| 72 ساعة تفصلنا عن انفراج محتمل او انفجار مستبعد |
د. كلوفيس مقصود |
|
Nov 20, 2007 |
الا
يجدر بنا ان نسأل كيف اننا اليوم لا نعرف اذا كان موعد "الاستحقاق الرئاسي" سوف
يؤول الى انفراج او الى انفجار؟
ألم ينفذ أحد في الطاقم السياسي القائم من اكثرية ومعارضة، الى حالة القلق السائدة
كي يغير سلوكه بغية تبديد المخاوف وازالة الهواجس المستحوذة على معظم المواطنين –
ان لم يكن كلهم؟
ألم يشعر أحد في الطاقم السياسي بضرورة الاستماع الى الخطاب الجماهيري الذي يعبر عن
المطالبات المعيشية المهملة؟
الم يفهم الطاقم السياسي ان مفرداته و"حواراته" وثرثرته الطائفية غريبة وفاقدة
المعنى والأثر. على ما يقول من يعانون التهميش واللامبالاة والتعامل مع تعبيرهم عن
المعاناة الحياتية والاجتماعية كأنها تشويش على استقبالات الطاقم السياسي لممثلي
الدول الكبرى والمتوسطة والصغرى ووزرائها وسفرائها. وكلهم بنسب متفاوتة يلحون على "ان
يتم الانتخاب الرئاسي في موعده الدستوري" وأن يكون الرئيس "توافقياً" اما ما يعني
"التوافق" فهو ان يكون غير معترض عليه من القوى الاقليمية والدولية وبالتالي ان
يكون قادراً على توفير الاجماع المغيب اصلاً كما هو واضح. لذلك ارتأت معظم هذه
القوى – ما دام الرئيس يجب ان يكون من الطائفة المارونية – تكليف غبطة البطريرك
الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير اختيار من
يراه مؤهلاً لهذا الموقع في هذا الظرف تحديداً. وأرجعت التسمية الشاملة الكرة الى
المؤسسة المسؤولة عن حسم هذا الشأن المصيري.
صحيح ان بكركي تحفظت عن ان يكون تكليفها التسمية بمثابة حق لها، وكان هذا عين
الحكمة والى حد ما احتجاجاً مهذباً على العجز الكامن في النظام القائم.
***
ان
قلق المواطن نابع من فقدانه اي علاقة مباشرة بصانعي القرارات والسياسات. وان الفصام
بين الدولة والمجتمع سيسلط اضواء كثيرة على النواقص الكامنة في التركيبة الطائفية
التي تحول دون أي تجسيد بين صانعي القرار وصا نعي الرأي وهذا بدوره يُبرز التفكيك
المتفاقم في سلطات الدولة وحقيقة التلاحم التلقائي – وكثيرا ما يكون دافئا – بين
شرائع المجتمع الاهلي والمدني.
لذا ما نشهده اليوم هو نتيجة الغربة المتنامية بين قيادات الطوائف وبين ابناء
الطوائف اللاطائفيين. كما اصبح واضحا ان هذه القيادات جعلت مواقعها في قمة كل طائفة
حقا مكتسبا وبالتالي قابلا للتوريث، مما جعل جميع قادة الطوائف يتحاورون، يتفاهمون،
يتنازعون، يتصادمون وتظل تجمعهم الرغبة في ديمومة وجودهم على القمم في مصلحة
مشتركة. وهذه الرغبة تدفعهم الى الاستقواء بعضهم ببعض من خلال تأجيج وتيرة خلافاتهم
او بالمهادنات الموسمية الموقتة التي تفرزها علاقات التكاذب في ما بينها.
هذا التفكك يفقد بالضرورة الوحدة الوطنية مناعتها ويتحول لبنان بالتالي ساحة تستدرج
التدخل من الخارج، وبالتالي نجد المناظر التي شاهدناها ولا مثيل لها في اي بلد آخر
تقريبا، عندما يخرج كل من ابدى مشورة او رأياً او نصيحة او ا قتراحا، او املى ارادة
حكومته – كما دفع سفراء بعض الدول الكبرى! - يقف امام ميكروفانات التلفزة ويصرح
بمواقف ينم الكثير منها عن تدخل ساخر، غير آبه لأي احتجاج او نقد فالزعامة الطائفية
الضالعة في حالة التفكيك بدورها كثيرا ما تستسيغ هذا التدخل السافر، لكونه ترجيحا
لها على غيرها في التركيبة الطوائفية.
***
لكن التدخل الخارجي السافر – والوقح احيانا، والذي يستفز بدون رادع لا يعود الى حالة التفكك الطائفي في لبنان فحسب، بل أيضاً الى تراجع التوحد العربي والتناقضات بين الدول العربية، وعجزها عن تفعيل وحدة المصير في ما بينها اضافة الى كونها تأخذ في قممها قرارات يكون مجرد اعلانها بمثابة صيرورة تنفيذها بدورها وتساهم بقصد او بغير قصد في رسوخ التفكيك، معتبرة ان التفكيك في اوطان الامة العربية ببعدها عنها وبالتالي يساعد الدول في التخلي عن اي مسؤولية قومية بعضها حيال بعض، لكن غاب عن معظم الدول العربية على ما يبدو ان انفصالها بعضها عن بعض أفقدها مناعتها وزرع بذور التفتيت داخل العديد منها على ما شاهدنا في العراق وما نشهد تفاقمه في فلسطين. كما ان هذا يفسر الغياب العربي المعيب الحاصل في العراق وترك الفلسطينيين لمصيرهم المتدهور من دون أي كلفة - حتى لا نقول من دون عقاب لاسرائيل. كما يفسّر ان المدعوين العرب الى أنابوليس منبهرون بالدعوة من دون تدقيق بدوافع الدعوة والمطبات التي قد توقعنا بها كما حصل في "احتفالات البيت الابيض" في اعقاب أوسلو، ناهيك بما ظهر من عجز جامعة الدول العربية على رغم محاولتها، عن القيام بما قامت به خلال مؤتمر الطائف. وبمعنى آخر كان على العرب "من المحيط الى الخليج" ان يستعيدوا ذاكرتهم، فلبنان مثل العراق عضو مؤسس في جامعة الدول العربية. فلماذا لم نلحظ هذه المرة الحرص الذي تمثل عراقياً في اللجنة التي ادارها الاخضر الابرهيمي، ولماذا لم يتم انشاء مثلها للبنان؟ لجنة تشمل ممثلين لدول المغرب الكبير كما المشرق لتبقي لبنان الى حد كبير بمنأى عن التدخل المرفوض؟
***
بعد
72 ساعة تدق ساعة الحقيقة فإما الانفراج وإما الانفجار. ان هذا الغبن في حق الشعب
اللبناني ظلم غير محتمل.
اصبح المطلوب ان يُنتخب الاربعاء القادم رئيس كي نتجنب الانفجار. أما الانفراج
الحقيقي فان يكون ما حصل درساً ويتمكن الرئيس المقبل من ان يدفع في اتجاه مراجعة
نقدية صارمة للاسباب التي كادت ان تدفع لبنان الى شفير الهاوية. وأن يجعل أولوياته
دعوة اللاطائفيين الى ان يشاركوا في صياغة رؤيا للبنان عربي جديد يكون فيها المواطن
مواطناً وليس تابعاً منقاداً كقطيع في هذيان الطائفية واقطاعياتها. ويجب في الساعات
القادمة اجتناب الاستفزازات المقيتة التي رافقت التجاذبات السياسية، ونتجنب الحدة
المنفرة، وأن نعيد التقارب بعضنا الى بعض لان ما افرزته الاشهر المنصرمة جعل
المواطنين يعيشون نتيجة التركيبة الطائفية في عوالم مختلفة أفقدت المفهوم الموحد
لما يعنيه لبنان لمواطنيه.
***
في
هذه اللحظة المفصلية والساعات القليلة يظل الامل أن يتم الاستحقاق، علماً أن
الانفراج هو نقطة بداية لطموح جعله الخوف مكبوتاً ومجمداً... اجل في الساعات الـ72
القادمة يجب ان تكون الاولوية للحيلولة دون انفجار قد يحصل قريباً اذا لم نجعل
الانفراج فوراً نقطة انطلاق لا نهاية مطاف.
هذا يعني ان الرئيس القادم مطالب بالمساعدة في تجسير المجتمع بالدولة وصانعي الراي
بصانعي القرار، ان يدعم فصل السلطاـت وأن يدفع في اتجاه توفير الامن الوطني والامان
للمواطن. كما عليه أن يعيد الى لبنان دوره في المساهمة في هندسة نظام عربي يخرجه من
التكاسل واوجه الاهتراء الناشئة من نواقص هائلة دون تنمية مستديمة ورسولية واعدة.
كفى ان يصنع الغير تاريخنا... حان الوقت لنباشر صناعة التاريخ... وهذا يعني ألا
نكتفي بانفراج موقت، بل ان نطمح مع الاجيال القادمة الى نهضة عربية متكاملة...
ولبنان منعتق من عفونة التقوقع والانطواء وجاهلية الطائفية.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |