|
جولة بوش لتبديل الأولويات العربية |
د. كلوفيس مقصود |
|
Jan 20, 2008 |
ماذا
عن زيارة الرئيس جورج بوش لـ"المنطقة"؟ ولمن صنفتهم ادارته "معتدلين"؟ ويتساءل
كثيرون: هل كانت الزيارة ناجحة او فاشلة؟ وهل حققت الاهداف التي اعلن الرئيس بوش
انه يريد انجازها؟
الصحيح ان الزيارة لم تكن ناجحة ولكنها لم تكن فاشلة، كما لم تكن تاريخية كما ارادت
ادارته تسويقها.
صحيح ان الرئيس بوش اراد ان تشكل نتائج هذه الزيارة ارثا يؤسس تعويضا لاخفاقاته
الديبلوماسية والسياسية، وللأزمة التي يعانيها الاقتصاد الاميركي والتي تحولت فورا
اولوية التحديات التي تواجه ادارته والتي يتنافس مرشحو حزبه الجمهوري على من يكون
الابعد من اداءاته ومجمل سياساته.
اعتقد الرئيس بوش ان اختراقا في التوصل الى حل للنزاع العربي – الاسرائيلي وخصوصا
في بُعده الفلسطيني يشكل مدخلا الى تحقيق الحل، على رغم فشله في العديد من القضايا
التي عالجتها ادارته مدى السبع سنوات الماضية، ورأى ان الحل الجذري على قاعدة
دولتين، اسرائيل وفلسطين من شأنه ضمان مساهمته في صناعة انجاز تاريخي لطالما عجزت
عنه ادارات الرؤساء السابقين للولايات المتحدة، اضافة الى الامم المتحدة الموكول
اليها حل عادل للقضية الفلسطينية.
وفي هذا الصدد استعمل الرئيس بوش مصطلحات مطلوبة غابت عن التداول في المحاولات
الاميركية للتوصل الى الحل الناجع لما اعتبر معضلة مزمنة. ووصف الاراضي المحتلة
بالمحتلة. واشار الى ضرورة "انهاء الاحتلال"، وبالتالي دعا الى قيام دولتين. ولكن
لماذا لم يتمكن من جعل هذه المصطلحات الصحيحة مداخل لارساء قواعد الشرعية وما أملاه
القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة ذات الصلة؟
الجواب يكمن في المصطلحات الالغائية التي رافقت المصطلحات السليمة. فمثلا واكب
الدعوة لقيام دولة فلسطينية بأن عليها "تظهير" الحالة السكانية التي انتجها
الاستيطان والبالغة بما يقارب نصف مليون مستوطن في المستوطنات غير العشوائية، أي في
تلك التي تصفها اسرائيل بـ"القانونية" ويصبح هذا الشرط تعجيزا عمليا لقيام دولة
فلسطينية خصوصا ان اكثرية من المستوطنين تقيم في القدس الشرقية المحتلة. وكما صار
معروفا، ان استبدال الرئيس بوش بالتعويض المالي حق اللاجئين في العودة يشكل امعانا
اضافيا في اخلاء "الدولة" من اي حقوق وطنية انسانية قابلة للتحقيق ناهيك بقابليتها
للاستمرار. كما أن هذه الصيغة التي رسم معالمها في زيارته لاسرائيل وللسلطة الوطنية
أكدت التعامل مع قطاع غزة كمنطقة "معادية" بالمفهوم الاسرائيلي وكاطار "للارهاب" في
مفهوم الرئيس بوش. وما نراه حاليا من شراسة الاعتداءات والاختراقات والغارات ما هو
الا ترجمة للترخيص الذي أعادت تأكيده ورجحانه المصطلحات اللاغية، لا المتناقضة
فحسب، مع ما وصفه بـ"الاحتلال" وبـ"الدولة".
كان الرئيس بوش موفقا في الاخراج اللفظي ومحبطا في المضمون العملي... وبالتالي كانت
المفردات التي استعملها في هذا الشأن امعانا منه للتخدير، وبالتالي لسياسة التسويف
المنبثقة منه والساعية دوما الى حرمان الشعب وحدته الوطنية، وبالتالي حقه في تقرير
مصيره حتى وإن اقتضى الامر اعادة النظر جذريا في كل الاتفاقات التي لا تزال مثل
الحائط الفاصل في الضفة الغربية تشكل "حائطا" فاصلا امام شرعية المقاومة المطلوبة
لازالة الاحتلال بدلا من الانبهار ببريق الوعود الفاقدة للصدقية والمكتفية بالاعلان
من دون أي احتمال للتفعيل.
***
كذلك
أظهرت زيارة الرئيس بوش لدول الخليج العربي ان هدفه الرئيسي كان تثبيت قلب
الأولويات العربية بحيث تكون ايران الخطر الرئيسي في حين ان اسرائيل لم تعد عنصر
تهديد ولا هي العدو الرئيسي. وهكذا وجدنا ان خطابه العام في ابوظبي ركز على محاولة
اقناع دول الخليج وبالتالي بقية العرب بأن مواجهة ايران هي المطلوب جعلها أولوية
مطلقة بحيث تلغى أي مواجهة مع المشروع الصهيوني. ولكون مبادرته وتصميمه على
"انجازها" قبيل نهاية عهده يجعلان حالة العداء مع اسرائيل غير ضرورية و"خسارة"، كان
هذا الخطاب العام وتركيزه الاستفزازي على المطالبة الملحة بمواجهة ايران محرجا مما
اضطر الكثير من المسؤولين في الخليج الى التركيز على ان التباينات وحتى الخلافات
والهواجس التي تنطوي عليها العلاقات العربية – الايرانية تندرج في رجحان العلاقات
الثقافية والروحية والتاريخية، وان المشاكل التي تبدو مستعصية لا يمكن تحت أي ظرف
كما لا يجوز ان توصف "بالنزاعات" او تعامل خارج أطر العلاقات الديبلوماسية والمصالح
الاقليمية المشتركة.
كما أن النتائج التي توصل اليها 16 جهازا استخباريا اميركيا وفحواها انه منذ 2003
لم يعد هناك أي خطر جدي او مباشر لوجود او لاحتمال فوري لصناعة قنابل ذرية، وخصوصا
ان ايران أعادت خلال زيارة مدير وكالة الطاقة الذرية لها حق الوكالة في التفتيش،
وان روسيا تمدها بامكانات لاستعمال الطاقة الذرية لاهداف سلمية. كل ذلك يجعل صرف
الدول العربية عن أولوية مواجهة اسرائيل عملا يناقض المصالح العربية القومية كما
يجعلها عرضة لضعف المناعة المطلوبة للتنسيق العربي بغية ارساء قواعد التنمية
الانسانية المستديمة للأمة العربية.
ان الرد على الخطاب السائد للبعد التقسيمي داخل الامة والأوطان المكونة لها هو
المزيد من التنسيق الملزم بين الدولة والمجتمع في الوطن العربي، والتنسيق بين
الاوطان العربية واستعادة نجاعة وواقعية العمل القومي الذي غيبته المراهنات
والارتهانات التي مكنت الرئيس بوش من تبديل اولوياتنا وبالتالي بعثرة طاقاتنا
وتهميش حقوقنا وأولوياتنا.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |