|
طال انتظار "العيدية" |
د. كلوفيس مقصود |
|
Dec 23, 2007 |
لم
نعد نعرف الى من نتوجه، إذ عندما يتحول القلق غضباً، تبقى الازمة قابلة للمعالجة.
فالغضب يستدرج الحوار والتفاوض والمناقشة، وحتى المناكفة. واذا تحول الغضب استياء
وامتعاضاً من الحالة اللبنانية، عندئذ يقترب المواطن من اللامبالاة، وبالتالي، وهو
الاخطر، القرف، ومن ثم اللاانتماء.
يبدو ان معظم اللبنانيين آخذون بالمرور في جميع هذه المراحل من الاكتئاب. هذه حالة
في منتهى الخطورة.
هل هناك فصام كامل بين الطاقم السياسي المتحكم - بشقيه الموالي والمعارض، والمواطن؟
هل صار اللااكتراث لمصالح المجتمع هو السمة الطاغية التي لا تقيم وزناً لمعاناة
الشعب اللبناني؟ ألا يدرك هذا الطاقم السياسي المتحكم في المصير انه اذا استمرت
الارتهانات القائمة في ترسيخ الانسداد فإن لبنان يصبح امام خيارين احلاهما مرّ، أما
الاستكانة وأما الانفجار؟ وكلا الاحتمالين علينا جميعاً رفضهما، بل نبذهما.
•••
كيف
نبدأ بفك الاشتباك القائم والحائل دون انتخاب ميشال سليمان رئيساً قبل نهاية السنة؟
فالتشنج الذي تغذيه تصريحات استفزازية من الخارج تجعل الاستعصاء على ايجاد المخرج
المطلوب يقارب المستحيل. الا ان تصريحات الرئيس جورج بوش التي كانت بمثابة تحريض
واضح وتدخل مباشر وسافر دون أي استيعاب لتعقيدات الازمة كما تميّز خطابه بالاملاء
وفظاظة الاثارة، مما جعل وصف رئيس التحرير التنفيذي لـ"النهار" ادمون صعب مصيباً
نهار الجمعة بالقول ان "الاكثر اقلاقاً هو تحويل الاميركيين لبنان قاعدة سياسية
وغرفة عمليات لا تهدأ الحركة فيها".
ومن ناحية أخرى، كان رد المسؤول السوري وليد المعلم متوقعاً إثر تهجم بوش على
الرئيس بشار الاسد، ولكن حبذا لو اكتفى بالرد والاحتجاج دون ربط هذا الحق بتوصيف
مفصل لطبيعة المشاركة، وكأنها تبنٍ حرفي لخطاب المعارضة، مثلما كان تهديد الرئيس
بوش بالانتخاب بالنصف زائد واحد. وعلى رغم ان وتيرة بوش كانت أعنف، الا ان بوش
والمعلم لم يراعيا حساسية المرحلة، وإن تكن بعض الاحيان مفتعلة ويتلقفها كل من
الفريقين لكونهما دليلا على "تدخل" مرفوض من جهة واحدة للفريق الآخر. احبذ استعمال
كلمة "حساسية"، الا ان هذا التوصيف للحالة اللبنانية الراهنة ناتج من تراكمات تعود
اسبابها الى سياسات اميركية شديدة الانحياز الى اسرائيل، وخصوصا اثناء غزواتها
للبنان، وآخرها في تموز الماضي 2006 وممارسات الحضور السوري – الامني في لبنان حتى
نيسان 2005.
كما ان غياب مرجعية عربية موثوق بها وبالتالي ارادة عربية قادرة بجعل الازمة اكثر
قدرة على الاستمرار.
هذا الغياب بدوره فاقم وتيرة مخاطبة بعضنا على بعض، بدلا من مخاطبتنا بعضنا البعض،
مما يساهم في توتير الاجواء واحتمال تحول الحوار المطلوب عبثية في املاءات تتعمد
اجهاض نتائج مرغوبة.
ان ما هو حاصل لجهة تأخير انتخاب رئيس جمهورية يقلص ليس فقط من رمزية الرئاسة وما
تنطوي عليه من معان على المستويين اللبناني والعربي، بل من الهيبة التي يجب ان
تستعاد نظرا الى حاجة لبنان الى مرجعية حكيمة تكون حكما عند الضرورة واسهاما مميزا
في تفعيل مؤسسات الدولة وتجسيدها مع مكونات المجتمع المدني. لعل الدور الاهم للرئيس
الجديد هو التركيز على ضرورات التنمية المستدامة، مما يؤكد الأمن القوي وامان وحقوق
الانسان من خلال مكافحة الفقر المستشري وايجاد برامج تعليمية واحدة مجهزة بآليات
حديثة وقابلة للتكيف مع المستجد من المعرفة ومستهدفة مناعة المجتمع وكرامة المواطن.
اما اذا استمر التعثر في الخروج من المأزق – الذي هو الى حد ما مفتعل – فالناتج من
التدخلات الفاقعة المرئية والمسموعة فهذا يجعل مفاهيم السيادة والاستقلال فاقدة
للمعنى وتحريفا معيباً لما يعنيه الاستقلال – اي استقلالية الارادة، لا الاكتفاء
بالمظاهر الشكلية للاستقلال. ان استقلالية الارادة الوطنية لا تعني الانطواء على
التعامل مع الغير، كما لا تعني اتباع سياسات انعزالية متقوقعة، بل تعني تأكيد تكثيف
التعامل مع الغير شرط الا توحي هذه الرغبة امكان استعمال لبنان او "قسم" منه قاعدة
لتصفية حسابات مع الغير.
•••
اذا تمت عملية انتخاب العماد ميشال سليمان قبل آخر هذا الاسبوع، وعمل كما ينوي على ارساء قواعد المصالحة الوطنية، فان مرحلة واعدة مقبلة علينا، عندئذ تكون "المشاركة" التي تريدها المعارضة ليست دمجاً كاذباً ولا تعود شعارات السيادة انسلاخاً عن الانتماء العربي ولا يعود "الثلث الضامن - أو المعطل" ذا جدوى اذا توافرت للرئيس الجديد فرصة ترجمة خطابه الذي تعرفنا اليه اثناء الازمات التي مرت ولا تزال تمر بلبنان، الى سياسات داخلية وعربية ودولية تتسم بعقلانية دافئة وثقافة تؤكد المساءلة والشفافية وتجاوز كل ما يعوق المواطن اللبناني عن تأمين حقوقه مباشرة من الدولة.
•••
لقد
حان للضمير ان يستفيق من الغيبوبة التي أفرزت ما كان يجب ألا يكون... واذا بقي ما
حصل منذ نهاية رئاسة العماد اميل لحود يجتر التسويف والتأجيل والمراوغة والتعطيل،
عندئذ نكون امام احتمالين، أما القرف وأما الهجرة وخروج لبنان صانع التاريخ من
التاريخ.
حتى لا ينفجر الكبت، تجاوزوا ايها النواب، امام التحديات الكبرى، صغائر اهتماماتكم،
وتعرفوا الى هموم من تمثلون واحباطاتهم ومعاناتهم. حرام عليكم ان تبقوا في حالة
اغتراب عنهم. فالرئيس ميشال سليمان هو الهدية الموعود بها الشعب، وان جاءت متأخرة
جداً.
كم كنا متسربلين ببراءة عندما توقعنا في الاحد الماضي "العيدية". عذراً للقارئ على
سوء التقدير، لم أكن اتوقع هذا المدى من اللامسؤولية وهذا المستوى من الارتهان.
اليوم اعتذر إلى القارئ عن سذاجة تفاؤلي، ولكن سأعتذر يوم الاحد المقبل الى الطاقم
السياسي المتحكم بشقيه "الموالي والمعارض"، اذا فاجأنا بمجيء العماد سليمان. وأرجو
ألا أكون ساذجاً مرة أخرى!
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |