|
نظريـة المؤامـرة، والمؤامـرة الكبـرى ! |
الدكتور عدنان علي رضا النحوي |
|
’Nov 01, 2007 |
حوادث متلاحقة ، واضطرابات متعاقبة ، ومداولات وتهديدات ، ومظاهرات وصراخ ، وصواريخ ودويُّها ، وعمائر تنهار يُدفن تحت أنقاضها رجال ونساء وشيوخ وأطفال ، ومجازر تتدفَّق فيها الدماء ، وجماجم وأشلاء ، ومؤتمرات ، وجوعى ومرضى ، وثكالى وأيتام ، ودموع تتفجَّر من الأحزان ، ولهو ورقصٌ وأغانٍ وألحان ، وبطون خاوية وبطون متخمة ، وفقرٌ مدقع وثراء طاغٍ !
كلُّ هذا وأكثر منه يطالعنا كلَّّ صباح ، وتمضي المشاهد مع يومنا ، ونغفو ليلاً ولا تغفو الأحداث ! لماذا هذا كلّه ؟! ومَنْ وراء ذلك ؟! وإلى أين نسير ؟!
لا شكَّ أنّ كلَّ ما يجري يمضي على سنن لله ثابتة في هذه الحياة الدنيا ، وعلى قضاء نافذ وقدر غالب . ولكنه قضاء حقٌّ عادل لا يظلم أبداً . إنه يمضي ابتلاءً من الله وتمحيصاً لعباده ، حتى تقوم الحجة لهم يوم القيامة أو تقوم عليهم .
وليس هذا القضاء الربَّاني الحق هو الذي ندرسه في هذه الكلمة ، ولكننا نريد أن ندرس دور الإنسان وهو يمرُّ في هذا الابتلاء ! يمرُّ الإنسان في هذا الابتلاء وهو غافٍ ، قد نَسيَ الموت والآخرة والحساب ، يمضي وقد غلبه الكبر والغرور ، والظلم والاستكبار ، إلا المتقين الصادقين العالمين ، الذين يخشون الله ويرجون الدار الآخرة ، وقليلٌ ما هم !
يرى بعضهم أنَّ وراء هذه الأحداث كلها أو بعضها ما يسمونه "المؤامرة "، وآخرون يرفضون " نظرية المؤامرة " ، ويرفضون في الوقت نفسه دور القضاء والقدر ، ويعزلون الدنيا عن الآخرة !
فما هي المؤامرة ونظرية المؤامرة ؟! إنَّ رئيس الولايات المتحدة " بوش "، وهو رأس المؤامرات اليوم في الأرض ومدبِّرها الأول ، يدَّعي رفض " نظرية المؤامرة " ويعتبر أنها وسيلة لدى المسلمين يعلنونها ليسوِّغوا بها الإرهاب أو ما يسمِّيه " بوش " الإرهاب . ولا نرى إلا أن بوش وأمثاله من المتآمرين يريدون أن يُخفوا حقيقة تآمرهم على شعوب الأرض بإلقاء التهم على غيرهم ، وتزييف الحقائق ، وإلغاء موازين العدالة والحق الذي قامت عليه السموات والأرض .
من الناس من ينكر وجود شيء اسمه " المؤامرة " ، وربما يستهزئون بمن يشير إلى وجود مؤامرة . نعم من الخطأ أن ندخل المؤامرة في كل صغيرة ، ولكنه من الخطأ الفادح أن نلغي وجود المؤامرة ونظرية المؤامرة . فالمؤامرة يثبت وجودها بالدليل والحجة من ناحية ، وبالإيحاءات والأسباب الجادة من ناحية أخرى .
عجباً كل العجب ! أضياع فلسطين على هذه الصورة التي تتكاتف فيها جميع القوى الدولية على إنشاء دولة لليهود وطرد شعب فلسطين المسلم ليتيه في الأرض ، ظلماً وعدواناً ، ثمَّ نقول إنَّ هذا تمَّ دون وجود مؤامرة ؟!
كلا ! فهناك مؤامرة حقيقية دُبِّرت في ظلمة الليل ووضح النهار أَدَّت إلى هذه الكارثة العظيمة !
أََتُغزى أفغانستان بجيوش دولية متحالفة تقودها أمريكا فيحتلونها ويدمّرونها ويثيرون الأحقاد بين أهلها ، ويأتون بأناس من رجالهم ليتسلموا زمام الحكم ، أيتمُّ هذا دون مؤامرة ؟!
أتغزى العِراق بحشود من دول متحالفة تقودها أمريكا ، فيدمِّرونها ، ويستبيحون أعراض نسائها ، ويَقتلون رجالها ونساءها وشيوخها وأطفالها في السجون وخارج السجون ، وتنهب ثرواتها وينهب تاريخها ، ويقتل علماؤها ، أيتمُّ هذا كله دون مؤامرة ؟!
أينتفض العالم كله لجريمة اغتيال الرئيس الحريري في لبنان ، مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ، وأمريكا ، وإنكلترا وفرنسا وألمانيا ، ثمَّ تتدخل أمريكا في كلِّ شؤون لبنان ، وتُطْرَد سوريا من لبنان بعد أن أقام جيشها وأجهزة مخابراتها عشرات السنين بعلم هذه القوى ورغبتها وتأييدها ، أيتمُّ هذا كلُّه دون أن يضم في ثناياه عدداً غير قليل من المؤامرات ؟!
لقد ذُبح مئات الألوف من المسلمين في مختلف ديار المسلمين ، وتتابعت المجازر سنين طويلة في العالم الإسلامي ، فما أثار ذلك تلك القوى ، إلا بعد أن جفَّت الدماء واستقرت الجثث والأشلاء تحت التراب ، لتبدأ محاولات مسرحية للتحقيق والمحاكمات ، أيتم هذا كله دون مؤامرات ؟! وقُتِلَ " كيندي " في أمريكا ، فما قامت لجان دوليَّة للتحقيق ، وقتل آخرون ، أفي لبنان فقط تقوم قائمة الدول الكبرى كلها ومجلس الأمن ، أليس هنالك شيء مخفيّ ؟!
يصل حاكـم هنا وهناك إلى سدة الحكم بدعم واضح وتأييد من الدول الكبرى ، ثمَّ إذا خرج قليلاً عن الخط الأحمر المرسوم له ، حيكت المؤامرات لإنزاله والإطاحة به ، ولطرده حتى لا يكاد يجد بلداً يؤويه ! في وصوله مؤامرة وفي حكمه مؤامرة وفي الإطاحة به مؤامرة ، مثل شاه إيران !
عزمت أمريكا وحلفاؤها على غزو العراق ، دون أن يوافق مجلس الأمن ، وبمعارضة شعوب الأرض ، وقيام مظاهرات صاخبة في أنحاء شتى من المعمورة ، ثم تضرب أمريكا وحلفاؤها بكل ذلك عرض الحائط ، ثم تنهار جميع المسوِّغات التي ادَّعتها أمريكا لاحتلال العراق ، وأهمها وجود أسلحة الدمار الشامل التي ثبت عدم وجودها ، ويمضي هذا الغزو ليضمَّ مؤامرات ومؤامرات .
شعارات دوَّت بها أمريكا وحلفاؤها من ديمقراطية وحريَّة ، ليدَّعوا أنهم دعاة الديمقراطية والحرية ، فإذا ذلك يصبح تدميراً وقتلاً وسجوناً وإبادة واستباحة كلِّ المحرمات ، أليس ذلك مؤامرة يغلفها الكذب والخداع ؟! أليست هذه مؤامرة مكشوفة مفضوحة لا تخفيها شعارات الديمقراطية المزخرفة ولا شعارات الحريّة المزيّفة !
إنَّ أطماع المجرمين في الأرض أصبحت مكشوفة لا تغيب حقيقتُها إلا عن نائمٍ أو غافٍ أو تائهٍ مضلّل ! وإن هذه الأطماع وما تثيره من صراع لا يمكن أن تمضي إلا بالمؤامرة بعد المؤامرة ، لتسويغ العدوان والإجرام ، ونهب الثروات وإذلال الشعوب ؟!
وإنا لنلمس ذلك جليَّاً فيما يدور في العالم الإسلامي منذ زمن غير قليل ، ومن خلال تاريخ طويل وصراع طويل حتى سقطت الخلافة الإسلامية ! فهل يمكن أن تسقط الخلاقة الإسلامية إلا بمؤامرات تخترق الأمة وتنشر الانحلال والوهن ، والأفكار المنحرفة ، ثمَّ بالضربة القاضية ؟! هل يمكن أن يقسَّم العالم الإسلامي ويمزَّق إلا من خلال مؤامرة واسعة ؟!
فمن يرى أنَّ هذا كله يتمُّ دون مؤامرات ، فهو إما جزء من منفِّذي هذه المؤامرات ومن المتعاونين معها ، حتى يخفوا الحقيقة عن الناس ، وحتى تمرّ المؤامرات بيسر ، وإما أنه غافٍ لا يدري ما يدور حوله !
إنَّ مدَّعي النبوّة اليوم ، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، جورج دبليو بوش ، لا شك أنه يقود أكبر عدد من المؤامرات في العالم وأوسعها ، وخاصَّة حين يعلن ويقول ، كما نشرت الصحف : " إنَّ ما يحرِّكني هو تكليف من الله . كان الله يقول لي : جورج ! اذهب وأَنْهِ الطغيان في العراق ! وقد فعلتُ ! والآن مرّة أخرى أشعر بكلمات الله وهي تصل إليَّ وتقول ......" !
لقد استغفل العالم وهو يعلن ذلك . عندما قرَّر غزو العراق لم يدَّع هذه النبوّة ، وإنما ادعى وجود خطر يهدد أمريكا من أسلحة الدمار الشامل في العراق! لقد كذب أولاً وكذب أخيراً وما زال يمضي على الكذب والخداع ! وهل يُعقل أن تكون الأعمال الوحشية من تدمير وقتل وإبادة واقتحام البيوت على النساء ، والاغتصاب والتعذيب المروّع والتفنّن فيه ، هل يُعقل أن يكون ذلك كله دون وجود مؤامرة ، أم أنه من وحي الشياطين ، شياطين الإنس والجن ؟! وهل يُعقل أن يكون من وحي الله على بوش ؟!
لقد عرف العالم كثيراً من المجرمين الذين يكذبون ويخدعون ، ولكن " بوش " حاز قصب السبق في ذلك ، وتجاوز كل الحدود في كذبه هو وبلير والعصابة التي تآمرت معهم . ألا يدرك " بوش " ومن معه أن أبسط قواعد المنطق أنه لو كان أمراً إلهياً فلماذا تخلَّى عنه الإله في العراق ، فلاقى العنت ، وتعثَّرت خطواته ، وقامت المظاهرات في مناطق متعددة وفي أمريكا نفسها تتهم " بوش " و " بلير " بالكذب والخداع ! ومنهم من هبَّ ليدعو إلى التحقيق معهما أو محاكمتهما!
أَيُعقَل أن لا يكون في قلب هذا الكذب والخداع مؤامرة أو مؤامرات ؟! فما هي المؤامرة في هذه الميادين إذن ؟!
ولا ننسى تصريح بوش عند حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001م ، عندما قال ما معناه : " بدأت الحروب الصليبية " . وإن عاد ليخفِّف من أثر هذا التصريح ، ولكنها حقيقة يعتقدها ، ويعمل لها ، ولكن لم يكن يؤذن له أن يكشف الأوراق آنذاك .
المؤامرة هي حقيقة الكذب والخداع والخيانة . هي الخيط الذي يجمع ذلك كله . فإذا لم يكن هنالك كذب وخداع وخيانة ، لم يعد هنالك مسوّغ للمؤامرة ، بل الصدق والوضوح والأمانة . ففي أجواء الجرائم لا غناء عن المؤامرات ، تخفيها الشعارات الكاذبة والزخرف الخادع ، وتصبح الشعارات تخديراً يمثل أول خطوة أو مرحلة من المؤامرة .
حقيقة المؤامرة على الإسلام والمسلمين ابتدأت مع اللحظة الأولى لبعثة النبوة الخاتمة محمد r، حين تحرَّكت قوى الكفر في قريش ، وفي اليهود ، وأخذت المؤامرات تتوالى :
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [ الأنفال : 30 ]
ويشتد المكر كيداً وخداعاً تكاد تزول منه الجبال لشدّته ولهوله :
(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)
[ إبراهيم : 46]
وتمتد المؤامرات ، ويلتقي شياطينها ومجرموها في تحالف شديد المكر ، حين التقى الكفر الصريح وأهل الكتاب من اليهود ، في استكبار وعتوّ ، وحاصروا المدينة المنوّرة ، معقل الإسلام ، وحصن المسلمين والنبوّة الخاتمة ، في غزوة الأحزاب ، يريدون استئصال شأفة الإسلام . فردَّ الله كيدهم في نحورهم وهزمهم وأذلَّهم ! فقد كان في قلب المدينة أمة صدقت الله فأنزل الله نصره عليهم.
ومنذ ذلك الوقت والمؤامرات تتوالى على الإسلام والمسلمين ، حتى تجمعت قوى الفتنة والفساد في الحروب الصليبية ، حين جمعوا جموعهم ، ووثَّقوا حسب ظنّهم مؤامراتهم ، في مرحلة كان المسلمون ممزَّقين ، حتى بعث الله قوى الإيمان في الأمة ، يقودها نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ، فأعزّهم الله بصدقهم وصفاء نيّتهم وحسن إعدادهم وتدبيرهم .
وأعتقد أنَّ هذه القوى استفادت من صراعها مع الإسلام في تاريخ طويل ، فجمعت تجاربها وخبرتها ، ثمَّ أخذت تُحكِمُ خطتها ومؤامراتها من خلال تحالف مخفيّ . فلمَّا هجمت البرتغال على " ملقا " سنة 1509م ، واستأنفت الهجوم سنة 1511 ، كان الشعار الأول كما قاله قائد الحملة : " إنَّ الأمر الأول هو الخدمة الكبرى للرب عندما نطرد المسلمين من هذه البلاد وتخمد نار هذه الطائفة المحمدية إلى الأبد " . كما يقول بوش اليوم مما ذكرناه قبل قليل ، ومع استخدام لفظة الديمقراطية والحريَّة بدلاً من لفظة طرد المسلمين . ثمَّ يكشف قائد الحملة البرتغالي في بقية خطابه حقيقة الهدف الدنيوي ألا وهو السيطرة على ثروة الهند التي كان يسيطر عليها المسلمون . والثروة المقصودة اليوم هي البترول في العراق وغيره الذي يسعى بوش إلى السيطرة عليه . ولما انتصر البرتغال في معركة " ملقا " أقامت روما قدَّاس شكر سنة 1515م ، وقال بعضهم إن هذا الانتصار سيسهل " استعادة القدس " ، كأنَّها كانت لهم ! وهذا وهمٌ يعيش به اليهود والنصارى . إذن كان ذلك نهجٌ عامٌ جمع روما والبرتغال وغيرهما ، يبدأ بشعار دينيٍّ كالذي أعلنه بوش والذي أعلنه القائد البرتغالي وكالذي يعلنه كلّ متاجر بالدين . وكذلك التقت هذه القوى في تآمرها المنظم على المسلمين في الأندلس حتى سقطت دولتهم وحتى طردوا وشرّدوا مع مذابح وحرق وقتل وإبادة التراث العلمي والفكري في حقد شديد .
واستمرَّ الكيد على الإسلام ، حتى بلغ ذروته في جهود متكاتفة تحمل المكر الشديد بأنواعه المختلفة ، في محاولات متتالية للقضاء على الخلافة الإسلامية في استانبول ، وعلى العالم الإسلامي وعلى الإسلام ، فأحاطوا بها من جميع نواحيها، وأخذوا ينشرون الفتن بعد الفتن ، ووجدوا التجاوب الكبير من الكثيرين ، والتقت قوى داخلية وخارجية تعمل كلها على إسقاط الخلافة . وكان من أهم أجزاء المؤامرة وأكثرها وضوحاً هو وعد بلفور والتصميم المشترك على إقامة الكيان اليهودي الصهيوني في فلسطين ، ليكون هذا الكيان ركيزة رئيسة في الحرب على العالم الإسلامي وتمزيقه . فسقطت الخلافة الإسلامية ، ومُزِّق العالم الإسلامي أقطاراً وشعوباً وعصبيات . وما زالت " المؤامرة " ماضيةً بكل وسائلها مكراً وكيداً وخداعاً واستدراجاً ، ماضيةً تدمّر كلَّ شيء أمامها ، كأنها عاصفة مروّعة ، ماضيةٌ تتدفق معها دماء المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام ، وتتطاير أشلاؤهم في أرض واسعة وفضاء واسع .
ومن هذا التاريخ الطويل الذي استغرق قروناً ، ندرك التصميم الشديد من هذه القوى على المثابرة في حربها ضد الإسلام دون هوادة ، وندرك كذلك أنهم استفادوا من خبراتهم المختلفة في حروبهم مع الإسلام كما ذكرنا سابقاً، وندرك كذلك أنَّ أهمَّ أسباب انتصارهم هو تمزَّق المسلمين أهواءً ومصالح ابتعدوا بها عن جوهر الإسلام وحقيقة العبادة والتوحيد والتزام منهج الله ، فسقطوا في شَرَكٍ بعد شَرَكٍ ، وثارت الأهواء وضجَّت العصبيات ، وغلب الوهن والاسترخاء ، وحُبُّ الدنيا عن الآخرة ، وضجَّت الشعارات تدفع الناس من هزيمة إلى هزيمة !
ولا بدَّ من وقفة هنا لندرك ما هي أسباب هذا الإصرار الشديد من هذه القوى على محاربة الإسلام ، وأسباب امتداد هذا الإصرار قروناً طويلة امتدت منذ أن بعث الله محمداً r نبياً ورسولاً للعالمين إلى يومنا هذا وستمتد إلى يوم القيامة!
إنَّ هذه القوى وصلت إلى نتيجة آمنت بها واعتقدتها وأصبحت منطلقها ونهجها في العالم الإسلامي ، وكان ذلك نتيجة لصراعها الطويل مع الإسلام وتجاربها الواسعة . إنها وجدت أنه يسهل التفاهم والمساومة والتنازلات مع كل معتقدات الأمم بطريقة أو بأخرى إلا مع الإسلام الذي أُنزل على محمد r، وإلا مع الذين آمنوا بهذا الدين العظيم ، والذين لا ينحرفون عنه ولا يساومون عليه ولا يتنازلون ، الذين آمنوا وأسلموا لله رب العالمين ، فعرفوا دربهم على صراط مستقيم ، وعرفوا أهدافهم الربانية ، فأعدَّوا ووضعوا الخطة والنهج ، ومضوا وهم على ربهم يتوكلون ، وقد استكملوا أسباب التوكل الصادق مع الله ، فنصرهم الله ، ( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) [ الروم : 47 ]
أما وقد استقرَّت هذه الحقيقة في قلوبهم ، ورأوا أن مثل هذا الإيمان وهذه الأمة المسلمة الواحدة ، وهذا الصف الواحد ، يقف حائلاً قوياً ضد أطماعهم وشهواتهم في نهب الشعوب وثرواتها ، وضد الظلم والعدوان الذي يتبع ذلك ، فلا بدَّ إذن من وضع خطة لشقِّ الطريق إلى أطماعهم التي لا تنتهي ، والتي رأينا جنونها وشدّتها في الحروب الصليبية ، وحروب " مالقا " جنوب شرق آسيا ، والأندلس ، والتي نراها في جنون أطماعهم في واقعنا اليوم ، وكلها تتجه إلى العالم الإسلامي الذي يسمونه كلَّ مرة باسم يظنون أنه يسوِّغ أطماعهم وجرائمهم . ففي مرحلة الدولة العثمانية الإسلامية كانوا يسمونها : " المسألة الشرقية " ، واليوم يسمونها منطقة " الشرق الأوسط " ذلك ليخفوا حقيقة نيّاتهم التي تتجه إلى العالم الإسلامي وثرواته وقوّته ، ليضعفوه ويدفعوه إلى الرضوخ والاستسلام !
إنه ابتلاء شديد من الله يمضي على سنن ربَّانيَّة ثابتة . فقد بعث الله هذه القوى ليبتلي بها المسلمين ، ولتكشف حقيقة النفوس ، ولتقوم الحجة على كلِّ إنسان يوم القيامة أو تقوم له ، وليُعْرفَ الظالمون منهم والصادقون :
(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [ الأنعام : 129 ]
من أجل ذلك ، ومن قناعتهم أن الإسلام الذي أُنزل على محمد r لا يساوم ولا ينحرف ولا يتنازل ، كان محور خطتهم لشق طريقهم إلى العالم الإسلامي وثرواته أن يوهنوه ، باتباع سبل شتى .
وعند حرب الخليج الثانية نقلت وسائل الإعلام تصريحاً مدوّياً لبوش الأب يقول فيه : " إن لنا ثلاثة أهداف في غزو العراق : تغيير منطقة الشرق الأوسط إلى ما يلائم مصلحة أمريكا ، البترول ، وإسرائيل ! " . ويبدو أنَّ هذه الأهداف ما زالت تعمل في الواقع وفي غزو العراق الأخير ، وفي مخططات الغرب كله .
يقول نيكسون ، رئيس الولايات المتحدة السابق في كتابه " نصر بلا حرب": " تَهُبُّ في منطقة الشرق الأوسط عاصفة دينية لا نستطيع أن نقف في وجهها، ولكننا نستطيع أن نحرفها " . فسلكوا من أجل ذلك خطوات محدَّدة ومراحل مدروسة تمثل حقيقة المؤامرة الكبرى على العالم الإسلامي ، ونوجز هذه الخطوات والمراحل بنقاط :
1- غزو العالم الإسلامي بفتنة الشهوات والفحشاء والانحلال الخلقي ، وتشجيع الزنا واللواط تحت شعار الحرية الفردية ، والمناداة بحُريَّة المرأة وانطلاقها بهواها ورغباتها ، ونزع الحجاب عنها ونزع الحياء، والاستعانة من أجل ذلك بكل الوسائل الإعلامية من فضائيات ومجلات ، ودعاة يتبنّون ذلك ، وينشرون مختلف أنواع الفساد بين المسلمين .
2- غزو العالم الإسلامي بالمبادئ والأفكار المخالفة للإسلام ، يتولاها مفكرون وعلماء، ووسائل الإعلام والكتب المتدفقة ، لتنشر الاشتراكية والشيوعية حيناً ، وحيناً الحداثة ومذاهبها ، وحيناً العلمانية والديمقراطية ، ونشر القوميات والإقليميات وكل نوازع العصبيات الجاهلية .
3- تكوين قوى داخلية في قلب العالم الإسلامي تدين بالولاء لهم ، يأتمرون بأمرهم وينحون نحوهم ، ويكونون عاملاً مساعداً في تنفيذ مخططاتهم .
4- تجهيل المسلمين باللغة العربية ودفع شعوب كثيرة إلى التخلّي عن اللغة العربية ، واستبدال لغاتهم القومية أو الإنجليزية أو الفرنسية باللغة العربية .
5- تجهيل المسلمين للقرآن والسنَّة تجهيلاً يدعمه التجهيل باللغة العربية .
6- من خلال تلك الخطوات يقوم الغزو العسكري يُغذِّي كلَّ المحاولات السابقة ويستفيد مما تمَّ تحقيقه منها ، ويضرب الضربة المدمّرة ، إلا أن يشاء الله ، فيبطل عملهم ورأيهم وخطتهم .
وكان من أثر ذلك ومن أهم نتائجه تمزيق العالم الإسلامي أقطاراً وشعوباً يموج فيها الفساد والاضطراب الفكري والاجتماعي والجهل . وكان من أهم آثار ذلك أيضاً إضعاف العالم الإسلامي اقتصادياً حين أصبحت ثرواته نهباً للقوى الأجنبية ، وحين ضعفت الجهود في بناء السلاح وأسباب القوة والإعداد الذي يأمر به الله سبحانه وتعالى ، وحين ضعفت الجهود في بناء الإنسان كما بُنِيَ في مدرسة محمد r ، ولبناء الأجيال المؤمنة التي يُنْزِل الله نصره عليها ، وصاحب ذلك كله سقوط الخلافة الإسلامية كضربة موجعة للعالم الإسلامي الواهي المتخلف ، فزاد التمزيق ، وتناثر المسلمون مذاهب شتى أهواء ومصالح . وأصبح الكثيرون يطلبون الدنيا ويتنافسون عليها ، ونسوا الله والدار الآخرة ، وأصبح تحدِّي الإسلام أمراً يُجْهر به ، ومخالفته جائزة مباحة ، وأخذ بعضهم يسارعون في الأعداء يبتغون العزَّة عندهم ، فأصبحت الحرب على الإسلام يشارك فيها طوائف كانت تنتسب إلى الإسلام ، قوى داخلية تمعن في توهين المسلمين وتمزيقهم ، وانطلقت الشعارات مدويّة بذلك لا يصدها شيء ، وأصبح تدمير بعض بلاد المسلمين واقعاً حقيقياً ، واستباحة الثروات والقتل في عمليات إبادة جماعية واقعاً مشاهداً ، وتشريد المسلمين ليكون منهم أكبر نسبة من اللاجئين في العالم .
لقد نجحت هذه القوى المعادية للإسلام في تحقيق هذه النتائج من خلال زمن غير قصير ، ومن خلال الإصرار والمثابرة ، والتخطيط المادِّي المحكم حسب تصوراتهم ، فسقطت فلسطين من يد المسلمين ليكون لليهود دولة تصبح ركيزة أساسية في المؤامرة الكبرى على العالم الإسلامي .
وما كان لتخطيط هؤلاء أن ينجح لولا وجود خلل كبير في واقع المسلمين ، خللٍ فتح منافذ وأبواباً يتسلّل منها أعداء الله بسُهولة ويسر ، ويضربون يميناً وشمالاً ! وانحرف الكثيرون وقُصِّفت رماحهم ، وتداعت عليهم الأمم حلفاً بعد حلف ، حلفاً من أجل فلسطين ، وحلفاً من أجل أفغانستان ، وحلفاً من أجل العراق، والحلف هو الحلف في كلِّ حالة ، هو الحلف الذي حاول غزو المدينة المنورة في معركة الأحزاب في أيام رسول الله r كما ذكرنا قبل قليل ، المعركة التي تتجدَّد مع التاريخ ، الحلف هو الحلف ولكن الذين هم داخل الحصار أو الغزو تغيَّروا ، فكانت الفواجع والمآسي والنُّذر المدويَّة من عند الله تصبّ علينا !
فالمسلمون اليوم في مأساة مرَّوعة ، تغتالهم المؤامرة الكبرى والحلف الأكبر ، ولكنَّ الله برحمته جعل باب النجاة مفتوحاً أبداً لمن أراد النجاة حقَّاً ، لا يدخله أحد إلا إذا استكمل شروط الدخول ، وأوفى بالعهد مع الله ، وصدق النيَّة والإيمان والنهج :
" اللهم لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك "
ومن الناس من يحسب أن النجاة ليست باللجوء إلى الله وإنما باللجوء إلى القوى المادية الكبرى في الأرض ، ونسوا أن هذه القوى قد تنهار قريباً وينهار معها مواليها ، أو أن تتخلى هذه القوى عن بعض مواليها في لحظة مفاجئة تدمرهم تدميراً، كما يشهد الواقع بذلك كله .
ولكن هذا الأمر يتطلب من أجل اللجوء إلى الله والنجاة من عقابه في الدنيا والآخرة ، قيام لقاء المؤمنين وبناء الجيل المؤمن ، لقاء المؤمنين المتقين الصادقين على نهج حقٍّ نابع من الكتاب والسنَّة ومدرسة النبوة الخاتمة ، ليكون هذا النهج قاعدة للقاء المؤمنين ، تتكاتف فيه الجهود لبناء الجيل المؤمن الذي يمكن أن يُنزل الله نصره عليه .
إنَّ واقع المسلمين اليوم ، بالرغم من كلِّ الشعارات المدويَّة ، والحناجر التي بُحَّت ، وهزِّ السواعد والزنود والأيدي ، بالرغم من كلِّ ذلك ، فقد جلب الهزيمة بعد الهزيمة . وإذا استمرَّ واقعنا على ما هو عليه فسيزداد الابتلاء نُذُراً من عند الله ، ثمَّ يُنْزِل الله عقابه الحق .
لا بدَّ أن يعي المسلمون والدعاة والحركات الإسلامية كلها دون استثناء إلى وجوب الوقوف وقفة إيمانيَّة ، ومراجعة المسيرة ، وتحديد الأخطاء والانحرافات عن منهاج الله ، ثمَّ متابعة التفكير إلى بناء النهج الذي يجمع المؤمنين في لقاء يمضي على الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه ، لا بدَّ من ذلك قبل أن يُنزل الله عقاباً لا مردَّ له .
وإننا ، إذ نقدِّم هذا النهج ، نهج لقاء المؤمنين ، بدراساته المفصَّلة ، ليشمل النظرية العامة للدعوة الإسلامية ، والمناهج التطبيقية ، والنماذج العملية ، والنظام الإداري ، وأُسس التدريب ، ليكون ذلك كله نابعاً من الكتاب والسنَّة ومن مدرسة محمد r ، عسى أن يكون النهج الشامل الجامع بإذن الله ، يعالج الأخطاء والخلل، ويصدق التربية والبناء والإعداد .
والحمد لله ربِّ العالمين
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |