سياسيون ومثقفون: اخلال موازين القوى لمصلحة العدو لا يلغي الحق التاريخي الأبدي في فلسطين

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

Nov 08, 2007


في الذكرى التسعين لوعد بلفور
 
في مثل هذا اليوم من عام1917م كتب وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى المليونير اليهودي المعروف ليونيل روتشيلد "عزيزي اللورد روتشيلد،يسرّني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية،وقد عرض على الوزارة وأقرته:إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين،وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية،على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين،ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى. وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علما بهذا التصريح.المخلص آرثر بلفور".
وكانت صحيفة مانشستر جارديان قد كتبت عام1916م "كانت بلاد ما بين النهرين مهد الشعب اليهودي ومكان منفاه والمكان الذي جاء منه موسى مؤسس الدولة اليهودية، وإذا ما انتهت هذه الحرب(الحرب العالمية الأولى) بالقضاء على الامبراطورية التركية في بلاد ما بين النهرين وأدت الحاجة إلى إنشاء جبهة دفاعية في مصر إلى تأسيس دولة يهودية في فلسطين،فسيكون القدر حينها قد دار دورة كاملة".
وتابع رئيس التحرير تشارلز سكوت مقاله،قائلاً "ليس لفلسطين في الواقع وجود قومي أو جغرافي مستقل إلا ما كان لها من تاريخ اليهود القديم الذي اختفى مع استقلالهم،إنها روح الماضي التي لم تستطع ألف عام أن تدفنها،والتي يمكن أن يكون لها وجود فعلي من خلال اليهود فقط.لقد كانت فلسطين هي الأرض المقدسة للمسيحيين، أما بالنسبة لغيرهم فإنها تعد تابعة لمصر أو سورية أو الجزيرة العربية،ولكنها تعد وطنا قائما بذاته بالنسبة لليهود فقط".
وكانت اللجنة الملكية البريطانية لهجرة الغرباء قد تشكلت عام1902م، واستُدعي ثيودر هرتزل إلى لندن للإدلاء بشهادته أمامها،ليقول "لا شيء يحل المشكلة التي دعيت اللجنة لبحثها وتقديم الرأي بشأنها سوى تحويل تيار الهجرة الذي سيستمر بقوة من أوروبا الشرقية، إن يهود أوروبا الشرقية لا يستطيعون البقاء حيث هم، فأين يذهبون؟ إذا كنتم ترون أن بقاءهم في بريطانيا غير مرغوب فيه، فلا بد من إيجاد مكان آخر يهاجرون إليه دون أن تثير هجرتهم المشاكل التي تواجههم هنا، لن تبرز هذه المشاكل إذا وجد لهم وطن يتم الاعتراف به قانونيا كوطن يهودي".
وطفت على السطح منذ ذلك الحين نظريات عدة حول دوافع بريطانيا لإصدار وعد بلفور، ومن إحدى هذه النظريات تلك التي تتحدث عن الباحث اليهودي حاييم وايزمان الذي اكتشف الأسيتون الاصطناعي أثناء الحرب العالمية الثانية،والذي سأله رئيس الوزاء البريطاني لويد جورج عن المكافأة التي يريدها،ليجيبه "اصنع شيئا لشعبي"، ليتأثر البريطانيون وليصدروا هذا الوعد بعد هذه الحادثة.
كما أن صاحب الوعد ذاته،بلفور،كان قد عزا وعده إلى تعرض اليهود في أوروبا إلى التعذيب والاضطهاد، لذا كان الوعد نوعاً من تكفير الأوروبيين عن ذنبهم.
غير أن العامل المرجح بقوة، وفقاً لمصادر تاريخية عدة، هو المصلحة الإمبريالية البريطانية، التي كانت تسعى لمد نفوذها وزرع حليف لها في المنطقة العربية.
وهذا ما تؤكده بعض الصحف البريطانية الصادرة في تلك الحقبة، فتحت عنوان "سياسة بريطانيا في فلسطين- ضرورة عبرية بريطانية" كتبت ساندي كرونيكل "لا يوجد جنس آخر في العالم كله يستطيع أن يقوم بهذه الخدمات لنا غير اليهود أنفسهم".
كما كتبت صحيفة "ايفننج ستاندر" في أحد أعدادها الصادرة في تلك الفترة "لقد أوضحت المصالح البريطانية منذ وقت طويل ضرورة قيام دولة حاجزة بين مصر وحكومة تركية المعادية،والصهيونية تزودنا بالحل".
وكان اليهودي ماكس نورد قد قال في خطاب ألقاه في ألبرت هول عام1919م بحضور لويد جورج وآرثر بلفور "نعرف أيها السادة ما تتوقعونه منا، تريدون أن نكون حرس قناة السويس،علينا أن نكون حراس طريقكم إلى الهند عبر الشرق الأدنى. نحن على استعداد للقيام بهذه الخدمة العسكرية، ولكن من الضروري تمكيننا من أن نصبح قوة حتى نقدر على القيام بهذه المهمة".
كان ذلك نبذة مقتبضة عن وعد بلفور ودوافعه،فأين يقف الشعب الفلسطيني بقطاعاته المختلفة:النضالية والسياسية والأدبية والفنية والشبابية من هذا الوعد وتداعياته على مدى التسعة عقود الماضية؟
التاريخ النضالي يتحدث
يتتبع أحد أعلام الجهاد المقدس في فلسطين وثورة عام1936م، التي قادها الشهيد عبدالقادر الحسيني،السيد بهجت أبو غربية وعد بلفور تاريخياً،وما أفرزه من تبعات لا زال الشعب الفلسطيني يعيشها حتى الآن، قائلا "كان القرن الـ19 قرن التنافس بين الدول الغربية وخصوصا بريطانيا وفرنسا للاستيلاء على المستعمرات،ومنها تركة الدولة العثمانية التي كانت تحكم المشرق،والتي لقبت حينها بالرجل المريض".
ويزيد أبو غربية "وبعد فشل حملة نابليون بونابارت على مصر وسورية،بدأت بريطانيا مساعيها لاستعمار المشرق العربي،فأنشأت أول قنصلية لها في القدس عام1842م،وأعلنت أن هدفها هو حماية اليهود في فلسطين، على الرغم من كون الكاتب اليهودي أوري أفنيري كان قد أكد في كتاباته بأن اليهود الذين لم يكن عددهم يزيد على5000 شخص لم يكونوا يحتاجون لأية حماية في ذلك الوقت".
ويردف أبو غربية "كما دأبت بريطانيا وغيرها من الدول الاستعمارية مثل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية على إرسال بعثات للتنقيب عن آثار الكتاب المقدس الذي يحتوي حسب زعمهم على تاريخ اليهود القديم المزعوم في فلسطين،وذلك لتذكير اليهود في العالم بأن لدولتهم القديمة آثارا في فلسطين تدعوهم إلى العودة".
وبحسب أبو غربية، فإن جميع ذلك قد تم لـ"دوافع استعمارية،إذ كان لبريطانيا دافعان: الأول يتعلق بقناة السويس التي تعد ممرا هاما على طريق التجارة الغربية إلى الهند،والثاني يتعلق بموقع المشرق العربي الجغرافي وسط قارات العالم القديم".
وكانت النتيجة، وفقا لأبو غربية، هي "تنامي اهتمام اليهود بفلسطين، ليعقد مؤتمر بال برئاسة هرتزل عام1989م والذي وضع الخطة الصهيونية لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين بالتعاون مع الدول الاستعمارية".
ويرى أبو غربية أن الحرب العالمية الأولى "جاءت فرصة مواتية للحركة الصهيونية وبريطانيا لتنفيذ أهدافهما المشتركة في فلسطين"، مضيفا "ومن هذا المنطلق الاستعماري الصهيوني صدر وعد بلفور في الثاني من نوفمبر عام 1917م".
ويردف أبو غربية "من المعروف أن بريطانيا وحلفاءها انتصروا في الحرب العالمية الأولى على ألمانيا والدولة العثمانية،وتمكن الإنجليز من احتلال فلسطين،ومنذ اليوم الأول لاحتلالهم بدأ نشاطهم مع الحركة الصهيونية لتنفيذ وعد بلفور".
ونتيجة لذلك،بحسب أبو غربية،"أصدرت جمعية الأمم المتحدة في جنيف صك الانتداب على فلسطين عام1922م، والذي تنص المادة الثانية منه على أن واجب الدولة المنتدبة(فلسطين) أن توضع في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية تساعد على إنشاء الوطن القومي عليها، وكان ذلك يعني أن وعد بلفور أصبح مقرا ومدعوما من 22 دولة مشاركة في عصبة الأمم، ومع أن الولايات المتحدة لم تكن عضوا حينها، إلا أنها أصدرت بيانا وافقت فيه على صك الانتداب".
ويشير أبو غربية إلى أن بريطانيا بعد ذلك"عينت هربرت صموئيل اليهودي كأول مندوب سامي على فلسطين،والذي استهل عمله بعقد اجتماع كبير في القدس للعرب واليهود معلنا فيه أن مهمته الأساسية هي تنفيذ وعد بلفور وإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين".
ويعقب أبو غربية "وبدأت بريطانيا فورا نشاطها في هذا الاتجاه،إذ باتت تشجع الهجرة اليهودية لفلسطين،كما نقلت نسبة كبيرة من أملاك الدولة للصهاينة،وشكلت الوكالة اليهودية كنواة للدولة الصهيونية،لتستمر في كل ذلك طوال فترة الانتداب بتصميم لا رجعة فيه على إقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين".
وإزاء كل ذلك، يقول أبو غربية "رفض شعبنا وقيادته الوطنية الانتداب البريطاني على فلسطين ووعد بلفور،وبدؤوا بمقاومته منذ اليوم الأول للاحتلال البريطاني"، مردفا"وطيلة عهد الانتداب خاض الشعب الفلسطيني نضالات ومعارك للحيلولة دون تنفيذ ذلك الوعد، إلا أن بريطانيا كانت حينها أقوى دولة في العالم بالإضافة إلى الحركة الصهيونية المدعومة عالميا، ما جعل كفة القوة ترجح لصالحهم وليس لصالح الشعب الفلسطيني".
وعلى الرغم مما قامت به بريطانيا من مساعدة اليهود ودعمهم وتسهيل كل ما يلزم لإقامة الدولة اليهودية وضرب أية حركة مقاومة فلسطينية،وفقا لأبو غربية، فقد كادت ثورة الشعب الفلسطيني عام1936م حتى عام 1939م أن تؤتي أكلها وأن تسقط وعد بلفور.
ويستشهد أبو غربية بقرار بريطانيا الذي صدر عام1937م والذي يقضي بتقسيم فلسطين وإقامة الدولة اليهودية على أكثر من نصف مساحة الأرض،والذي كاد أن ينتقض مع اشتداد ثورة عام 1938م التي أدت إلى إرسال بريطانيا لجنة أخرى إلى فلسطين والتي أصدرت تقريرا أدى إلى عدول بريطانيا عن قرار التقسيم لعام1937م.
وبحسب أبو غربية،فقد ورد في التقرير التعليل البريطاني للعدول وهو "رفض العرب لمشروع التقسيم ومقاومتهم له".
ويعلق أبو غربية على ذلك قائلا "وبذلك استطاع شعبنا تأخير قيام الدولة عشر سنوات،عدا عن إصدار بريطانيا عام 1939م الكتاب الأبيض الذي قررت فيه وقف الهجرة اليهودية على الرغم من كونها عدلت عنه فيما بعد".
ويستطرد أبو غربية "وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام1945م بانتصار الحلفاء، نقلت الحركة الصهيونية مركز ثقلها من بريطانيا إلى الولايات المتحدة التي استخدمت كافة نفوذها لإصدار قرار التقسيم الثاني بتاريخ 29/11/1947م". ويستدرك أبو غربية "وحتى في هذه المرحلة أيضا كادت مقاومة الشعب الفلسطيني أن تسقط قرار التقسيم الثاني، حتى أن ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة السيناتور وارن أوستن كان قد أعلن في 19/3/1948م أن حكومته لم تعد متمسكة بقرار التقسيم الصادر عام1947م، كما اقترح بأن توضع فلسطين تحت وصاية الأمم المتحدة المؤقتة، وأيدت هذا القرار كل من بريطانيا وفرنسا والصين، إلا أن النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة حملها فيما بعد على سحب هذا القرار".
ويرى أبو غربية أن القرار الأميركي الذي أعلنه أوستن كان نتيجة منطقية في ظل المقاومة الفلسطينية القوية،على الرغم من ظروفها الصعبة في ظل ضغط بريطانيا على الشعوب العربية لمنع أية مساعدات للفلسطينيين، وعلى الرغم من كون الولايات المتحدة زودت اليهود بإمكانيات هائلة من السلاح والعتاد والمتطوعين.
ويخلص أبو غربية إلى أن "الشعب الفلسطيني لم يقصر في أية مرحلة نضالية من تاريخه، غير أن ميزان القوى رجح لغير صالحه على الرغم من المحاولات كافة".
البطولة النسائية الفدائية
تشترك المناضلة الفلسطينية ليلى خالد مع أبو غربية في أن وعد بلفور "جاء في زمن كانت فيه موازين القوى مختلة لصالح العدو الصهيوني على الرغم من محاولات الشعب الفلسطيني كلها لإيقاف الوعد".
وتردف خالد "وفي أثناء ذلك كانت معظم الدول العربية تحت الاستعمار البريطاني ما يعني أنه ليس لها كلمة مسموعة في تلك الظروف، غير أن الشعب تظاهر بوعيه الفطري الأقوى حينها من وعيه السياسي ليشكل حركة شعبية استمرت لسنوات وكان أشهرها ثورة عام 1936م".
وتزيد خالد "توالت الاحتجاجات حتى جاءت نكبة 1948م التي سطرت فصول المأساة الفلسطينية حتى الآن، إذ وجد الشعب الفلسطيني ذاته بعد كل ذلك وحتى الآن محاصرا بمحيط عالمي قوي رسمي معاد له".
وتؤكد خالد على أن نضال الشعب الفلسطيني لم ولن يتوقف يوما،مردفة"كما لم ولن تتحقق نبوءة بن غوريون التي قال فيها عن الفلسطينيين بأن كبارهم سيموتون وصغارهم سينسون، كما ستظل عبارة جولدا مائير شاهدة على مأساة هذا الشعب، إذ كانت تقول أشعر بالانزعاج كلما سمعت أن طفلا فلسطينيا قد ولد".
وتشير خالد إلى أن بريطانيا "مسؤولة بشكل كامل عن مأساة الشعب الفلسطيني"، داعية إلى "محاكمة لها لكونها الدولة التي انتدبت فلسطين وأعطت الوعد"،مضيفة في هذا السياق "علينا أن نتوجه إلى المحاكم البريطانية وأن يبرز كل منا قوشان أرضه التي حرمه إياها البريطانيون، كما أدعو منظمة التحرير إلى طلب عقد جلسة في الأمم المتحدة حول قانونية وعد بلفور،ومطالبة البريطانيين بالتعويض لأن القانون البريطاني يحمل الحكومة الممسكة بزمام الحكم مسؤولية ما اقترفته الحكومات السابقة".
وتؤكد خالد أن هذه الدعوات "باتت تلقى أذنا صاغيا،إذ قاطع الأكاديميون البريطانيون الأكاديميين الإسرائيليين،كما تشكلت لجان بريطانية عدة من أهمها لجنة أصدقاء فلسطين التي ناقشت قانونية هذا الوعد، عازية ذلك إلى أن الشعوب تتحسس معاناة الشعوب الأخرى".
وترى خالد أن من الأولويات حاليا أن "تتآخى الفصائل الفلسطينية جميعها، وأن تستجيب لحكم العقل والمصلحة الوطنية،وأن تحتكم حماس وفتح لوثيقة الوفاق واتفاق القاهرة، لأن لدى الشعب الفلسطيني ما يكفيه من القضايا كقضية الأسرى والشهداء وذويهم والجدار وحق العودة وتهويد القدس والمحاسيم الإسرائيلية".
وتزيد خالد "كما ندعو لتشكيل تيار ديمقراطي وطني،وندعو أيضا إلى إعادة بناء منظمة التحرير التي سيشكل بناؤها إعادة الوحدة للشعب الفلسطيني على أساس مقاومة المحتل وليس مفاوضته".
وعن المرأة الفلسطينية تقول خالد "المرأة الفلسطينية حساسة جدا، ولديها قدرة هائلة على الصبر والصمود الذي تبثه في جميع أفراد أسرتها،إذ إن هذه المرأة هي من تقبع في مخيمات اللجوء رافضة الخروج منها كي تبقى ممسكة بهويتها،وهي من رعت العائلة بعد استشهاد الزوج أو أسره،وهي من انهدم فوقها مخيم جنين وبقيت رابضة فيه،وهي السبعينية التي تحتضن الزيتونة وتقول للإسرائيلي: إذا ما كنت مصمما على اقتلاع الزيتونة فاجتثني معها، وهي من فكت حصار بيت حانون واستشهدت بعدها".
وتؤكد خالد على ضوء تجربتها النضالية أن "من يؤمن بمبدأ ما، لابد وأن يستميت في الدفاع عنه وإن ألمت به لحظات ضعف أو إحباط أو حزن"،مستذكرة بعض اللحظات التي بثت فيها الحزن والإحباط من غير أن تثني عزيمتها،ومنها استشهاد غسان كنفاني ووديع حداد وأبو علي مصطفى،واستشهاد أختها وخطيبها في منزلها قبل يوم من زفافهما، ويوم سقوط تل الزعتر، ويوم توقيع اتفاق أوسلو الذي وصفته بـ"كان التلفاز يومها يقطر دماً"، وأخيراً وليس آخراً الاقتتال الفلسطيني الداخلي.
الإرهاصات السياسية
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ورئيس مؤسسة فلسطين الدولية الدكتور أسعد عبدالرحمن على أن قيادات الشعب الفلسطيني قد "بذلت جهودا تتناسب وقدراتها المتباينة طوال العقود التسعة الماضية،غير أن العجز النسبي في قدرات هذه القيادات(مقرونا بالقدرات الهائلة للحركتين اليهودية والصهيونية العالمية)أسهم في فشل إيقاف وعد بلفور".
ويردف عبدالرحمن "والدور الذي لعبته تلك القيادات اشتمل على مختلف أنواع المقاومة السياسية والإعلامية والكفاح المسلح، غير أن موازين القوى لطالما كانت ترجح لصالح التحالف الصهيوني اليهودي مع قوى الاستعمار ولاحقا مع الإمبريالية طوال العقود التسعة الماضية".
ويشير عبدالرحمن إلى أن"غياب النظام الرسمي العربي وكذلك الإسلامي عن أداء الدور القومي والإسلامي المناط به في مكافحة هذا الوعد وغيره من الوعود والمخططات،كان له دور كبير في فشل المقاومة الفلسطينية لإيقاف هذا الوعد وغيره".
ويرى عبدالرحمن أن من أكثر القضايا جدلية هي تلك المتعلقة بالقيادات الفلسطينية وتفويتها، بحسب بعض الأوساط العالمية،فرصا للسلام،إذ يقول "كثيرا ما رددت إسرائيل ولا تزال المقولة الساخرة: الفلسطينيون لم يفوتوا فرصة لتفويت الفرص لاغتنام فرص السلام، إلا أن الرد على ذلك له شقان، الأول أن القيادات الفلسطينية لم تدرك موازين القوى على نحو موضوعي في بعض المراحل(وأميز هنا بين الواقعية الموضوعية والواقعية المتهافته)،وأنها اكتفت فقط بضجيج الشعارات الكبيرة التي لم تراع إمكانياتنا الحقيقية،إذ إن فجوة كبيرة قد حصلت بين إمكانياتنا ورغباتنا، ما أدى لوبال عانته الكثير من الأمم التي مرت بظروف مشابهة".
ويردف "أما الشق الثاني فيرتبط بحقيقة أن ما كان يعرض علينا دوما محجف وفادح في ظلمه، بما لا يسمح لأي قيادة غير متهافته بقبوله".
وبحسب عبدالرحمن، "لست متأكدا من أن الخيار العسكري الفلسطيني والعربي والإسلامي قد تم إلغاؤه إلى الأبد،بل إن هذا الخيار مغيب حاليا بفضل رجحان الميزان الاستراتيجي والعسكري لصالح التحالف الصهيوني اليهودي الغربي الإمبريالي،وأيضا نتيجة التقاعس العربي الإسلامي،ومن ناحية أخرى فلست متأكدا أيضا من أن جميع مساعي السلام قد وصلت إلى طريق مسدود،فمساعي السلام متنوعة وإذا كان المقصود هو السلام الدائم والعادل فإنني أرى بأن هذا النوع وصل فعلا إلى طريق مسدود،أما إذا كان سلاما لأجل تسوية أقل ظلما من الواقع الراهن فإن هذا النوع قائم،وعليه يجدر بالمفاوض الفلسطيني أن يكون حذرا حاليا أكثر من أي وقت مضى وخصوصا فيما يتعلق بالمبادرة الأخيرة المتمثلة بمؤتمر الخريف".
جبهة الأدب الدفاعية
يقول الشاعر الفلسطيني سميح القاسم في بلفور:
أما أنت يا بريطافور فلن نغفر لك
بريطافور أيها الديناصور القاتل لن نغفر لك
دمنا لن يجف
فرح دهورك تزلزلهم لحظة من حزننا
وما أشد شماتتنا بك يا بريطافور
أيها الديناصور الغارب مع إمبراطوريتك الغاربة
ويستذكر واحدا من أبيات الشعر الفلسطينية التي قال فيها إسكندر الخولي البيتجالي: يا ورد ما لومي عليك فأنت أصل الفاجعة  أو همتم الأعداء أنّا أمة متقاطعة، والتي قالها بمناسبة وضع حجر الأساس للجامعة العربية بحضور بلفور.
وعن الشعر الفلسطيني يقول القاسم "تنبه الشاعر الفلسطيني إلى النكبة قبل وقوعها بسنوات عديدة، واستمر هذا الإحساس حتى في حواره مع مثقفي وشعراء الوطن العربي".
ويسوق القاسم مثالا على بيت الشعر الذي قاله الشاعر العراقي معروف الرصافي، عندما زار القدس ومنزل رئيس بلدية القدس،وبوجود هربرت صموئيل في المجلس حينها، إذ قال: "لدى محفل في القدس بالناس حافل
تبوأه هربرت صموئيل في الصدر
فيا ليلة كادت وقد جل قدرها
تكون على علاتها ليلة القدر"
ليرد عليه الشاعر الفلسطيني سليمان التاجر الفاروقي قائلا:
"أجل عابر الأردن كان ابن عمنا ولكنّا نرتاب في عابر البحر"، وهو ما يراه سميح القاسم
"وعي فلسطيني لخطورة الهجرة اليهودية المتزايدة،وسط جهل عربي بحقيقية الدوافع البريطانية لوجود هربرت صموئيل".
ويشترك الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله مع القاسم في أن الأدب الفلسطيني "لطالما كان ولا يزال حاضرا للدفاع والنضال"، مردفا"لا يستطيع المرء أن يجمّل الصورة القاتمة السائدة حالياً على المستوى السياسي، فالجهل الكبير الذي يتمتع به السياسيون الجدد الذين يتحكمون بمصائر الشعب الفلسطيني واضح،بخلاف ما كان سائدا في الستينيات مثلا،إذ كان السياسي مثقفا،ما جعل القيادات الفلسطينية والشعب الفلسطيني يشكلون ثقافة فاعلة تحت أقسى الظروف،لتساهم هذ الثقافة في بلورة الهوية الفلسطينية كما لم يبلورها أي جانب آخر".
ويستشهد نصر الله بروايته الأخيرة "زمن الخيول البيضاء"،والتي ساق فيها وصية البطل "أنا لا أقاتل كي أنتصر، بل كي لا يضيع حقي، فلم يحدث أبدا أن ظلت أمة منتصرة إلى الأبد. لست خائفا من أن ينتصروا مرة وننهزم مرة،أو أن ينهزموا مرة وننتصر مرة، أنا أخاف شيئا واحدا هو أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر للأبد لا يمكن أن ينهض ثانية، قل لهم احرصوا على ألا تهزموا إلى الأبد".
نضال التراث والفن
يعبر رئيس جمعية الحنّونة للثقافة الشعبية الفلسطينية الدكتور موسى صالح عن إيمانه بجبهة النضال التراثية والفنية قائلا:"فلسطين أرض وناس وذاكرة، لذا فالاحتلال الصهيوني جعل من أحد أهم أهدافه اقتلاع السكان وتزوير تاريخهم ونسبته إلى ذاته،وإلغاء الذاكرة الجمعية للسكان الأصليين من خلال انتحالها".
ويرى صالح أن الذاكرة أو الثقافة الشعبية "مفهوم واسع يشمل الملحمة التاريخية والأسطورة والتراث الديني والحكايات والأمثال واللهجات والرقصات والطقوس الاجتماعية التي تشكل في مجملها حاضنا للهوية".
وعن أبرز الصعوبات التي واجهت مشروع حراسة الذاكرة الفلسطينية الذي تبنته الحنّونة، يقول صالح"جمع المادة كان من أبرز هذه التحديات،وخصوصا أن جمعها كان من كبار السن الذين شتتهم النكبة في بقاع عدة،بالإضافة إلى الرجوع إلى مصادر مكتوبة وأرشفة ذلك وترجمته إلى عروض تراثية".
ويردف صالح"مسألة أخرى تتمثل في تداخل التراث الشعبي بين الدول العربية،فعلى سبيل المثال ما وجدناه يغنى في حارات غزة هو نفس ما كان يغنى في حارات اللاذقية، وما يرقصه أهالي بئر السبع في فلسطين هو نفس ما يرقصه أهالي الكرك،ما يرسخ قيمة تمازج التراث العربي،وما يؤكد أن هذا التراث عربي خالص وليس للإسرائيليين علاقة به".
ويعدد صالح العناصر اللازمة لحفظ وتقديم أي تراث ومنها "الرغبة والإيمان والقدرة التنفيذية والمادية،وهو ما شكل تحديا لفرقة الحنونة التي صممت منذ بدايتها على حراسة الذاكرة الفلسطينية كنوع من أنواع النضال الفلسطيني ضد الاحتلال".
ويزيد صالح "أمام الفلسفة الإسرائيلية التي تقتضي اجتثاث الشعب وجذوره وتهويد تراثه، لابد وأن تبقى محاولات حفظ هذا التراث وتمريره للأجيال القادمة والتركيز على عنصر الوحدة فيه،قائما من غير تهاون أو استسلام للصعوبات".
جذوة الشباب التي لا تنطفئ
يقول إيهاب خالد(32 عاماً) "نحاول أن نثبت حاضرنا باسترجاع ماضينا،فنحن وإن لم نخرج من هناك على أقدامنا إلا أننا ولدنا خارج حدود الخارطة التي بقيت حاضرة مع أهلنا في منافيهم،فنقلوها لنا قصة،أغنية،قصيدة،هوية،مأساة،وحق عودة لقرى لا زالت قائمة وإن هدمت".
ويردف خالد "كان دور العائلة بالغ الأهمية في تنمية وعينا كأطفال في ذلك الحين،إذ أدركنا منذ الصغر مفردات النكبة واللجوء والمخيمات وكرت المؤن ووكالة الغوث،وإن لم نعشها، إلا أنهم نقلوها لنا وغرسوها في نفوسنا كي لا ننسى يوما ما قضيتنا".
ويرى خالد أن الجيل الحالي من الشباب،وبعد90 عاما على وعد بلفور و60 عاما على النكبة، وإن كان على درجة أقل من الوعي من سابقيه"إلا انه لا يزال يحتفظ بهاجس فلسطين وإن لم ير أرضها"، عازيا التباين في اهتمامات الأجيال إلى"التربية ودور الأسرة بالدرجة الأولى،ومن ثم التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها منطقتنا خلال العقدين الماضيين".
ويضيف خالد "لم تكن فلسطين خالية من أهلها وإن تشردوا وهجّروا قسرا،وهذا ما تفاجأ به العالم في الانتقاضة الأولى عام1987م، إذ دار تساؤل عالمي في حينها مفاده: أين كان هؤلاء؟، إذ إن كل محاولات القمع والتهجير والاضطهاد التي كان ولا يزال يمارسها العدو الإسرائيلي لم تجد نفعا في محاولة تذويب هذا الشعب".
ويرى خالد أن هذا الشعب مزيج من "ذاكرة وحكايات وتراث وتاريخ سياسي وديني واجتماعي مارسه أهله على أرضهم، ولا بد من صون كل ذلك حتى يدور الزمان دورته الكاملة ليعود أهالي الأرض الأصلاء لممارسة كل ذلك على أرضهم المحررة".
من جهته، يشير الشاب بشار دعاس(27 عاما) إلى أن القضية "تحتل جزءا كبيرا من تفكيره منذ الطفولة شأنه في ذلك شأن معظم الشباب الفلسطيني،وهذا ما جعله يشعر بالمسؤولية منذ صغره،بدءا من الحفاظ على تراث بلاده وعاداتها وانتهاء بالمبادئ السياسية".
ويرى دعاس أن "موجات التغريب بالإضافة إلى محاولات طمس ملامح القضية تبعد كثيرا من الشباب عن قضيتهم"، غير أنه يستدرك قائلا "ولكن وعلى الرغم من كل ذلك، فالإيمان بعنصر الشباب لا يخفت، إذ إنهم عناصر التغيير منذ فجر التاريخ، مرورا بالثورة البلشفية والصينية وأخيرا وليس آخرا بالقضية الفلسطينية".
ويشير أنس السيد (24 عاما) إلى أن الضوابط على الرأي "تنبع من ذات الشخص قبل أن يفرضها أي أحد، فإذا ما كان الشخص ينظر بخجل إلى عواطفه ومبادئه الوطنية فلن يعبر عنها ويترجمها ولو تيسرت له جميع الفرص".
ويرى السيد أن مستقبل قضيتنا "مجهول من حيث المنحى السياسي، غير أن المنحى الشبابي لا يزال يبشر بالخير إن تنبه الشباب الفلسطيني خصوصا والعربي والمسلم عموما إلى مساعي التغريب والتذويب".
ويقسم السيد شباب فلسطين والمؤمنين بقضيتها إلى قسمين:"شباب الخارج الذي يجدر بهم إحياء القضية والتراث والعمل على ربط ذاتهم بالقضية مهما بعدت بهم سبل الشتات، وشباب الداخل الفلسطيني الحري بهم الوحدة وتجاوز الخلافات التي تشق الصف الفلسطيني الذي يمر في مرحلة حرجة".
وترى بيسان صالح (26 عاماً) أن للإعلام دورا كبيرا في صرف نظر الشباب عن قضيتهم، إذ إن هذا الإعلام "يسعى لترسيخ الأنماط الاستهلاكية في حياة الشباب،بالإضافة إلى تكثيف النواحي الفنية التافهة على حساب المواضيع والقضايا الجادة".
وتترنم بيسان بأبيات شعر فلسطينية تستذكرها كثيرا:
"حالة عشق لا تتكرر يا عبدالله فلسطين
إن قدمت لهم ماء سألوك بحب إن ذقت مياه فلسطين
وإن أكلوا سموا بالله وحب فلسطين
وإن قُتلوا تحت الأرض يعودون إلى حضن فلسطين
وإن جاؤوا باب الجنة لقوا الله بأيد فيها قبضة طين منها
يتمنوا أن يستبدلوا جنته يا عبدالله بهذا الطين".

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net