|
ألم يحن وقت الاختراق ؟ |
د. كلوفيس مقصود |
|
Aug 25, 2008 |
هذه هي المرة السابعة التي تزور
وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس اسرائيل والسلطة الفلسطينية بعد اجتماع
انابوليس في تشرين الثاني الماضي. واليوم تعود الوزيرة لا لإتمام انجاز او اختراق
بل للايهام أن "مسيرة السلام" لم تفشل، مثلما حصل خلال زيارتها الاسبوع الماضي
لبغداد حيث تم التوافق، وليس الاتفاق، على انسحاب الجيش الاميركي في فترة بين السنة
2011 والسنة 2014 مع استعجال اعادة التموضع للقوات الاميركية خارج المدن العراقية.
ففي العراق اكدت ادارة بوش خيار "الانسحاب" بدون توضيح المسيرة تاركة للادارة
الجديدة الآتية رسم خطوات مستقبل الانسحاب الفعلي وبالتالي تسريعه اذا انتخب باراك
اوباما رئيسا.
وقد وجهت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني "ضربة" استباقية الى الوزيرة رايس
عندما قالت ان "اي محاولة للضغط على اسرائيل والفلسطينيين لانجاز اتفاق سلام هذه
السنة ستولد عنفا اذا فشلت في استجابة التوقعات الدولية، مما يعني ان الفرص
المتضائلة لاتفاق سلام صارت مستحيلة.
اما وفي ما يتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين فقد اصرت ليفني على "ان اسرائيل وطن
للشعب اليهودي كما ان فلسطين للشعب الفلسطيني"، وانهت تعليقها في هذا الموضوع
بالقول "ان حق العودة ليس خيارا"! ثم اكملت: "بدون فهم هذا الواقع لن يكون اتفاق".
• • •
نشير الى هذه الضربة الاستباقية واستعمالها لغة التحدي لتوضيح ان اسرائيل تدرك انها قادرة على ان تكون في منأى عن اي "ضغط" في الظروف العادية، فكم بالحري خلال الحملة الرئاسية الاميركية المحمومة. وقد رأينا أنه حتى باراك اوباما المرشح الديموقراطي للرئاسة تحاشى نقد اسرائيل بل كان شديد الالتزام للخطاب الاسرائيلي المتشدد اسوة بمنافسه جون ماكين. فأن تلجأ ليفني الى استباق زيارة كوندوليزا رايس وكأن الوزيرة الاميركية آتية لممارسة "ضغط"، اشارة الى الحؤول دون مجرد حتى رسم "افق" لاستمرار "مسيرة السلام"، وحتى لا تنزلق الادارة الاميركية في المطالبة بجدولة مواعيد مستقبلية. وهذا المؤشر ليس للادارة الاميركية في اشهرها الاخيرة، بل للادارة المقبلة أكانت ديموقراطية ام جمهورية.
• • •
لم تكتف ليفني بهذه الضربة
الاستباقية بل اكدت ان اي اتفاق سلام لن يتم فيما حماس "تسيطر" على قطاع غزة، و"ان
حماس تمثل عقيدة متطرفة" وتنال مساعدات من ايران، لذا يجب ان نبقي الضغط على "حماس"
بهدف خلع شرعيتها". ينطوي هذا الشرط على حصر المحادثات مستقبلاً بالسلطة الوطنية
وليس بسلطة تمثل وحدة وطنية، وفي أسوأ الاحوال بسلطة "شرعية" تنبثق مما يقارب حرباً
اهلية يفترض ان تكون، ايا تكن الظروف، خطاً احمر يُمنع منعاً باتاً اختراقه. ولكن
علينا ادراك ان الضربة الاستباقية لزيارة كوندوليزا رايس اليوم هي خلاصات موقف
اسرائيل الدائم لكونها غير مستعدة لان ترضخ لحقيقة كونها تحتل اراضي فلسطين في
الضفة وغزة والقدس الشرقية. واذا كان من دولة فلسطينية حتى في حدود حزيران 1967 فلا
يمكن ان تقوم الا من رحم مقاومة الاحتلال، وأحد خياراتها التفاوض. لكن ما اكدته
مسيرات السلام هو ان منطلق اسرائيل في محادثاتها مع السلطة التي يترأسها الاخ محمود
عباس هو ان اسرائيل اعتبرت انها في الاراضي المحتلة سلطة مالكة، وبالتالي تلجأ الى
الادعاء انها مستعدة "لتنازلات أليمة"، وحرّة، اي ان هذه التنازلات اذا قررت القيام
بها تكون تضحية من قبلها. واكرر ما اشرت اليه مراراً واتعمد التكرار لكون
"المفاوضين" الفلسطينيين لم يأخذوا في شكل جدي الاصرار على اقرار اسرائيل بانها
تحتل الاراضي الفلسطينية واذا لم تفعل ذلك فعبثاً محاولة ان تستقيم المعادلة.
وهنا نتساءل: سبع زيارات لاسرائيل قامت بها وزيرة خارجية الولايات المتحدة منذ
مؤتمر انابوليس الذي استحضر عدداً لافتاً من المسؤولين والوزراء العرب، الم يحن
الوقت ليستفسر هؤلاء بدورهم عن سبب عدم اي تقدم في المحادثات. ولماذا لم تتحول
مفاوضات؟ الا يجدر بالمسؤولين العرب الاستيضاح من ادارة بوش عن سبب رفض اسرائيل
الاعتراف بكونها محتلة، ولماذا الزيارة السابعة التي تقوم بها السيدة رايس لم تعط
اي مردود حسي لإمكان تنفيذ اي من بنود قرار مبادرة السلام العربية والتي اجمعت
القمم العربية على كونها ركيزة الحل "السلمي والعادل"؟
***
الا يجدر بالسلطة الوطنية وجامعة الدول العربية ان تصرا على اعادة التزام اتفاق مكة المكرمة وان تعض كل من "فتح" و"حماس" على الجراح لمواجهة التعنت الاسرائيلي والتصميم على المماطلة وتهويد القدس وتكثيف المستوطنات والحيلولة دون حق العودة، وان تواجه في الاشهر القادمة اسرائيل المصرة على التمدد وفي احسن الاحتمالات تمرر مساعدات انسانية للفلسطينيين كي تحتوي التحرك الوجداني الذي تعبر عنه قوارب ارسلتها قوى تمثل منظمات حقوق الانسان لاختراق الحصار الاجرامي التي تفرضه اسرائيل على اهالي غزة؟ هذه الظاهرة الصحية، وتلك المرافقة لها يقوم بها ناشطون امام الجدار العنصري الفاصل الا يجب ان ترافقها حملة اعلامية – وديبلوماسية ايضا – تقوم بها المؤسسات الرسمية والشعبية لاستقطاب دائرة الضمير" في المجتمع الدولي – والاميركي على وجه التخصيص؟ بدل أن تبقى هذه المبادرات هامشية وبدون ان تصب في تعزيز اعادة القضية الفلسطينية الى مركزيتها في الالتزام العربي والتأييد الدولي؟
•••
واليوم بعد استئناف روسيا
محاولاتها لتأكيد ارادتها ردع محاولات تطويقها، مما ينطوي على اعادة تحريك دوافع
السياسات التي ميزت حركة عدم الانحياز واحتمال تنظيم عالم متعدد القطب، ألم يحن
الوقت لخروج العرب من حالة التفكك والانقسام بهدف توحيد المواقف وتنسيق الاهداف،
وتعزيز عناصر الوحدة وتقليص عوامل التفرقة! ألم يحن الوقت لخروجنا من حالة التكاسل
السائد واللامبالاة المقلقة وبالتالي اللااكتراث بجدية المتغيرات الجارية، في
المنطقة وعلى الساحة الدولية؟
وألم يحن الوقت ليعاد النظر جذرياً في حاكمية منظمة التحرير الفلسطينية وتأكيد
قواعد تاريخيتها، كونها اطار الشعب الفلسطيني كله - تحت الاحتلال وفي مخيمات
اللاجئين وفي المغتربات - ثم تحديد مسؤولياتها حيال حقوق الانسان للمواطنين العرب
داخل الخط الاخضر؟ ان هذه الشمولية لشرائح الشعب الفلسطيني يجب ألا تستثني أي شريحة
أو أي تيار، وأن تكون المنظمة بالتالي على استعادة شرعيتها. وهذه الشرعية بدورها
تعني بالضرورة أن المقاومة هي الرد على الاحتلال، لذا يجب أن تعلن - كما في السابق
- ان لدى المقاومة خيارات عديدة في العمل، منها التفاوض ومنها الكفاح المسلح وعلى
رأسها العصيان المدني وتعبئة الطاقات العربية واستنفار الوجدان العالمي. من هذا
المنطلق يتبين ان المقاومة متعددة وسائل النضال وان التفاوض لم يعد جائزاً أن يختزل
بالمحادثات التي أثبتت عبثيتها. كما ان التفاوض كأحد تجليات المقاومة يجب أن يتسم
بشمولية تمثيل كل قطاعات الشعب الفلسطيني. واذا كان مقبولاً تباحث السلطة الوطنية
مع اسرائيل فهذا يفسر تداعيات حاكمية منظمة التحرير وادعاء السلطة كونها هي ايضاً
المنظمة.
اذا أردنا أن نكون جادين في التزام حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. فلا مفر
من اعادة تعبئة شاملة لكل شرائح الشعب وتحديد اولوياتها وتفعيل كوادرها ووضوح
رؤياها. واذا تأكد رسوخ الوحدة الوطنية داخل اطار المنظمة فلا يعود اللجوء الى
مناقصات الارتهان المتلطي بالواقعية وارداً ولا المزايدات غير المسؤولة رهاناً. لذا
على الملتزمين حق الشعب الفلسطيني حض كل شرائح هذا الشعب الصبور على أن يجتمع
لتجديد، وتطوير مؤسسات منظمة التحرير كي تستعيد وجودها وحيويتها وهيبتها ولا يعود
لليفني أو نتنياهو أو باراك وغيرهم من الصهاينة القدرة على القول بأن استعادة القدس
غير واردة وان حق العودة ليس خياراً وان اسرائيل دولة لليهود، مع العلم ان لا دولة
لفلسطين ما دامت اسرائيل تتصرف في أراضي الاحتلال على أنها مالكة وان الشعب
الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال هو عائق بشري أمام اهداف اسرائيل غير المعلنة، مثل
تغييب أي حدود لها... وبالتالي أي مواطنة ممكنة لشعب فلسطيني في فلسطين؟
•••
ألم يحن الوقت امام المستجدات أن تعقد قمة عربية لا تنحصر في تمثيل الحكومات بل بأهلية وشرعية ممثلي المجتمعات المدنية العربية وحكماء ومثقفي العرب المهمشين حالياً؟ ألا تستحق المستجدات الحاصلة عندنا وحولنا أن يحصل اختراق في حال الأمة؟
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |