|
توقع الاختراق تمرين في العبث؟ |
د. كلوفيس مقصود |
|
March 24, 2008 |
قبل ان تستعصي
التناقضات على المعالجة ويتحول الاحتقان انفجاراً ويترسخ الاحتقان وتتحول المراهنة
ادماناً للارتهان، وقبل ان يتفق من يراهن عليهم الطاقم السياسي – من الاكثرية
والمعارضة – وقبل ان يصبح هدف اللبناني الرحيل واقصى طموحه مجرد البقاء، لئلا يتحول
الاستياء من الحالة الراهنة مزيداً من التقوقع والتقوقع انقطاعاً للبعض عن البعض
الآخر ومن ثم يصبح بعضنا غريباً عن بعضنا الآخر، ولئلا يبقى القلق على المصير هو
السمة الطاغية، ولئلا نبقى بدون بوصلة، والدولة بدون راس والوطن بدون لحمة، لا بد،
بل لا مفر من استقامة معادلة الحكم فوراً وضبط الانفلات بانتخاب رئيس الجمهورية
الذي تم التوافق عليه بدون اي تأجيل كي لا يبقى لبنان لاغياً لدوره... ناهيك
برسالته.
- رسالته؟
آلمني كثيراً ان يقول البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في رسالة
الفصح ان لبنان اصبح مثل فلسطين بمأساتها ومعاناة شعبها. لكن فلسطين هي باكورة
ضحايا المشروع الصهيوني، اما لبنان فهو الرد الحضاري على المشروع الصهيوني، او
مشروع الرد، وهو النموذج المفترض فيه المساهمة في اخراج فلسطين من القبضة الخانقة
التي تفرضها اسرائيل على مواطنيها العرب، وخصوصاً بعدما اجازت لها اتفاقات انابوليس
ان تكون "دولة لليهود"، في ترجمة للعنصرية القابضة على حياة فلسطينيي الاراضي
المحتلة.
يفترض ان لبنان الرد والمساهم بالتالي في عملية التصحيح. والتحرير. فهل ان قراءة
غبطة البطريرك للحالة وصلت الى هذا المستوى من التشاؤم؟ اليس في موقفه تحريض مطلوب
لئلا يبقى لبنان في انزلاقه الى مصير مشابه؟ صحيح ان هذا ممكن ولكن ليس بالضرورة
اذا قام الطاقم السياسي باخراج لبنان من كبوته قبل فوات الاوان من خلال الدعوة الى
التئام مجلس النواب كي ينتخب العماد سليمان بالاجماع اذا امكن، أو بالنصاب القانوني
على الاقل. وعند ذلك يصبح المناخ ملائماً لتمكين اللبنانيين من التنفس ولكي يبدأ
العد العكسي نحو استرجاع البوصلة من خلال مرجعية تملأ الفراغ المحبط والمعيب الذي
لازم موقع الرئاسة منذ 24 تشرين الثاني 2007.
هل هذا ممكن في الساعات الثماني والاربعين؟ الواقعية السائدة تشير الى استحالة هذا
الاختراق، كما ان الصعوبات والعراقيل كثيرة ومتكاثرة. ولا يزال التحريض المتبادل
بين الفريقين قائماً، ثم ان القوى الاقليمية والدولية ممعنة في سياسة إبقاء لبنان
ساحة لتصفية حسابات النزاعات في ما بينها. اما السعي الى انتشال لبنان من مأزقه
فيبدو معطلا. اما المبادرة العربية فمطلوب تعديلها في شكل يؤول الى سياق تسلسلي
بمعنى انتخاب الرئيس وقيام حكومة انتقالية موقتة لا كما فسره الامين لجامعة الدول
العربية تزامناً بمعنى انتخاب الرئيس وقيام "حكومة الوحدة الوطنية". فهذا التفسير
يشير الى قراءة قرار الجامعة بحسب تمنيات الدول العربية وليس وفق حالة الاشتباك
المعقدة والتي ادت الى ترك الملف اللبناني معلقاً وتآكل صدقية القمة في التوصل الى
مخارج معقولة للازمة المستمرة في تفاقمها.
السؤال الملح: هل يمكن ان يعقد الرئيس نبيه بري فوراً، وبعد غد تحديداً، جلسة
لانتخاب الرئيس المتفق عليه، وبالتالي يستعيد مجلس النواب دوره في التشريع
والمحاسبة وتفعيل اللجان ذات الاختصاص؟
هل يجوز أن تبقى مؤسسات الدولة في المستوى التي هي عليه؟ مجلس نواب معطّل، وفراغ في
رئاسة الدولة، وحكومة تطعن المعارضة في شرعيتها وتصر بدورها على ممارسة صلاحياتها
المنقوصة.
هل صحيح ان رئاسة مجلس النواب قادرة على أن تكون الجهاز الحائل دون ممارسة الاعمال
التي انتخب لأجلها؟ أليس مجلس النواب سيد نفسه كما في برلمانات العالم؟ ثم ماذا عن
شرعية الحكومة؟ صحيح ان استقالة الوزراء الشيعة الخمسة تنطوي بموجب اتفاقات الطائف
على انتقاص من شرعية الحكومة ولكن ليس على "عدم" شرعيتها، خصوصاً ان الحكومة لم
تقبل الاستقالة وان بعض المستقيلين يمارسون صلاحيات عندما يشاؤون، مما يربك المتابع
الساعي الى فهم التهم المتبادلة بين فريقي الطاقم السياسي القائم، كما يشجع الحكومة
بدورها على تقديم المبررات خاصة لبعض المسؤولين في الولايات المتحدة للتدخل السافر
والمنفر في شؤون الحكم، كما يجيز للادارة الاميركية من خلال تصميمها على التحريض
بدورها على المقاومة وإعلان مواقف استفزازية لسيادة لبنان، كما حصل عندما "تبرع"
المسؤول عن الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي اليوت ابرامز بالطعن في دور السفارة
اللبنانية في عهدة سفيرها السابق.كذلك الامر إن حدة الاشتباك تساهم في تعطيل رسم
سياسات داخلية وخارجية سياسية واقتصادية واجتماعية في مرحلة مفصلية تتخبط فيها
المنطقة وتتنازعها تيارات متناقضة بل متصارعة أحياناً كثيرة وتؤخذ فيها قرارات
مصيرية، فيما لبنان غائب لكون مؤسساته مفرغة وكثير منها مشلول ومغيب لأن لبنان ساهم
بذاته في تعزيز حالة الاقصاء وهو الذي كان دوماً حاضراً وفاعلاً وكان حضوره في
الاروقة العربية والدولية مطلوباً وكثيراً ما كان هذا الحضور مرغوباً.
هكذا نرى ان ما نطالب بإنجازه فوراً وينطوي بدوره على قفزة نوعية هو بمثابة ما
سميناه "اختراقاً" يجب ألا يكون كما يبدو مستحيلاً بل ممكناً لكونه حاجة ملحة
وضرورية لأنه يتعلق بمستقبل لبنان الواحد ومصيره، وإذا توافر الحد الادنى لإرادة
الحل فعلى الطاقم السياسي الراهن أن يتخذ الخطوات فوراً ويملأ الفراغ في رئاسة
الدولة ويباشر الرئيس المنتخب حضور قمة دمشق وان يهيئ بالسرعة الممكنة الحكومة
الانتقالية، فيذهب الرئيس الى القمة ويطرح تصوره لاعادة الوحدة الوطنية وكيف يستطيع
العرب أن يعززوا المساعدة للتعجيل في رجحان الوحدة على الانقسام بما يعيد الى
صفوفهم وحدتهم المهمشة حالياً، فيستقبل العرب الرئيس ميشال سليمان ممثلاً لسيادة
لبنان ولعروبته، وللبنان الخارج من معمودية دم شهدائه من الفريقين حتى تكون الشهادة
وشهداء 14 آذار وشهداء المقاومة خاصة من فريق المعارضة - نتيجة لعودة الحياة الى
لبنان المعذب، وحتى تروي دماء الشهداء مشروع نهضته واستعادة دوره، ويكون في يوم
القيامة عنصراً جاذباً لتحرير فلسطين ووحدة العراق، ويعود كما عهدناه منارة لتجديد
ثقافة العرب وتحديثها واسترجاع حضوره في الضمير العالمي كملتقى لتفاعل الآراء
والحضارات، وتبقى بيروت المنارة التي تزيل غشاوة الظلامية، لتعيد تأكيد العروبة
بصفتها ضماناً لمناعة الأمة بكل أوطانها ولكرامة كادت أن تستباح وأمن لا يزال
مهدداً مباشرة، ولتنمية لا تزال منقوصة، وأمان لا يزال العديد من أبناء الأمة
يفتقده.
قد نكون بالغنا في نقد الذات، كما في توقعاتنا. ولكن استمرار الفراغ والاشتباك
الحاد والاستقالة السائدة من الأمل، والاستهانة باحتمالات الحلول والعناد في
"المواقف" وتكرار تأجيل ملء الفراغات واستمرار الثغر التي تولّد المزيد منها،
وابقاء الجمود وعدم الاكتراث الذي يرحل كل بدائل الحلول، اجل ان اجترار ما نحن فيه
واسقاط احتمال الاختراق المطلوب يشكل صيغة لكارثة، في حين ان الاختراق بأولوية
انتخاب الرئيس يمهد لانفراج طال انتظاره.
ان تم الاختراق تمت قيامة لبنان، فهل توقع الاختراق تمرين في العبث؟
السؤال موجه الى الرئيس بري لأن لديه مفتاح الاختراق المطلوب.
أم ان كل هل هذا وهم... والمفتاح في مكان آخر؟
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |