لبنان يستحق "عيدية" - بقلم كلوفيس مقصود  

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Dec 16, 2007


لا يزال اللبنانيون منذ أشهر سجناء اللاحسم. هل هذا معقول؟ والأهم هل هذا مقبول؟ ان القلق السائد بل الطاغي يقارب الخوف على المصير لكون الجواب لا يزال مغيّباً ولكون الطاقم السياسي، بشقيه الموالي والمعارض، صار في حالة اغتراب بدوره عن مشاعر المواطنين ومعاناتهم وآمالهم وقيمهم. فهذا الطاقم المتحكم في المصير يتكلم غير لغة المواطن، واولوياته واهتماماته تبتعد يوماً بعد يوم عن أولويات المواطن واهتماماته... وهمومه المتفاقمة.
وعندما بدأت طمأنة المواطن اللبناني تأخذ مداها باجماع الطاقم السياسي على تأييد ترشيح العماد ميشال سليمان توافقياً لرئاسة الجمهورية، عاود الطاقم السياسي، موالاة ومعارضة، لجوءه الى اجترار تحويل المنافسة خصومة ثم تحويل الخصومة عداوة. وبدا ذلك مما نسمعه ونشاهده في الايام التي تسبق يوم انعقاد البرلمان المفترض غداً لانتخاب الرئيس، وبالتالي الاستجابة المطلوبة التي تمهد لاخراج لبنان من سجن اللاحسم واللبنانيين من حالة ادمان القلق.
جاء الاجماع على ضرورة انتخاب العماد سليمان تلبية لحاجة ماسة الى طمأنة غابت نتيجة حالات التوتر والمخاوف المستفحلة وتنامي التفكك الناتج من عجز التركيبة الطائفية عن ارساء قاعدة مستقيمة للمواطنة اللبنانية وتوق اللبنانيين الى ثقافة سياسية متميزة وفرتها المؤسسة العسكرية كما عبرت عنها كلمة قيادة الجيش في مأتم الشهيد اللواء الركن فرنسوا الحاج عندما قال رئيس الاركان اللواء شوقي المصري: "اننا باسمك ندعو الجميع الى اتخاذ موقف تاريخي شجاع يقضي الى بناء جسور الثقة والتواصل بين الاطراف المتصارعين والى تحقيق المصالحة والوفاق من دون شروط أو مساومات، لأن المصالحة والتوافق لا يتوقفان على موازين القوى والتجاذبات السياسية، فسيل دماء الشهداء يستحق منا التضحية والتنازل عن كل ذلك، على أن تكون الثقة المتبادلة هي الضمان الاساسي والوحيد لجميع الافرقاء، كما ان رسائل الدم هذه لا تستهدف الجيش فحسب بل تستهدف الكيا ن برمته، والرد عليها يكون بالابتعاد عن الكيدية والاحقاد والحسابات الضيقة، وبالتالي على القواسم المشتركة، ففي اتحادنا نكسب القوة ونستطيع تحقيق المستحيل".

كان كل "الفرقاء" حاضرين في المأتم، فهل استمعوا؟ واذا استمعوا هل استوعبوا، واذا استوعبوا هل فهموا المعاني التي تنطوي عليها مصطلحات الثقافة اللاطائفية؟ واقع الحال انه ما كاد يدفن اللواء الركن فرنسوا الحاج في بلدته الجنوبية رميش حتى عاود الطاقم السياسي خطابه متبادلا الاتهامات وكل فريق عاود الطعن بشرعية الفريق بالآخر، وبمفردات تتميز في معظمها بالاستفزاز المتبادل. وعندما يتحول النقد الى الفريق الآخر طعناً به فهذا يعني ان الدافع هو تحويل النقمة انتقاماً ثم استحالة التوافق، ناهيك بالمصالحة.
يستتبع هذا  الحال تساؤلنا عما اذا كان الفريقان المستأثران بالقرارات السياسية قد أدركا ما يمثله قائد الجيش الذي يتجاوز بخطابه السياسي النقمة والانتقام عندما قال في تموز الماضي قبل أي بحث في ترشيحه للرئاسة الاولى ان "التنازل من هنا وهناك ليس ضعفا بل كبر وترفع وشعور عال بالمسؤولية. ثم عندما اكد في الصيف الماضي ابان معركة نهر البارد "حفظ المصلحة المشتركة للشعبين (اللبناني والفلسطيني) وعدم تقديم خدمة مجانية يستفيد منها العدو الاسرائيلي" وكان كلامه كما اشرت في "النهار" آنذاك "مطمئنا ومسؤولا وواعداً". ولعل هذا ما دفع قائد الجيش الى ان "يستصرخ المرجعيات السياسية والدينية واصحاب القلم والكلمة لادراك ما بذله العسكريون من جهود وتضحيات وما كابده المواطنون من آلام لا يمكن ان توفى حقها الا بالوحدة الوطنية والتوافق، بعيدا عن ثقافة التصادم والتجاذب السياسي العبثي". وكان ذلك الصيف الماضي عندما سمع الكلام اللاحسم وطنيا والثرثرة الطوائفية، منطلقاً من ضرورة ضبط مسؤول للمصطلحات السياسية وانضباط بالالتزام للبنان بكله. 

السؤال: هل يمكن الطاقم السياسي اليوم ان يستمع ويعمل بموجب العامل الجديد في الثقافة السياسية التي تعبر عنها كلمة قيادة الجيش قبل الترشيح للرئاسة وما عبرت عنه بالامس في مأتم الشهيد فرنسوا الحاج؟
اذا تمكن الطاقم السياسي تلقائياً من ان يخرج لبنان من سجن اللاحسم وينتخب غداً مرشح "الاجماع" كما يدعي... ومرشح الاجماع الشعبي كما هو الواقع فيكون هذا الطاقم بفرعيه قد اخترق الحائط الفاصل بينه وبين مختلف اطياف المجتمع التواقة الى مشاركتها في صنع المستقبل وخروجها من حالة التهميش والاستبعاد واللاانتماء. اذا حصل ذلك غداً الاثنين كتعبير عن قرار مصدره ارادة الشعب فعندئذ يستعيد لبنان مناعته ولا يعود كما هو عرضة للتجاذبات التي جعلت مواطنيه في حالة دوار فاقد للبوصلة ولمرجعية موثوقة.
العماد ميشال سليمان والمؤسسة التي ساهمت في تكوين ثقافته السياسية يستحقان الثقة التي توفر له فرص ترجمة خطابه الواعد مناهج في التعامل، فلا يجيء انتخابه مكبلاً بقيود جامدة سميت "السلة" أو بعناد عند الاطراف تميز بفقدان المرونة التي بدونها لن يكون تجسير بين مشاعر المواطنين واهدافهم، ومصالح الطاقم المتحكم بشقيه "الموالي" و"المعارض".
لبنان يستحق ان يتم غداً الاستحقاق الرئاسي... وهذا ما يتوقعه اللبنانيون تعبيراً عن سيادة لبنان واستقلاله لا امتثالاً لايحاءات الزوار الذين كثيراً ما ساهموا في تحريض بعضنا على بعضنا.
عيب بل عار علينا ان نبقى في سجن اللاحسم...
ومبروك للبنان اذا أفاق ضمير "الافرقاء" وحققوا الاختراق المطلوب... والمرغوب.
بعد آلام اكثر من ربع قرن سيتحق شعب لبنان لمناسبة عيدي الاضحى والميلاد "عيدية" تبلسم جروحه ورئيساً لا يكتفي بالتوافق بل يطمح الى المصالحة.

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com