| في لقاء الحبيب بهجت أبو غربية |
رشا عبدالله سلامة |
|
Oct 29, 2007 |
طوال الطريق كنت أتخيل شكله، كانت فرائصي ترتعد من فكرة مقابلته، كيف لي أن أقابل تسعينياً تتجلى فيه كل هذه العظمة التي سمعت عنها؟ كيف لي أن أقابل وجهاً لوجه ذلك الصرح الذي حباني القدر بسماع صوته على الهاتف قبل يوم؟ كيف لي أن أصافح عملاقاً بحجمه؟
لم أشعر بذاتي وسط هذه التساؤلات، وإذ بي على باب المكان الذي اقترحه للقاء، ولجت إلى هناك.. قلبي يخفق بقوة لم أعهدها من قبل، وقعت عيناي عليه من دون عناء التخمين بين الوجوه الكثيرة الحاضرة.. رمقني بتلك النظرة الحادة المفعمة بالعنفوان والشموخ..
أقبلت عليه، نزلت على رأسه وقبلت جبهته وأنا أرتجف.. هل أنا في حلم؟ هل من قبلت جبهته هو بهجت أبو غربية بجلال قدره؟ هل قبلت جبهة رفيق القائد المجاهد عبد القادر الحسيني؟ هل كافئني الحظ والزمن لأقف بحضرة أحد أبرز رموز فلسطين الجهادية منذ تسعين ونيف عاماً..
لم أدر بماذا أناديه.. أبي.. أستاذي.. حج.. انعقد لساني.. أنا أمام بهجت أبو غربية.. رائحة القدس.. رائحة الخليل.. رائحة عبد القادر الحسيني.. رائحة ثورة 1936.. رائحة النكبتين.. رائحة فلسطين بكل ما فيها ومن فيها..
فتحت أجندتي لأبدأ الحوار معه، أخفيت دموعي بصفحات الأجندة.. أعهد ذاتي متحدثة ماهرة.. يومها اكتشفت العكس.. لم أستطع قول شيء.. سألته عن ذكرياته مع الجهاد المقدس.. ابتسم بلطف.. صحفية شاطرة بس لا تتشاطري عصحفي زيك.. أنا كنت صحفي بفلسطين.. وكنت لما أعرف إنه حدا إجى عفلسطين من هالضيوف الكبار أتصل بالفنادق الكبيرة وأطلبه وأعمل معه حوار بسرعة.. وكنت أحكي بس سؤال وأروح عامل مقابلة.. إنتي هيك.. بس ما مشيت لعبتك عليّ..
سألني عن قريتي.. ليسرد لي بعدها تاريخها وتاريخ رفاقه الذين كانوا منها وقضوا سنيناً طويلة من عمرهم في المنفى..
لم أستطع كبح دموعي وابتسامتي.. كل ما كنت أفعله طوال الحديث هو تأمله.. كنت أملأ عيني من وجهه الذي تختزل خطوط الزمن فيه تاريخ فلسطين كله.. نبرة صوته التي لازالت صامدة صمود فلسطين.. ذاكرته الحديدية التي لم تزحف عليها الشيخوخة بعد..
تحدثنا طويلاً.. كلما كان يستريح من الحديث قليلاً كنت أربت على كتفيه بكل ما أنجدني به الله من حنان.. ثمة مشاعر لا يمكن وصفها.. شعرت كمن يقف بين يدي أستاذ في الزمن، وفي ذات الوقت بين يدي طفل حنون لابد وأن عبء الذكريات قد أثقلت جانبه الطاهر..
عندما ودعته نظرت ورائي عشرات المرات.. ودموع ساخنة تنسكب على وجنتي كما هو حالي وأنا أخط هذه الكلمات.. شعرت بذاتي قد وجدت ما كنت أبحث عنه طوال عمري.. وجدت بلادي فيه.. بلادي التي أرمقها من بعد كيلو ميترات من غير أن أقبلها وألمسها.. وجدتها الآن.. وقبلتها وربتّ عليها..
كلما مشيت خطوة عاجلتني دمعة والتفاتة أخرى.. لا أريد الرحيل.. أريد المكوث بجانبه.. بجانب بلادي.. لازلت حتى هذه اللحظة أناجي طيف بلادي الذي رأيته فيه.. رحل إلى قلبي منذ يومها.. أغفو على شموخه وأصحو على عنفوانه..
أبي.. أستاذي.. بلادي.. دمت لنا حبيبنا بهجت أبو غربية..
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |