|
حوار مع الكاتبة والناشطة الفلسطينية سوسن البرغوتي |
عمار بولحبال |
|
Feb 12, 2008 |
أمتنا العربية ليست صاحبة سيادة على أراضيها …
اجرى الحوار لموقع قضايا عربية: الكاتب والصحفي الجزائري ،عمار بولحبال
هي امرأة بملامح وطن .. وأحيانا نراها وطنا بملامح امرأة صامدة .. هي تحمل الهم الوطني في يمين قلبها ، والهم العربي في يساره وتمضي محاربة ومجاهدة على كل الجبهات .. كتبت كثيرا عن القضية الفلسطينية التي تزداد تأزما .. وكتبت عن الثقافة العربية .. التقيناها في هذا الحوار فكشفت لنا عن بعض ما يؤلمها كفلسطينية ومثقفة عربية .
أخذت القضية الفلسطينية مساحة واسعة من كتاباتك ، فهل أعطيتها حقها ؟
سوسن البرغوتي : ـ القضية الفلسطينية لها جذور عميقة ومعقدة وترجع لعقود طويلة وتضحيات عظيمة، وليس من السهل أن نعطي لقضية وجود شعب شُرد وملاحق في وطنه بمجازر وإبادات جماعية،الحق الكامل. الالتزام المبدئي بقضية وطنية قومية، وإرادة الصمود تمنح تلك الطاقة للاستمرار، والمحاولة الدائمة في تحري الحقائق والبحث في المعوقات التي أصابت القضية العربية المركزية. وكلما أبحرت، اكتشف أنني أجهل الكثير من الحقائق، ولكن يمكنني القول أنني خيط في نسيج عظيم، ولا بد من تجميع الخيوط لإعادة مكانة القضية الفلسطينية للصدارة لتحتل أولويات الأمة، لتحديد مصير الوطن العربي بأكمله.
شبهت في إحدى مقالاتك تشكيل السلطة في رام الله بالثعبان ، فهل بدأ هذا الثعبان في ابتلاع جوهر القضية الفلسطينية ؟
سوسن البرغوتي :ـ القضية الفلسطينية لا ترتهن بمرحلة معينة، ولا بالمرتزقة، ولكنها تضعف وتقوى. ظهور هذا الثعبان والتفافه على الجسد الفلسطيني بغية خنقه والضغط عليه، لابتلاع رأس المقاومة، لا شك ضاعف من أعباء الحفاظ على ألق القضية وديمومتها.
لم تواجه القضية الفلسطينية عاصفة هوجاء كما يحدث في ظل وجود السلطة المحلية، خاصة أنها لم تحقق أي إنجاز لصالح الشعب وقضيته، بل ارتمت بأحضان العدو مستسلمة لإملاءاته ضد المشروع الوطني للتحرير. جوهر القضية باقٍ وإن شوهه هذا الثعبان بالانقسام والتشتت، إلا أنه بنهاية المطاف لن يصح إلا الصحيح،والشعب متجدد بعطاءاته وبابتداع وسائل من أجل استرجاع أرضه وحقه الطبيعي في حياة كريمة ومشرّفة .
في كل ثورات العالم ضد الاحتلال، الطبيعي أن المد الجماهيري تتحكم به عدة ظواهر طارئة، لكن الجزر لا يصبح هو السائد، والمسيرة تعاود الانطلاق نحو الهدف. معادلة التفاوض مع الطرف الأضعف، سيؤدي دائما إلى تنازلات لا تتوقف عند حد، وورقة المقاومة هي الوحيدة التي تفرض على أرض الواقع تغيير قالب المعادلة ومسار القضية.
غزة الجريحة.. وكثيرة هي المدن الفلسطينية التي تئن تحت وطأة الصهيونية وأذنابها، فكيف تنظرين لحركة الشارع العربي ؟
سوسن البرغوتي : ـ حركة الشارع العربي، تحتاج لتنظيم رغم المشاعر المفعمة بالصدق والنوايا المخلصة، إلا أنها مقيدة ومشتتة. أعتقد أن حركة الشارع تحتاج لوقت حتى تصل للحظة ولادة وتغيير جذري للواقع الحالي، وكلما زادت الأحوال سوءاً، كلما دعت الحاجة إلى ضرورة توحيد الشارع لهدف واحد، فجميعنا في سفينة واحدة، ومصيرنا مشترك. بشكل عام حركة الشارع تعتمد على تراكمات عدة، وتحتاج إلى وقت كاف لضمان تشكيل برنامج وطني متكامل وناجح.
هل أعطى الإعلام العربي للقضية الفلسطينية حقها ؟
سوسن البرغوتي : ـ لم تعد القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للإعلام العربي سواء المرئي أو المقروء، لعدة أسباب، أهمها احتلال أفغانستان والعراق وأزمات عربية- عربية، وضعف الموقف العربي الرسمي، وانقسامات داخلية عربية، ومتغيرات دولية
كثير من الأزمات طرأت على الوطن العربي، بحجة محاربة الإرهاب وتصدير مفاهيم مغلوطة كالديمقراطية و"شرق أوسط جديد"، كل ذلك أدى إلى عدم التركيز على القضية الفلسطينية في الإعلام العربي، خاصة وأن الإعلام العربي للأسف ينتهج سياسة الباب الدوار، وأصبحت وجهة النظر المعادية أمر فيه نظر!. لكن لنقل، هل يوجد إعلام مقاوم بنفس قوة الإعلام البديل الناطق بالعربية؟!. بكلا الحالتين، فالإعلام العربي مجحف بحق قضايانا التحريرية سواء بفلسطين والعراق ولبنان والصومال. مع سطوة ثقافة الصورة وتدني مستوى القراءة، تصدر الإعلام المرئي المرتبة الأولى بقوة التأثير على المتلقي. فأغلب الفضائيات العربية لا تنقل الحدث على حقيقته، إنما تعتمد توظيف الصورة لتغيير حقيقة ما حدث، فإمكانياتها وطاقمها الإعلامي مختار وموظف بعناية لتوجيه المشاهد تدريجياً لغاية تتناقض وتختلف جوهريا مع الإعلام المقاوم، كما أنه محارب من الجيش الإعلامي الذي يملك الطاقات التقنية والخبرة والمال، وُيواجه بهجمة سلطوية وعراقيل البث وقلة التدريب المنهجي. عندما يصبح الإعلام العربي بإطاره العام وطنياً وقومياً، يحمل هم قضايانا وتقتصر رسالته فقط من أجل مصلحة الأمة العربية، عندها سيعطي كلٍّ ذي حق حقه.
أصبح بإمكان الشعب العربي الإطلاع عن الوضع الفلسطيني من الداخل بكل التفاصيل ، فهل تجاوبه مع القضية في مستوى طموحات الشعب الفلسطيني؟
سوسن البرغوتي : ـ الشعب العربي يخوض معارك داخلية إصلاحية وتحررية من تبعية الهيمنة، ومحاولات لتفكيك بنية كل دولة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، ومع تبني بعض المتفزلكين مقولة"لن نكون فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين أنفسهم"، وانقسام الشعوب العربية بين موالٍ للمشروع الأمريكي المستقبلي ببناء"شرق أوسط جديد" وبين مدافع عن الثوابت والحقوق الوطنية والهوية العربية والإسلامية لوطننا العربي، اصطف إلى جانب أحد الطرفين وفقاً لغسيل الأدمغة بالعولمة، أو الطرف المتمسك بمواجهة الاستعمار الجديد ومهما كانت وجوهه وشعاراته.بمعنى أن الانقسام في كل بلد عربي، هو ما يعاني منه الشعب الفلسطيني نفسه. ما نأمله أن تقوى جبهة الصمود وتشكل المظلة الواقية والحضانة ضد التيار الآخر، وبالتالي سيؤدي إلى محاصرة وإضعاف الفريق المنجرف نحو المهالك التي ستودي بنا جميعاً.
ماذا أعطت الشبكة العنكبوتية للقضية الفلسطينية ؟
سوسن البرغوتي : ـ الشبكة العنكبوتية أعطت فرصة للبحث عن دراسات ووثائق، ومتابعة كل مستجد، وفي الوقت نفسه بكل مشروع هناك النواحي الايجابية والأخرى السلبية، تعتمد على من يستخدم ويوظف تلك الأداة العصرية. وكما أن هناك حقائق تُنشر.. هناك أيضاً أخرى تضليلية ومشوهة لتلك الحقائق. شبكة المعلوماتية تحتوي على الغث والسمين، وكل إلى ما ذهب إليه.
مساحة الهم العربي تمتد على مساحة تواجد الفرد العربي ، كيف تنظرين لواقع الأمة اليوم؟
سوسن البرغوتي : ـ الأمة العربية في حالة جزر رهيب، والسبب الجوهري هو وهن أصاب الأنظمة العربية وتبعيتها للقطب الأوحد، لخوفها على عروشها وليس قلقها على أمنها القومي، والشعوب منقسمة ومشتتة لعدم وجود قيادة وطنية تفرض إنجازاتها على أرض الواقع. لكنني ما زلت أؤمن أن الحال أصبح من المحال استمراره، ولا بد من نهوض وصحوة من سبات طال. المفارقة العجيبة أننا لم نعد نملك أي خيار آخر، فإما الرضوخ التام أو الرفض الكامل، ومع ذلك استمرار المنحرفين والخارجين عن سرب المصالح الوطنية في الصفوف الأولى من قيادات الشعوب العربية، وتشجيع خطوط اتصال مباشر مع المحتل وإعطاء الأعذار والسخاء العبثي جراء طرح المبادرات التطبيعية، يزيد الطين بلة، ويضغط باتجاه الشعب، ولسان حالهم يعبر عن مدى ضغط الاملاءات والأوامر التي يعانون منها، فيوجهون بنفس الأسلوب جام غضبهم على شعوبهم!، وهكذا نستمر في الدوران بدائرة مغلقة، ويبقى أقواهم.. أكثرهم إذعاناً للباب العالي..
هل أخطأ الساسة أم المثقفون العرب في حق القضية الفلسطينية ؟
سوسن البرغوتي : ـ أعتقد أن الخطأ مشترك من الطرفين، والجميع ساهم بما وصلت إليه القضية الفلسطينية، لأن المثقف صمت عن تحكم السياسي بمركزية إصدار القرار والتفرد بمصير شعب بأكمله، واكتفى بالشجب والاستنكار أو بالصمت في أحسن الأحوال، مما جعل السياسي يستمرئ ممارسة سلسلة أخطاء أدت إلى جملة من التداعيات والإخفاقات. لكن كما أن هناك سياسي سلبي وآخر إيجابي، كذلك يوجد المثقف الذي يواجه ويتكلم والمثقف المتقوقع والمنغلق. التخريب المفصلي بدأ في مؤتمر كامب ديفيد الأول وتطبيع العلاقات "الإسرائيلية"- المصرية، وزيارة السادات إلى القدس، مما فتح الباب أمام انعقاد مؤتمر كامب ديفيد الثاني، وتوقيع اتفاقية أوسلو المذلة، وتغيير الميثاق الأساسي لمنظمة التحرير، مما أدى إلى انحراف المنظمة عن البوصلة الوطنية، وبدأ الصرح الذي أقيم على دماء الشهداء ينهار أمام تلك الإسقاطات.
ماذا قدم أدباء فلسطين لقضيتهم ؟
سوسن البرغوتي : ـ أدباء فلسطين قدموا نماذج أدبية مميزة في أدب المقاومة وثقافة الاستشهاد وأدب السجون. أرّخوا المعاناة الفلسطينية، ووثقوا التراث الفلسطيني في رواياتهم وقصائدهم. سجلوا التاريخ النضالي والمنعطفات الخطرة التي واجهت القضية الفلسطينية، وما زالوا يمنحون جلّ نتاجهم للتعريف بالقضية الفلسطينية. كتبوا عن أطفال اللجوء وقسوة العيش في مخيمات اللجوء، وصوروا مشاهد المجازر في دير ياسين وغيرها، ثم مجزرة صبرا وشتيلا، ومجازر مستمرة إلى يومنا متمثلةً بحصار قاتل بطيء لشعبنا الصامد في غزة. كما أن الكثيرين منهم يعانون من قبضة الأسر، ومن استشهد كالمناضل الشهيد غسان كنفاني وكمال عدوان وكمال ناصر. العيب لا يكمن بعطاءات الأدباء الفلسطينيين، ولكن بعدم وجود مؤسسة وطنية، تتبنى نشر موسوعة عن الأدب الفلسطيني، وإقامة مؤتمرات ومعارض تعرف بنتاجات الأدباء، وإعطائهم القدر الكافي من الرعاية والاهتمام، للتعريف بقضيتهم على مستوى الإعلام المرئي، فنجد أن مطرب ناشئ أو مؤدية أو راقصة مغناج تُستضاف بحفاوة مبالغ فيها، بينما الأديب لا يُخصص له برامج بنفس القدر من الأهمية.
رسالة تودين التقدم بها للأمة العربية ؟
سوسن البرغوتي : ـ كثيرة هي الرسائل، ولكن أهمها الوحدة الوطنية هي طريقنا للتحرير، وتحت الوطنية خطوط حمراء. إذ كيف يمكن أن تتوحد الإرادة الشعبية النضالية مع فريق وطاقم كامل، يسلك النهج الأعوج؟!. ويستمر بلقاءات واجتماعات مع العدو القدري، وهذا تطبيع بحد ذاته، وكيف يمكن أن يقبل بالتدرج والانزلاق الخطر نحو القبول بالكيان الغاصب على أنه دولة، سواء كانت يهودية أو عنصرية، وأي كانت تسميته. فالرفض القاطع هو في وجود الكيان الإحلالي الاحتلالي من الأساس، وهو البند الأول للثوابت الوطنية. الكيان الصهيوني كالداء أرسى قواعده في فلسطين، وبدأ في الانتشار شرقاً وغرباً حتى يفكك الجسد العربي الواحد.
الانقسام بين الرؤى والأيدلوجيات الحزبية والتيارات الفكرية المخلصة، ليست في مصلحة أمتنا في مرحلة التحرير، والهدف هو ما يجب أن يوحدنا.فالإقصاء واحتكار شرف المقاومة لفصيل بعينه، والاختلاف حول هيكلة البنية السياسية للبلد بعد التحرير، يسيء لمعسكر المقاومة، ويضعف الجبهة الداخلية.
أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج العربي، ليست صاحبة سيادة على أراضيها، ومع أن الوطن العربي ثري بالثروات والطاقات الإنتاجية، إلا أن الأنظمة العربية، لم توظف تلك الإمكانيات الضخمة من أجل مشاريع تنموية، كما أن تفرق وانقسام قوى الصمود والتحدي، يضيع البوصلة ويبعثر الجهود إلى هدف النهوض بمجتمعاتنا العربية والتمسك بجذورنا في مواجهة عولمة ستقضي على الشخصية والهوية العربية، إن تمكنت ثقافة دخيلة من الجيل الناشئ لا تمت بصلة لمجتمعاتنا المحافظة. خيارات الشعب العربي محدودة وواضحة المعالم، فإما الخلاص وإما الغرق،والحياة بين الحفر لا تليق بكرامة البشر.
الغادر والطعّان لوحدة البلد، يُجهز من قبل "السي أي آيه"، لإشاعة الفوضى وتكريس الانقسام، وتدمير مفهوم المواطنة، إن لم يملك الشعب الوعي الكافي لمواجهة تلك المؤامرة الأمرو-صهيونية.
ما أرجوه عودتنا جميعاً للإيمان بالله عز وجل وبقضايانا الأولية، والاحتكام للضمير في مساندة أهلنا في فلسطين والعراق مادياً ومعنوياً، وأن ننتصر لنصر الوعد الصادق في لبنان، فهم يشكلون خط الدفاع الأول ودرع الأمة العربية الواقي من مشروع التوسع الصهيوني والهيمنة الأمريكية وسطوتها على آبار النفط العربي، فلا توسط بين الحياة المشرفة والموت أحياء.
شكرا لصحيفتكم الموقرة "الفجر"، وللأخ عمار، الذي أتاح لي فرصة للتحدث عن القضية العربية الفلسطينية إلى أهلنا في الجزائر.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |