
لم تأت ضجة أفكار المخرجة نادين لبكي
في فيلم "سكر بنات" بأقل من تلك التي أثيرت
حوله منذ أول يوم عرض له في الدول العربية، إذ
انتقلت لبكي بين قضايا المرأة العربية الشائكة
والبالغة الحساسية برشاقة وخفة ظل لم تترك
للنمطية والملل منفذا لتتسلل منه.
تستعرض لبكي في "سكر بنات" قصص نساء يجمعهن
صالون تجميل، ما بين موظفات فيه ومرتادات له،
لتكون كل قصة أنثوية في الفيلم حبلى بأخرى،
وبتفاصيل تنسحب على المرأة العربية أيا ما
كانت ديانتها أو أصولها، وهو ما يفسر إضفاء
لبكي لمسة محافظة واضحة على المجتمع اللبناني
كي تناجي القصة هموم النساء في المجتمعات
العربية المنغلقة، وهو ما جعلها كذلك تسهب في
إظهار التفاصيل الدينية في حياة كل فتاة كي
تكون القصة عباءة واسعة تضم جميع نساء الوطن
العربي.
وكان محور الأحداث، التي تنطوي على قضايا
بالغة التعقيد والحساسية بقالب قمة في البساطة
والسلاسة، هو سكر البنات (المسمى عالميا
بالكراميل)، والذي أرادت المخرجة من خلاله
الرمز لمدى معاناة النساء على الصعد الحياتية
كافة، لا سيما تلك الجمالية لنيل إعجاب الرجل
ورضاه، رغم كون أكثرهن اهتماما بجمالها وتحملا
لآلام سكر البنات هي الزوجة التي يخونها زوجها
مع إحدى فتيات صالون التجميل.
ولم يكن رمز سكر البنات مقتصرا على تصوير تلذذ
المرأة الشرقية بالكثير من قيودها ومسببات
آلامها، عندما كانت النسوة يتلذذن بتذوق السكر
رغم ما سيسببه لهن من آلام، ولكنه كان حاضرا
كذلك في مشهد تعاملهن مع أحد الرجال المتلصصين
على الصالون النسائي، ظنا منه أنه عالم وردي
يخلو من المصاعب، إذ استضفنه في الصالون
وبادرن لتنظيف وجهه في سكر البنات، حيث قاسى
الأمرّين من شدة إيلامه كإشارة لعدم احتمال
الرجال ما تحتمله النساء في سبيل الظهور
بالصورة المثلى. إضافة إلى رغبة البطلة إزالة
سائر مظاهر الرجولة التي يختبئ خلفها الرجل
الشرقي من شارب كث وحاجبين متصلين، كي تقبل به
حبيبا بعد أن يتحرر من كل هذه العوالق
الذكورية الشرقية.
ويُلاحظ أن لبكي، التي وظفت الموسيقى
التصويرية وقدراتها الإخراجية ببراعة تلامس
تلك الموجودة في الأفلام الهوليودية، قد غيبت
الرجل عن الأحداث، ما خلا من يتصل منهم بإحدى
قصص النساء في الفيلم، ومنهم حبيب البطلة الذي
بقي مجهول الملامح حتى نهاية الفيلم، بالإضافة
إلى شرطي المرور الذي يتلصص على صالون التجميل
والمسن الفرنسي الذي يرتاد المخيطة لتضيع منه
فرصة الحب الأخيرة عند المسنة روز، ليمشي
ببنطاله القصير بعد ضياع الحب، ما يرمز لعدم
إمكانية اكتمال حياة الرجل من غير وجود المرأة
إلى جانبه.
رجل آخر عرّجت عليه لبكي في فيلمها هو خطيب
الفتاة المسلمة الذي يحاول تبني دور البطل
لينال ما يناله من لكمات في مركز الأمن
لمعاندته الشرطي، وهو الرجل الشرقي المتزمت
الذي يسعى لإخفاء جميع ملامح أنوثة خطيبته
أمام أهله، في الوقت الذي لا يتوانى عن
تصرفاته الصبيانية معها.
ومن خلال هذه النماذج الرجالية التي استعرضتها
لبكي، والتي مزجتها بقالب من السخرية، حاولت
تصوير أن حياة المرأة قد تقوم بذاتها من دون
وجود الرجل، الذي غالبا لا يسبب وجوده غير
الآلام، بحسب "سكر بنات".
وتستعرض النماذج النسائية في "سكر بنات" قصصا
أنثوية بحتة من جهة، ومتذمرة من المجتمع
الشرقي من جهة أخرى، إذ إن إحداهن امرأة هجرها
زوجها لتعيش مع أبنائها المراهقين وسط مخاوفها
من سن اليأس الذي تترجمه بحرص مبالغ فيه على
مظهرها تلجأ جراءه لبرامج الإعلانات وبادّعاء
علني بأنها ما تزال تحيض، ما يدفعها لاستباق
الفتيات الصغيرات إلى دورة المياه كي تترك
آثارا على استمرارية حيضها وصغر عمرها.
سيدة متزوجة أخرى تسعى طوال وقتها لإرضاء
زوجها، فتتحاشى تغيير مظهرها بأي درجة مهما
صغرت إلا كما يريد هو، كما تتمحور حياتها حول
إسعاده والحفاظ عليه فيما هو على علاقة بإحدى
فتيات الصالون التي تلجأ هي الأخرى للتواري عن
أهلها وعن المجتمع كي تسعده، فيما هو يعيش
بوجهه المخلص في بيته والخائن مع عشيقته،
ولتتركه في نهاية المطاف وتقترن بالشرطي الذي
جردته من كل عوالق الذكورة الشرقية.
وإحدى نساء "سكر بنات" هي تلك التي تنتمي
لعائلة مسلمة والتي تخطب لشاب شرقي الطباع،
فيما كانت على علاقة بأحدهم قبله، ما يجعلها
تطرق باب إحدى العيادات النسائية.
وثمة أخرى لديها ميول شاذة غير أنها تصطدم
بقيود المجتمع الشرقي، تماما كما تلك التي
ترتاد الصالون وتملك ميولا مجارية لها، والتي
لا تستطيع حتى قص شعرها بسبب عدم رضا الأهل عن
تلك التسريحة، غير أن رمزا في نهاية الفيلم
يصور تحررها من هذا القيد فتقص شعرها الأنثوي
الغزير، لتغدو بعدها سعيدة للانطلاق نحو
العالم الذي تريد.
وفي حالة أخرى، شقيقتان تخطوان نحو الستين،
إحداهن مجنونة وتتوهم أن حبيبا لها يرسل لها
رسائل تلتقطها من تحت السيارات ومن قارعة
الطريق، فيما أختها تعمل خياطة وتضحي بفرصتها
الأخيرة في الحب انصياعاً منها لالتزامها
العائلي في رعاية أختها.
وفي "سكر بنات"، الذي يعد الفيلم الروائي
الأول لمخرجته نادين لبكي والذي عرض في إطار
تظاهرة خمسة عشر يوما للمخرجين في كان ليباع
لست وعشرين دولة بينها الولايات المتحدة وكندا
وأستراليا ونيوزلندا والبرازيل وكولومبيا
والإكوادور ودول أوروبية عدة، أبدعت كاميرا
لبكي في التقاط القصص النسائية ببراعة شعر
معها المشاهد بأنها تسللت لتلتقط صورا حية من
غير علم ممثلات العمل اللواتي كن على درجة
عالية من الواقعية حتى في مجادلاتهن وألفاظهن
النابية التي يستخدمنها في مجالسهن الخاصة،
ليحكن بدموع وشجون نسائية عربية قصة "سكر بنات".