شجون العيد الفلسطينية لم تطفئها سنوات الشتات التسع والخمسون

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

Dec 21, 2007


 تسعة وخمسون عيداً قضاها الفلسطينيون على دروب الشتات منذ أن حلت بهم نكبة عام 1948م، والتي تلتها نكبة 1967م، لتتخلل النكبات فصول ألم صاغتها المجازر والإجلاءات والعذابات اليومية المعاشة لفلسطينيي الداخل، توازيها هواجس الحنين ولواعج البعد لفلسطينيي المنفى.

"كان عيد حلو برغم كل ألم فلسطين اللي صار بـ الـ 48"، بهذه الكلمات يصف الخمسيني أبو جواد عيد قريته القدسية "الوادعة" أبو ديس، مضيفاً "برغم كل البؤس المعاش حينها، والذي اقترفته أيدي الصهاينة بعد الـ 48 لحمل الفلسطينيين على الركوع تحت سياسة التجويع كي يمهدوا لنكبة الـ 67، إلا أنه كان عيداً بسيطاً وسعيداً بذات الوقت على أرض قريتنا".

وعن عيده هناك، عندما كان لا يزال يافعاً، يقول "كنا كأطفال نحرز شيئاً من العيديات التي لم تكن تتجاوز بضعة قروش، كنا نهرع بها للدكان كي نشتري الملبّس الذي كان ولحم الأضحية الشحيح عنوانيّ العيد بالنسبة لنا، إذ كانت الضوائق المادية في أشدها بعد سنوات الاستعمار والاحتلال التي أثقلت كاهل المعيشة على القرى بالدرجة الأولى".

ويردف أبو جواد "كنا نمرح في البرية، نصنع مراجيح بين جذوع الأشجار، نصطاد طيوراً، نتسابق بطائراتنا الورقية"، معقباً "كان عيداً بريئاً وسعيداً".

وتتحدث والدة أبو جواد السبعينية عن تلك الأيام قائلة "كانوا نسوان البلد يتجمعوا ليلة العيد عشان يعملوا زلابية، ما كان حدا يقدر يعمل معمول بسبب الفقر، وكنا نسري من الصبح بصواني الزلابية ودلال القهوة على القبور لحد ما الرجال يخلصوا صلاة، وكان أهل القرية رجال ونسوان يتجمعوا كلهم ويسلموا عبعض هناك".

وتزيد "وبعد القبور كان عدد بسيط من رجال القرية يقدروا يذبحوا أضحيات، وبعدها كانوا يأدوا صلة الرحم".

ويميز أبو جواد بين عيد القرية والمدينة في ذلك الحين، إذ يقول "على الرغم من كون مظاهر البؤس كانت تخيم على أرجاء فلسطين كافة قبيل نكبة الـ 67، تمهيداً لها، إلا أن مدناً كبيرة كالقدس كانت تزدان في الأعياد الدينية كافة، فكانت باحات الأقصى تلج بتكبيرات المصلين صبيحة العيد، كما كانت كثير من بيوت القدس تزدان بزينة عيد الميلاد المجيد، وكان التآخي الديني عنوان أعياد فلسطين بكافة طوائفها الدينية"، موضحاً "لم يكن يقتصر ذلك التآخي على تبادل التهاني والحلويات بين أتباع الديانات، بل كان يصل إلى درجة التلاحم التام طوال فعاليات نهارات العيد".

ويستذكر أبو جواد أحزانه "الدفينة" في أعياده التي قضاها في بلاد الشتات، إذ يقول "لطالما كَبَحَت ذكريات فلسطين وظروفها السياسية المعقدة فرحة العيد في نفسي، إذ جبت العالم ورأيت أجمل بلدانه، غير أن حنيناً وحزناً عميقاً لايزال يلاحقني حتى الآن مهما شغلتني دوامة الحياة اليومية"، معقباً "كيف يطيب لي العيد بينما سماء فلسطين تضاء بالقنابل في ليالي العيد؟ وكيف يطيب لي بينما نساء فلسطين يتلقين جثث الشهداء عيدية لهن في صباحات العيد؟".

وتقول فاطمة السقا(39 عاماً) "لولا أني أنظر إلى العيد نظرة دينية بحتة لامتنعت عن أي مظهر احتفالي في العيد وأي مناسبة احتفالية أخرى، قلبي لا يطاوعني على عيش الفرح بينما أهلنا هناك يقاسون العذاب"، واصفة مشاعرها عند الفرح بـ "تأنيب الضمير، لاسيما عندما ينشط جيش الاحتلال الإسرائيلي في التنكيل بالفلسطينيين في غمرة انشغال الشعوب والطوائف بأعيادها، كما أن الضوائق المادية التي تخنق شعبنا هناك تكاد تحرمني لذة حلويات العيد وبهجته العائلية".

ويقول محمد خياط(35 عاماً) "على الرغم من كوني لم أر فلسطين، وعلى الرغم من كون أهلي ممن جلوا في أعقاب نكبة الـ 48، إلا أن مشاعر حزن وألم تعتريني كلما تذكرت للحظات ما يعيشه أهالينا هناك"، مستدركاً "لماذا لسنا كباقي شعوب الأرض؟ لماذا قدرنا أن نعيش في الحزن حتى في أعيادنا؟"، مضيفاً "فرحتنا مبتورة دوماً".

ويصف مشاعره بينما يشتري لأبنائه ألعاب العيد، قائلاً "ثمة دموع تغالبني كلما تذكرت أن أطفال فلسطين يلعبون بالحجارة بدلاً من الألعاب كباقي أطفال العالم، وكيف أنهم يمضون عيداً مع والدهم ليمضوا التالي من أعيادهم بدونه بعد استشهاده"، مردفاً "وتزداد آلامي عندما يصف لي المقربون هناك كيف تمنع الحواجز والمحاسيم الإسرائيلية تواصل كثير من العائلات الفلسطينية في العيد، وكيف أن سرادق الشهداء التي يقيمها أهاليهم قد غدت مضافة العيد الفلسطيني".

ويستطرد قائلاً "أحاول في لحظات تناسي الآلام السياسية كافة كي أشعر بشيء من جمال اللحظة، غير أن هذه الأحزان لا تلبث أن تحاصرني لأردد في كل عيد: عيد بأي حال عدت يا عيد.. لما مضى أم لأمر فيك تجديد..".
 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com