدور الذي يلعبه المسجد في التأثير على عقول وقلوب مرتاديه، ولا سيما في دول مثل الجزائر ومصر وتركيا وإيران، حيث إن المسجد في ظل غياب مؤسسات مجتمع مدني أصبح المؤسسة التي تسد الفراغ اذ لم يعد فقط مكان للعبادة بل أصبح يمارس دوراً سياسياً هاماً في هذه الدول ودوراً هامشياً في دول أخرى.(24)

4- مؤسسات المجتمع المدني: Civil Society Institutions

بالرغم من التعريفات المتعددة لمفهوم المجتمع المدني، إلا أنها جميعاً تدور حول المشاركة الاختيارية أو الطوعية المنظمة من قبل الأفراد في السياسة العامة للدولة من خلال مجموعة من المؤسسات المستقلة عن الدولة من أحزاب ونقابات واتحادات وجمعيات...الخ من القوى الضاغطة.

ان دولة المجتمع المدني هي دولة القانون والمؤسسات، وفي ظل غياب مؤسسات المجتمع المدني فان البديل هو دولة العسكر أو الحزب الواحد أو القبيلة أو الطائفة.(25)

أما بخصوص الدور الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في الإصلاح السياسي، فان هناك شبه إجماع بين مفكري السياسة على أن هناك ترابطاً وتلازماً بين المجتمع المدني والديمقراطية إذ لا يتصور قيام دولة ديمقراطية بغياب مجتمع مدني، ولا يتصور قيام مجتمع مدني فاعل في غير دولة ديمقراطية. فعلى سبيل المثال لا يمكن تصور نظام ديمقراطي في ظل غياب الأحزاب السياسية التي هي عماد الديمقراطية، لا بل ان العداء للأحزاب السياسية هو عداء مبطن للديمقراطية.

إن الإصلاح السياسي يحتاج الى ثقافة مدنية Civic Culture ، تقوم على قيم ومبادئ الحوار والثقة والحرية والتسامح ونبذ العنف والعداء وإقصاء الآخر، ولا شك ان مثل هذه الثقافة وما يترتب عليها من سلوك لا يمكن ممارستها في ظل غياب مؤسسات المجتمع المدني، وقد لا نبالغ كثيراً إذا قلنا إن مصير الكثير من التجارب الإصلاحية، قد يكون معتمداً كلياً على مدى ما تتمتع به مؤسسات المجتمع المدني من قدرات وإمكانات وكفاءات لتعزيز وترويج ودعم مسيرة الإصلاح، وبلغة أخرى فان مؤسسات المجتمع المدني هي حجر الزاوية في تعزيز الديمقراطية والإصلاح السياسي،(26) ففي كثير من دول أمريكا اللاتينية بدأت التحولات نحو الديمقراطية بجهود منظمات المجتمع المدني، وفي العالم العربي في الخمسينات والستينات وفي أوائل التسعينات من القرن الماضي، فان مثل هذه المؤسسات كانت غائبةً كلياً , الأمر الذي قد يساعد على تفسير غياب الديمقراطية عن هذا الجزء من العالم , إلا أن العقدين الماضيين شهدا نمواً متزايداً لمؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، فزاد عددها وقوتها وأهميتها لدرجة أنه تعلق أمال كبيرة على مثل هذه المؤسسات في دعم مسير الإصلاح والتحول الديمقراطي في كثير من دول الوطن العربي مثل: مصر والمغرب والأردن والكويت ولبنان وغيرها. 

 فالإصلاح السياسي يحتاج إلى حركات ومؤسسات تناضل من أجله, وفي ظل تهميش أو تغييب أو تقييد حرية وحركة هذه المؤسسات فإنه ينتشر الفساد والاضطهاد والقمع وغيرها من ملامح الاستبداد السياسي .

II.   المؤسسات الرسمية:   Formal  Institutions

إن عملية الإصلاح السياسي عملية شاملة تتطلب مشركة كافة الجهود الفردية والرسمية، إذ ليس بوسع الأدوات شبه المستقلة عن الدولة من أسرة وجامعة وحزب سياسي، أن تعمل لوحدها بمعزل عن النظام السياسي وأدواته وأجهزته. وبالتالي فإن دور ومؤسسات الدولة الرسمية في عملية الإصلاح هو دور محوري لا يمكن تجاهله.  وفيما يلي عرض لأبرز المؤسسات الرسمية التي تلعب دوراً في مجال الإصلاح السياسي:

1- البرلمان:   The Parliament

تلعب المجالس المنتخبة من برلمانات ومجلس شعب ومجلس إستشاري ....إلخ, دورا في عملية الإصلاح من خلال أدائها لوظائفها الرئيسة في التشريع والمراقبة. فالتشريعات والقوانين التي تؤكد الشفافية والمحاسبة وحماية الأفراد والحريات والممتلكات ومحاربة الفساد وغيرها, هي القوانين التي تدفع بحركة الإصلاح إلى الأمام .وكذلك لا يخفى دوراً البرلمان في الرقابة والمحاسبة. فلجان التحقيق والاستدعاء والاستجواب وغيرها من آليات الرقابة للسلطة التنفيذية تلعب دور في تحقيق العدالة ورفع الظلم، ومكافحة الفساد والاستبداد. وحتى يتمكن البرلمان من أداء هذا الدور على الوجه الأكمل لابد من أن يتمتع أعضاؤه بالحصانة والاستقلالية والاستقامة.

فعلى سبيل المثال تميز البرلمان الأردني منذ عودة الحياة النيابية في عام 1989 بوجود نوعين من النواب:  النوع الأول نواب أقوياء داعمون للإصلاح لعبوا دوراً مهماً في مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية وهم قلة في مجلس النواب منهم نواب الحركة الإسلامية . أما النوع الثاني فهم نواب ضعفاء ممثلون لمصالح ضيقة أو مناطق جغرافية، تمكنت الحكومات الأردنية المتعاقبة من احتوائهم وتهميشهم بتقديم بعض الإغراءات والمكاسب، مما أضعف دورهم وأثر على أدائهم وأداء البرلمان بشكل عام.(27)

2- القضاء :    Judiciary

لاشك أن المنافسة والصراع و التنازع سمة من سمات البشر, وبالتالي لابد من فض هذه النزاعات بالطرق السلمية وهنا يأتي دور القضاء، وفيما يتعلق بالإصلاح السياسي فإن دور القضاء يبرز من خلال تطبيق القانون بعدالة على الجميع دون محاباة أو تمييز, فالمساواة أمام القانون سمة من سمات المجتمع الإنساني المتحضر, وغياب العدالة والمساواة في التعامل مع المواطنين يجعلهم يشعرون بالضيق والحرمان مما يؤدي إلى الشعور بالإحباط والغضب الذي يؤدي إلى العنف، وذلك باللجوء إلى القصاص الفردي احياناً.

لقد أدى عدم نزاهة واستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية في معظم الدول العربية إلى انتهاك الكثير الكثير من الحقوق والحريات للمواطنين . وقد لا نبالغ كثيراً إذا قلنا إن تغول السلطة التنفيذية وأجهزتها المختلفة على السلطة القضائية سواء بالترهيب بالجزاء أو بالترغيب بالمكافأة، قد جعل الكثير من دول العالم العربي أشبه بمعتقل كبير، إذ تسود هذه الدول محاكم استثنائية وقوانين طوارئ، ومحاكم أمن دولة وغيرها من المؤسسات التي تفتقد ضمانات الحق في محاكمة عادلة (28) وفي الخلاصة فإنه يمكن رفع شعار "القضاء أولاً" إذ إنه من المستبعد إحداث إصلاح في ظل غياب قضاء نزيه، عادل، مستقل.

3- وسائل الإعلام:   Mass  Media

تلعب وسائل الإعلام المختلفة من إذاعة وتلفاز وصحف ومجلات وغيرها، دوراً هاماً في عالم اليوم، فقد أدى التقدم التكنولوجي الهائل إلى ثورة في عالم الإعلام أنتجت ما يمكن أن نسميه بعولمة الثقافة والأخبار The Globalization of Culture and News، وبالتالي فإن دور وسائل الإعلام في الإصلاح السياسي لا غنى عنه، ويتجلى هذا الدور من خلال قيام وسائل الإعلام المتعددة بتوعية الأفراد وترسيخ إيمانهم بالتوجهات و الأفكار الإصلاحية وذلك من خلال وضع برامج سياسية إعلامية متكاملة، تسهم في التأثير على فكر المجتمع وسلوكه، وأيضاً من خلال البحوث والدراسات، وإجراء استطلاعات الرأي العام ونشرها لمعرفة اتجاهات الشعب وميوله, وأخيراً دور وسائل الإعلام في كشف الممارسات والسياسات الخاطئة، وتعبئة الرأي العام في مواجهتها. (29)

والحقيقة أن دور وسائل الإعلام يعتمد على مدى مصداقية واستقلالية هذه الوسائل, وبالتالي يمكن القول أن الإصلاح السياسي يحتاج إلى صحافة حرة وإعلام مستقل، ففي الأنظمة التي تخضع فيها وسائل الإعلام لسيطرة الدولة فإن الإعلام يوظف لخدمة السلطة والدفاع عنها وتبرير سياستها، وقلما ينتقد هذه السياسات، وبالتالي فإنه من غير المحتمل إحداث إصلاح سياسي في مثل هذه الأنظمة.

ولعل الدور الذي تلعبه القناة الفضائية ( الجزيرة ) في معالجة موضوعات كانت أشبه بالمحرمات في العالم العربي خير دليل على دور الإعلام في تحقيق الإصلاح السياسي المنشود إذا ما تمتعت وسائل الاعلام بالحياد والاستقلالية والحرية.

III.         الأدوات الخارجية:    External Agents

لعل مـن أبـرز مظاهـر النـظـام الدولي المعـاصر, ظـاهرة الاعـتماد المـتبادلInter-Dependence والتي تعني عدم إمكانية الدولة وأي دولة كانت بغض النظر عن إمكاناتها ومصادر قدرتها أن تعتمد كلياً على ذاتها وتعيش بمعزل عن الأحداث والتطورات التي تحدث في البيئة الخارجية.

ومن هنا فإن الضغوط والمبادرات الإصلاحية التي تتبناها دول أو منظمات دولية أو غير حكومية تكمَل دور المؤسسات والجهود المحلية أو الوطنية في إحداث الإصلاح السياسي، ولعل هذا الدور يتجلى فيما يلي :

1- الضغوط الخارجية الدولية:     External International Pressures

كما ذكر سابقاً فإن الضغوط الخارجية التي تمارسها بعض الدول تجاه دول أخرى تعاني من أزمات أو مشاكل وبحاجة ملحة إلى إجراء إصلاحات سياسية , ليست ظاهرة أو سلوك جديد في العلاقات الدولية . وفي الوقت الحالي فإنه بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية التي تبنت الخيار الشيوعي الشمولي قد تصاعدت الدعوات المطالبة بالإصلاح السياسي وتبني خيار الديمقراطية كأسلوب حياة ونظام حكم. والحقيقة أن هذه الضغوط بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرت حتى الوقت الحاضر، كما أنها نجحت أحياناً في إحداث إصلاحات سياسية وتحقيق تحولات ديمقراطية مثل الضغوط التي مورست على إسبانيا في عهد فرانكو، والفلبين في عهد ماركوس، وتشيلي في عهد بنوشه.

وفي هذا المقام يمكن القول إنه بانتهاء الحرب الباردة فقد تحررت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية من عقدة الأمن والاعتبارات الإستراتيجية التي جعلتها تغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية في عدد من الدول الحليفة مثل نظام الجنرال ضياء الحق في باكستان, نظام الشاه في إيران , نظام موبوتوا في زائير, والكثير من الأنظمة العربية التسلطية. ولاشك إن مثل هذا السجل للغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة, يجعل الضغوط الغربية ليست قابلة للتصديق في كثير من دول العالم الثالث،  ولعل الضغوط الأمريكية التي تتعرض لها الأنظمة العربية في الوقت الحاضر هي خير برهان على ذلك حيث إن هناك انقساماً حاداً في المجتمع العربي تجاهها, فهناك فريق يرفض برنامج الديمقراطية الغربي، ولا يقبل بالديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما في ظل احتلالها للعراق ومحاولة تقديمها مبادرات إصلاحية مقرونة بالوعيد والتهديد، علاوة على عدم مراعاة النموذج الأمريكي في الإصلاح السياسي للخصوصية الثقافية للشعوب العربية الإسلامية.

وهناك فريق أخر يميز بين السياسة الأمريكية والثقافة والقيم الأمريكية التي تستند إلى تراث التحرر والديمقراطية مجسداً بإعلان الاستقلال ووثيقة الحقوق ومبادئ ويلسون وغيرها من المبادئ والأفكار التي نادى بها المؤسسون الأوائل من أمثال جفرسون ومادسون وابراهام لنكلون وغيرهم، وبالتالي فإن هذا الفريق يرى أن الضغوط الأمريكية لإحداث الإصلاح ضرورية، وأشبه بالمضادات الحيوية التي يحتاجها الجسد العربي المنهك من الفساد والاستبداد خصوصاً إذا علمنا أن هناك أنظمة عربية لديها مناهج تعليم وممارسات وعقليات تنتمي إلى العصور الوسطى.

2- دور المنظمات الدولية:       International Organizations

لعل من أبرز مظاهر التغيرات في العصر الحاضر في حقل العلاقات الدولية زيادة عدد المنظمات الدولية بشقيها الحكومية وغير الحكومية وتنامي الأدوار التي تلعبها هذه المنظـمات في التأثير على السـياسات ومجريات الأحـداث في العالم، ويأتي البنك الدولي The World Bank   وصندوق النقد الدولي The International Montery Fund  على رأس المنظمات الدولية في تحقيق الإصلاح السياسي. فعلى سبيل المثال أكد تقرير البنك الدولي في أوائل التسعينات من القرن الماضي أن الحكم الصالح  Good Governance  هو المتطلب الرئيس لإحداث تنمية اقتصادية في إفريقيا، (30) وفي هذا المجال فإن كثيراً من الدول الأوروبية الغنية أخذت تربط المساعدات الاقتصادية التي تقدمها للدول الفقيرة في آسيا وإفريقيا بمدى استجابة هذه الدول في إجراء إصلاحات سياسية، ومن أمثلة ذلك برنامج الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، والذي أكد الإصلاح السياسي والحرية والتعددية السياسية وتمكين المرأة.

أما فيما يتعلق بالمنظمات غير الحكومية  Non- Governmental Organizations فإنه يمكن الإشارة إلى منظمة العفو الدولية، ومنظمة الشفافية العالمية، ومنظمة مراسلون بلا حدود، كأمثلة على المنظمات غير الدولية. ويتجلي الدور الذي تلعبه هذه المنظمات في الإصلاح السياسي من خلال التقارير السنوية التي تصدرها هذه المنظمات في مجالات الحرية، وحقوق الإنسان، وحرية الصحافة ومكافحة الفساد.

فلا شك أن تقارير منظمة العفو الدولية حول انتهاكات حقوق الإنسان تقلق وترفع ضغط كثير من الحكام في الأنظمة التسلطية.

3- دور التكنولوجيا: The Role of Technology

تلعب التكنولوجيا دورا هاما في تقدم البشرية وإشباع الحاجات الأساسية للإنسان , فثورة المعلومات والتطور في وسائل الإعلام والاتصال هي نتاج التقدم التكنولوجي, ولاشك أن استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة مثل نظم الاتصالات الحديثة من فاكس وجوال وإنترنت وحاسبات الالكترونية وغيرها، تلعب دوراً هاماً في عملية الإصلاح السياسي, ذلك أن الإصلاح السياسي يحتاج إلى إجراء إصلاحات إدارية ثقافية, تعليمية يصعب تطبيقها دون استخدام التقنيات الحديثة, كما ان الإنسان المثقف المدرب على استخدام التكنولوجيا الحديثة في مختلف دوائر ومؤسسات الدولة هو الأقدر على زيادة فعالية هذه المؤسسات، وتقليص دور البيروقراطية فيها, وخلاصة القول إن مجتمع المعرفة هو الأقدر على إنجاز الإصلاح السياسي، وتحقيق التنمية والتقدم من أجل مستقبل أفضل للجميع.

ومن أبرز الأمثلة على دور التكنولوجيا في الإصلاح السياسي هو الأدوات التي تستخدمها المعارضة السياسية المقيمة في الغرب للأنظمة التسلطية في الكثير من دول الوطن العربي، حيث تستخدم المعارضة الفاكس، وشبكة الإنترنت وغيرها من الأدوات في نشر أفكارها والاتصال بمؤيديها وجماهيرها في الداخل.

آثار ونتائج الإصلاح:  The Outcome of Reform

أن آثار ونتائج الإصلاحات تختلف باختلاف الظروف التي تتم في ظلها الإصلاحات، وكذلك باختلاف الأهداف والغايات التي تسعى الحركات والقادة الإصلاحيون إلى تحقيقها، كما انه من الصعـوبة الإحـاطة التامة بآثار ونتـائج الإصـلاح إذا كـانت عملية الإصـلاح لا تزال مستمرة In Process، وبالتالي من المبكر الحكم عليها، فقد يكون التاريخ هو صاحب السلطة في الحكم والتقييم.

ومثلما تقابل عادة الأفكار الجديدة والتغييرات الإصلاحية بمقاومة في البداية من بعض فئات المجتمع، فأنها أيضاً تقابل بحماس وتأييد فئات أخرى في المجتمع، ولكن الإصلاحات التي يكتب لها النجاح والاستمرارية هي تلك التي تنجح في خلق فئات وأنصار مستفيدة من الإصلاح، تتمسك بمنجزاته وتدافع عنه وتناضل في سبيل استمرارية الإصلاح وعدم التراجع عنه Irreversible Reform، فهذه القوى لديها مصلحة في الحفاظ على الإصلاح واستمراريته، فالإصلاحات المثمرة هي التي توسع قاعدة المشاركة الشعبية، وتقوي وتفعل مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وغيرها تمثل خط دفاع صلب أمام القوى المناوئة للتغير والإصلاح، وبخلاف ذلك فانه يمكن التراجع عن الإصلاح، فعلى سبيل المثال كانت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها السلفادور الليندي في تشيلي سنة 1970 محل تأييد وترحيب فئات واسعة من الشعب التشيلي، إلا انه يعد فترة قصيرة تمت الإطاحة بالسلفادور اللندي، والتراجع عن كافة الإصلاحات التي تبناها أوحل نظام تسلطي محل النظام الديمقراطي الذي بدأه اللندي.(31)

وتقدم نيجيريا تجربة مشابهة في الفشل في بناء نظام ديمقراطي مستقر بعيداً عن هيمنة أو تدخل العسكر، فقد استقلت نيجيريا عن بريطانيا سنة 1960، ومنذ الاستقلال حتى الآن فان نيجيريا تتميز بتاريخ من الفوضى، وعدم الاستقرار، والانقلابات العسكرية، والحرب الأهلية، بالرغم من إمكاناتها البشرية الهائلة وثرواتها النفطية الضخمة التي تؤهلها للعب دور هام على المستويين الإفريقي والعالمي. وفي المقابل فان تجربة الاتحاد الأوروبي تمثل قصة نجاح باهرة في خلق فئات مستفيدة من الإصلاح تجعل التراجع عنه أمراً بالغ الصعوبة، حيث بدأت الفكرة بإنشاء منظمة الحديد والصلب عام 1956، ثم تطورت من المجال الاقتصادي إلى المجال السياسي والذي توج بإنشاء الاتحاد الأوروبي ومؤسساته المختلفة من دستور وبرلمان ومحكمة وعملة موحدة ....الخ. بدأت المنظمة بـ ست دول ووصلت إلى حجمها الحالي إذ يزيد دور أعضاء الاتحاد الأوروبي الآن عن 25 دولة. إن تجربة الاتحاد الأوروبي هي خير مثال على الإصلاح الذي لا رجعة عنه(32) لأنه يخلق فئات مستفيدة منه وبالتالي تتمسك بمنجزاته ولا تقبل التراجع عنه أو إجهاضه.

وبالخلاصة فان الإصلاح أو التغيير السلمي Peaceful Change، أو ما يمكن تسميته  بالثورة الهادئة الذي عادة ما تكون بالوسائل والأدوات الديمقراطية وعلى رأسها الانتخابات، هو الذي تسعى معظم الشعوب إلى بلوغه، ولعل تجربة التحول الديمقراطي السلمي في دول أوروبا الشرقية هي خير برهان على ذلك.

أن الإصلاح بحاجة إلى إصلاحيين يتمتعون بمزايا معينة منها قوة الإرادة وصدق الانتماء وثقافة الحوار والتسامح، والرغبة في المشاركة، واحترام قيم العدالة والمساواة والشفافية، وحقوق الإنسان التي ضمنتها المواثيق الدولية، ورفض الفساد والاستبداد والعنف، وهذا يتطلب مشاركة الجميع في المجتمع من حكام ومحكومين، رجال ونساء. أن حركة التقدم والإصلاح لا يمكن أن تتم إلا من خلال إتاحة الفرصة المتساوية لكل فئات المجتمع في المشاركة والتفاعل، وحشد لطاقات من أجل بناء الوطن الحر، وخلق المواطن السعيد المشارك بفعالية في مسيرة الإصلاح والتحديث من أجل بناء مجتمع الغد. فالإصلاح عملية مجتمعية وبالتالي فان الفرد محدود الإمكانيات ولا يستطيع إحداث الإصلاح بمفرده، فلا بد من أن ينتظم الأفراد في إطار جماعي من خلال مؤسسات المجتمع المدني، سعياً لتحقيق الإصلاح المنشود.

أما الثورة والتي تعتبر أقدم وسائل التغير وأكثرها فعالية فأنها غير ممكنة الآن، إلا أنها غير مستحيلة، إذ أن الدولة في معظم المجتمعات قد تغلغلت وسيطرت على كافة بنى المجتمع، كما أن التصادم معها قد يكون باهظ التكاليف، وبالتالي تكون الخسائر تفوق المكاسب، أن طريق الإصلاح ليست مفروشة بالورود، بل مسؤولية صعبة ودقيقة وتحتاج إلى قيادة وحنكة وصبر واستعداد للتضحية ودفع الثمن في هذه المعركة الحاسمة التي يتوقف على نتائجها مصير ومستقبل الكثير من شعوب العالم، وبخلاف ذلك فان الإصلاح يحتاج إلى معجزة سياسية، ونحن في عصر انتهت فيه المعجزات.

الخاتمة:  Conclusion

منذ أن وجد الإنسان على سطح البسيطة وهو في حركة تغير دائمة ومستمرة من أجل الحفاظ على أمنه واستقراره، وتحقيق سعادته وإنسانيته، وبالتالي فإن الإصلاح والتغيير والتنمية والتحديث سمه ملازمة للبشر, وقديمة قدم الإنسانية. والإصلاح يمكن أن يأخذ أشكالاً متعددةً، فقد يأتي بالطرق السلمية، وقد يتم إحداثه بالعنف والثورة، وقد يكون مرحلياً ومتدرجاً، وقد يكون سريعاً ومفاجئاً, كما تتعدد دوافع وبواعث الإصلاح، فقد يكون ناجماً عن تطور طبيعي في المجتمع، وقد يكون استجابة لازمة معينة أو تحت ضغوط خارجية، كما قد تتبناه الأنظمة السياسية الديمقراطية والتسلطية على حد سواء. وأخيراً يتفاوت تأثيره ونتائجه من مجتمع لأخر، كما تتعدد أدواته ومؤسساته إلا أن حجر الزاوية هو المشاركة الشعبية وخلق  ثقافة سياسية تؤكد الثقة والمشاركة ونبذ اللامبالاة والعزلة والانسحاب من العمل السياسي، وفيما يخص المنطقة العربية فإن نهوض العرب ومواجهة التحديات المستقبلية يتطلب إجراء مراجعة شاملة لكل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحديد أوجه القصور في كل مجال، وقد يكون الإصلاح السياسي هو المدخل للإصلاح في بقية المجالات.

 

 المراجع

(1) تقرير التنمية الإنسانية العربية عام 2004، نحو الحرية في الوطن العربي، المطبعة الوطنية، عمان، 2005.

(2) القران الكريم، سورة البقرة: الآية 22.

(3) القران الكريم، سورة القصص، الآية 19.

(4) د. عبدالله بلقزيز، أسئلة الفكر العربي المعاصر، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الأيوبية، 1998، ص 13.

(5) نيقولا مكيافيلي، الأمير، ترجمة خيري حماد، دار الأفاق الجديدة، بيروت، 1975.

)[1]( John E. Esposito, Islam and Politics, 3rd Edition, New York, Syracuse University Press, 1991, p. 43. See Also, Lord Eversly, The Turkish Empire, London: T. Fisher Unwin, ltd,1924.

)[1] ( Donald Everett Webster, The Turkey of Ataturk: Social Process in the Turkish Reformation, Philadelphia: the American Academy of Poetical and Social Science, 1939, p 21.

([1])William Cleveland L. A. Modern History of the Middle East, Boulder: West view Press, 1990, p. 62.

(9) Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age: 1798-1939, Oxford: Oxford University Press, 1970. and, Gerorge Antoneius, The Arab Awakening: The story of Arab National Movement, Norwich, Jordan and Sons, ltd.

(10) جبرايل الموند، السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر: نظرة عالمية، ترجمة هشام عبدالله، الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان 1939، ص 232-234.

(11) دز بلقزيز، ص 15-19.

(12) Samuel Huntington, Political Order in Changing Societies New Haven, Conn. 1968.

(13)Samuel Huntington, No Easy Choice: Political Participation in Developing Countries, Harvard University Press, 1977, p. 3.

(14) د. أمين مشاقبة، معوقات الإصلاح السياسي في الوطن العربي، ورقة غير منشورة مقدمة إلى ورشة عمل الإصلاح السياسي: رؤية مستقبلية، مركز الرأي للدراسات، عمان، 26-27-9-2005، ص2.

(15) Samuel Huntingtion, The Cash of Civilizations and the Remaking of World Order, New York, Touch store, 1997, P. 174.

(16) مشاقبة، ص4.

(17) د. كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، 1985، ص 333.

(18) انظر مثلاً، خلف ذينات، نقد الشخصية العربية، مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، 2004.

(19) المنوفي، ص 334، 335.

(20) د. عدنان بدران، النظام التربوي العربي: من دائرة الاغتراب الى الحداثة والتطوير، اليرموك عدد 87، نيسان، 2005، ص 4-10.

(21) Gabriel A. Almond, Strong Religion: The Rise of Fundamentalism around the World, Chicago: University of Chicago Press, 2003.

(22) Brian Moynahan, The Faith: A History of Christianity, New York: Doubleday, 2002, PP 694 – 712.

(23) Philip Bernyman, The Religious Roots of Rebellion: Christians in Central American Revolutions, New York: Orhis Books, 1984.

(24) الصادق النيهوم، الإسلام في الأسر، دار الريس، لندن، 1990. وانظر ايضاً، أحمد رواجيه، الاخوان والجامع: استطلاع للحركة الاسلامية في الجزائر، تعريب خليل أحمد، دار المنتخب العربي، بيروت، 1993.

(25) محمد عابد الجابري، إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي. المستقبل العربي السنة 15، العدد 167 (كانون الثاني، يناير 1993) ص 4 – 15.

(26) Augustus Richard Norton, edt. Civil Society in the Middle East. New York, E.J. Brill, 1996.

(27) د. مصطفى عبد الكريم العدوان، الوظيفة الرقابية في النظام السياسي الأردني: الواقع، التحولات في ظل النظام الديمقراطي، دار الحامد، عمان، 2004.

(28) تقرير القمة الإنسانية العربية لعام 2004, ص 13 – 21.

(29) ايرفنغ كرسبي، ترجمة صادق إبراهيم، الرأي العام، استطلاعات الرأي العام والديمقراطية. دار سندباد للنشر، عمان، 1998.

(30) Claude Ake, Democracy and Development in Africa, Washington, D.C. The Brookings Institution, 1996, P. 134.

(31) Paul E. Sigmund, The Overthrow of Allende and the Politics of Chile,     1964-1976, London, University of Pittsburgh Press, 1980.

(32) (17) Neil Nugent, The Govemment and Politics of the European Community, Durham, Duke University Press, 1989.

تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com