ما بعد أنابوليس

  د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Dec 03, 2007


يبدو ان آلية الاخراج اقدر على آلية للانتاج. كان هذا ما حصل في البيت الابيض عندما رعى الرئيس بيل كلينتون ما آل الى اتفاقات اوسلو، واليوم يبدو ان الآلية التي انتجت صورة محمود عباس وايهود اولمرت ارتضت "انطلاقة مفاوضات الحل النهائي" بدءا من تنفيذ بنود خريطة الطريق. صورتان احداهما في البيت الابيض لتلبية العرب الدعوة التي يصفها بعضهم بالاستدعاء، والاخرى في الاكاديمية البحرية في انابوليس، مع فارق اشخاص الفريقين وراعي المؤتمر. الى البيت الأبيض حضرت كثرة من المسؤولين العرب انبهارا بالسطوة الاميركية القادرة وبالتالي توقعا لنتائج متوخاة. كذلك لبى مسؤولون عرب كثر الدعوة – او الاستدعاء – الى انابوليس انبهارا بسطوة القوة وتوقعا لنتائج واعدة. وتكاد الصورتان تتطابقان: مصافحة حارة وابتسامات في غير محلها وتهافت على ان تكون تلبية دعوة الوزيرة كوندوليزا رايس تذكرة عبور الى "الواقعية" وبالتالي الى المقبولية!
وكأن النظام العربي في هذا المضمار مدمن انكار دروس ما افرزته مسيرات المفاوضات بين اسرائيل الاقوى وفاقدة الشرعية، وفلسطين المقاومة والمشرعنة حقوقها واهدافها. ولأن النظام العربي لم يوفر للفلسطينيين المشاركة الفعلية بالقدر الكافي تحولت "المفاوضات" مجرد محادثات، وحتى هذه بدورها لم تدفع بالنظام العربي الى ان يجعل الاملاءات الاسرائيلية والاستمرار في التمدد الاستيطاني واجراءات الضم وممارسات القمع والقتل الهادف وغير ذلك من الجرائم المدانة مكلفة لاسرائيل اذ ان الدول المطبقة لم تقطع علاقاتها بها، او على الاقل لم تقلقها ناهيك بتغييب اجراءات المقاطعة ومشاهدة استباحة الارض والشعب الفلسطينيين والاكتفاء بالادانة والاستنكار واحتواء الشارع العربي تكريسا لتهميشه احيانا كثيرة.

• • •

جاءت انابوليس تستثمر فقدان التوازن القائم والذي تفاقم بغزو العراق الذي كان من تداعياته الامعان في تعزيز النقص في الميزان الاستراتيجي، وبالتالي النزف في الواقع العربي المفكك اصلا مما ادى الى مساندة مسبقة للقرارات التي آل اليها اجتماع أنابوليس تلخصت بانه "اطلق" لمعاودة "المفاوضات" بدءاً من 12 الجاري. ثم اضيف الى قرارات أنابوليس ان الطرف الاميركي سوف يكون حاضرا في المثلث الجديد فلسطين – اسرائيل – الادارة الاميركية. وتسرع بعض الوفود العربية فاعتبر الحضور الاميركي المباشر "حلماً" من شأنه ان يشكل ضمانا لئلا تستأثر اسرائيل بالطرف الفلسطيني، مما دفع الامين العام لجامعة الدول العربية الى التحدث عن "اعطاء فرصة لمعاودة المسيرة او "للاطلاقة التي اعلنت في احتفال أنابوليس.
وما كاد الرئيس جورج بوش مع وزيرة خارجيته يعملان على جعل هذا "الانجاز" مكوناً رئيسياً لإرث ادارته وسياسته، حتى اتضحت الصورة الحقيقية لطبيعة العلاقة الاستراتيجية حقا بين اسرائيل والادارة الاميركية، فقد حاولت الديبلوماسية الاميركية توظيف نفوذها لدفع مجلس الامن الى استصدار قرار يضفي على قرارات أنابوليس صفة الشرعية الدولية ويجعلها في منأى عن النقد او التشكيك.
ولكن فجأة وفي اليوم التالي سحبت الديبلوماسية الاميركية مشروع القرار من التداول بين اعضاء مجلس الامن لأن اسرائيل اعترضت عليه، وحسب ما قاله السفير الاميركي خليل زاده "ان المسؤولين الاسرائيليين بمن فيهم رئيس الوزراء اولمرت كانوا شديدي الانزعاج". واضاف: "ان اسرائيل لم تنزعج من لغة القرار بل ان المسؤولين الاسرائيليين أبدوا قلقهم لأن الاجراء قد يعطي دورا للامم المتحدة! وقد اتفقنا مع حكمهم هذا".
وما كاد الوفد الاميركي يطرح مشروع القرار حتى صرح الرئيس محمود عباس: "ان هذا يدل على جدية "الولايات المتحدة". ترى ماذا يقول رئيس السلطة الفلسطينية عن "جدية الولايات المتحدة بعد سحبها لمشروع القرار؟ وماذا يقول المشاركون العرب في أنا بوليس عن معنى سحب مشروع القرار؟ وعلى ماذا يدل ذلك ان لم يكن على مدى قدرة اسرائيل تعطيل المنظمة الدولية عقابا لها على قراراتها التي رسخت الحقوق الفلسطينية، وبخاصة في ما يتعلق بالحق في تقرير المصير والانسحاب الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة؟ الا يدفع هذا الضغط الاسرائيلي الناجح على الولايات المتحدة في هذا الموضوع العرب بدورهم الى محاولة تفعيل دور الامم المتحدة بدلاً من الاستمرار في المراهنة على الادارات الاميركية لتضغط بدورها على اسرائيل من اجل انتزاع حقوق فلسطين شعباً وارضاً؟ أليس واضحاً ان على الدول العربية والجامعة العربية أن تطالب فوراً بانسحاب الامين العام للأمم المتحدة من "اللجنة الرباعية" التي لطالما اعطت الاضواء الخضراء للاملاءات الاميركية والمطالبات الاسرائيلية؟ هل يعني وجود أمين عام المنظمة الدولية في "الرباعية" انها اصبحت بديلاً من المنظمة العالمية؟ وماذا عن تزامن نهاية مؤتمر أنابوليس مع تواصل الهجمات براً وجواً على غزة مما أدى اول من امس الى استشهاد خمسة - ناهيك بالجرحى؟ فلماذا لا تلتزم اسرائيل حتى قرارات أنابوليس التي تدعو السلطة الفلسطينية الى القيام بمهمة "تأمين الأمن لاسرائيل كما طالبت وزيرة الخارجية الاسرائيلية؟ الواقع ان السبب ان السلطة بقيادة "فتح" على رغم شدة امتعاضها من "حماس" قد ترفض - ويجب أن ترفض - أن تكون اداة قمع وشرطة لمحاربة قوى المقاومة والممانعة. لقد بدا للوهلة الاولى ان حكومة رام الله اعطت في الايام الاخيرة نموذجاً معيباً ومخجلاً في قمع التظاهرات المعترضة على أنابوليس، مما دفع قيادات في "فتح" إلى معارضة هذه الاجراءات، خصوصاً ان رئيس الوزراء فياض، البيروقراطي المحترم، لا يجيز له تاريخه مطلقاً ان يسمح بمثل هذه الاجراءات، لاسيما انه ليس عنده الرصيد النضالي الذي يؤهله لمثل هذه الاجراءات!
ولعل الاخطر ان "يهودية اسرائيل" التي تبناها ايضاً راعي أنابوليس لم تجد أي اعتراض فاعل مما يؤدي الى اسقاط بند العودة من "مفاوضات الحل النهائي"، وبالتالي جعل العنصرية استثناء لممارسات اسرائيل كون هذا الاستثناء هو مبرر وجودها وضمان أمنها ويمكنها من التنصل من أي التزام حاضراً ومستقبلاً لتعريف حدود دولتها، وعملياً شطب الحق الفلسطيني في دولته المستقلة حتى على أقل من ربع ارضه التاريخية.
عجيب أن أحداً لم يتساءل في أنابوليس لماذا تتصرف اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة كأنها سلطة مالكة تزرع المستوطنات وتوسعها وتكثفها وتغيّر المعالم السكانية من دون رادع؟ ولماذا تتعامل مع المقاومة الشرعية كأنها عملية تمرد على دولة اسرائيل وبالتالي يجوز سحقها وابادتها كأن وجودها في الاراضي الفلسطينية حق وليس احتلالاً؟
حتى متى تبقى هذه الاسئلة بدون جواب؟ وحتى متى تبقى اسرائيل من خلال ممارساتها التمردية محتكرة حق اللاإجابة، والعرب مترددين في السؤال... والمساءلة؟
ذهب النظام العربي الى أنابوليس واعتبر الرئيس بوش ان مجرد حضور الوزراء العرب في ذاته انجاز له ولمؤتمره. وهذا صحيح. ولكن ماذا انجز العرب بحضورهم الكثيف؟ لماذا لم نذهب الى أنابوليس بعد ان نكون قد انجزنا مسبقاً مفاعيل اتفاق مكة حتى تدرك اسرائيل جدية الالتزام العربي؟ لماذا لم نثر موضوع الحقوق المدنية لعرب اسرائيل الذين يشكلون قطاعاً مهماً من الشعب الفلسطيني؟ لماذا لا نطالب الولايات المتحدة أن تحدد بدقة ووضوح ان اسرائيل هي محتلة للاراضي الفلسطينية بما فيها القدس، بدلاً من الاكتفاء بوصفها كأراض متنازع عليها، وان مصيرها مثل حق العودة، "رهن بالمفاوضات هكذا قيل في أوسلو، وهكذا قيل في واي ريفر، وهكذا قيل في أنابوليس، كان على العرب مجتمعين ومجمعين ان ينتزعوا في أنابوليس تعريفاً واضحاً وقانونياً لمعنى، ومدلول الدولة الفلسطينية ذات السيادة؟ أما آن أن يدعو الرئيس بوش الى "دولة" بدون هذا التحديد القانوني فتصبح فلسطين "دولة" مثل ترانسكاي في اثناء حكم الابارتيد في جنوب افريقيا.
ان اسرائيل منذ قيامها لم تحدد حدود دولتها بعد لانها تريد ان تبقى في حالة تنصل من أي التزامات قانونية تفرضها الشرعية الدولية... وما المستوطنات سوى تعبير عن التمدد الصهيوني. فنحن امام انهيار الابارتيد - ومعها دولة ترانسكاي - واعادة انتاج الابارتيد في فلسطين المحتلة... واسألوا الرئيس السابق جيمي كارتر عن تجربته مع الارهاب الفكري الصهيوني الذي مورس عليه تفهموا لماذا سحب السفير الاميركي مشروع القرار من التداول في مجلس الامن.
جوهر أنابوليس ليس في الاحتفال بل في دوافع سحب السفير الاميركي مشروع القرار من التداول في مجلس الامن. وهذا انتقال من الارهاب الفكري الى الارهاب الديبلوماسي؟
هذا الارهاب الفكري والديبلوماسي والسياسي الذي تمارسه اسرائيل ما هو الا تجليات ممارسة ما تقوم به اسرائيل في فلسطين المحتلة وما قامت به في فلسطين التاريخية.

  


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net