هل نحن متجهون للحكم العسكرتاري
القمعي؟
هل نسينا أننا ما نزال تحت
الاحتلال العسكري الصهيوني!
شعبنا له أنفة وكبرياء ولا يقبل
الضيم
كنت قد كتبت مقالا
مطولا تحت عنوان "التنوير في الرد على بيان حزب
التحرير" في 14/2/2007م ، حيث أن الحزب كان قد
أصدر بيانا في 9/2 ينتقد فيه اتفاق مكة،فكتبت
منتقدا للحزب بشدة وقسوة؛فموقف حزب التحرير واضح
تماما مما يجري على الساحة،وبغض النظر عن اختلافنا
أو اتفاقنا مع بعض أو كل ما يصدر عن الحزب من رؤى
ومواقف إلا أنه من الواجب أن يتاح لحزب التحرير
ولغيره فرصة التعبير عن الرأي بلا مضايقات أو
استفزازات،في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وفي كل
مكان من عالمنا.
لم أنتظر طويلا
لأهاجم بشدة أحداث يوم الإثنين 12/11/2007م في
غزة والتي راح ضحيتها عدد من المواطنين،وقلت مسبقا
في خطاب موجه لحكومة وشرطة غزة أن لا مبرر أبدا
لإطلاق الرصاص ،وفي ذات الخطاب طلبت من حكومة
الضفة الغربية وقف التعدي على الحريات والدخول في
دهاليز الاعتقالات وتبعاتها الخطرة.
أنا مع أن تنظم
حركة فتح مهرجاناتها وتعقد مؤتمراتها الصحفية بلا
مضايقات في قطاع غزة،وأن تنظم حركة حماس
مهرجاناتها وتعقد مؤتمراتها الصحفية في مدن الضفة
الغربية في رام الله أو غيرها بلا مضايقات،على أن
يلتزم كل طرف بالقانون وألا يحرض على الشغب؛هذا
ليس رأيا شخصيا بل هو منطق الأشياء والديموقراطية
التي فاخرنا بها وحق الإنسان في التعبير عن رأيه
،وهو أمر كفله القانون الأساسي الفلسطيني
بالمناسبة،أمور لا يختلف عليها أبناء شعبنا،رغم ما
حصل من انقسام وأحداث مؤسفة،فلا يجوز أبدا أن تكون
تلك الأحداث مبررا لتقييد حرية الناس وتكميم
الأفواه ومنع الناس من التعبير عن آرائهم،والآراء
حتما مختلفة ،سواء بما يتعلق بالوضع الداخلي أو
السياسي بما يخص أنابوليس والمفاوضات
وغيرها،فليعبر كل طرف عن وجهة نظره تظاهرا أو
خطابا أو بيانا أو لقاءا تلفزيونيا،فقد كان من
الخطأ منع عقد مؤتمر صحفي لحماس في رام الله
،الأسبوع قبل الماضي،ولكن التطور الأكثر خطورة هو
ما جرى يوم الثلاثاء 27/11/2007م في مدن الضفة
الغربية لا سيما مدينة الخليل،من منع التظاهرات
المعارضة لأنابوليس.
مثلما صرخنا بلا
كبيرة لما جرى في غزة في مهرجان تأبين الرئيس
عرفات،يجب أن نصرخ بلا كبيرة أيضا لسياسة منع
التظاهر واستخدام القوة في الضفة الغربية،بغض
النظر عن التبريرات التي يسوقها البعض
هنا،فالمسألة باتت لا تحتمل.
لست هنا بصدد
الدفاع عن حزب التحرير ورؤاه لأنه سبق وان انتقدت
الحزب على هذه المواقف،ولكنني مع الحرية،الحرية
التي يتمتع بها الإنسان عند ولادته،الحرية التي
كفلها شرع الله ،وأقرتها وتغنت بها المواثيق
الدولية والقوانين الوضعية.
وبصراحة أقول أن
هناك مخاوف كثيرة خاصة بسبب ما يتسرب من أخبار هنا
وهناك وأحاديث يهمس بها الناس ،من كون الضفة
الغربية ستخضع لنظام حكم عسكري شامل،وحتى القضاء
سيتحول لقضاء عسكري!وكنت أميل لتكذيب هذه الأخبار
التي اعتبرتها في البداية مجرد شائعات وتخوفات
وأوهام،ولكنني بعدما جرى أميل لتصديقها،وفي نفس
الوقت يجب التحذير "من" والتذكير بأمور عدة:-
1)
لا زالت الضفة الغربية تحت
الاحتلال العسكري الإسرائيلي ،ويستطيع قائد عسكري
إسرائيلي أو حتى ضابط فرض منع التجول على أي مدينة
ومنع تحرك قوات الأمن الفلسطينية.
2)
ما من إنسان سوي إلا ويرغب بان يعم
الأمن وتنتهي مظاهر الفوضى،ومما لا شك فيه أن
تراجع وانحسار ظاهرة الفلتان الأمني في مدن وقرى
ومخيمات الضفة الغربية كان له أثر طيب على
النفوس،ولكن تصرفات أجهزة الأمن تبعث على الخوف
والقلق،فهل استبدل الفلتان الأمني بممارسات قمعية
من الأجهزة الأمنية؟هذا سؤال نرجو من الله أن تكون
إجابته "كلا" كواقع وممارسة فعلية لا نظرية!
3)
الخوف على الحريات وعلى مستقبل حرية الرأي
والتعبير حتى في القضايا المصيرية،وأقتبس هنا ما
كتبه الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة
القدس العربي اللندنية تحت عنوان " أنابوليس:
القادم أعظم
"
يوم
الخميس 29/11/2007 حيث جاء في مقاله:-
" المقربون من الرئيس عباس
يؤكدون في تصريحاتهم الاعلامية، وما اكثرها هذه
الايام،
بأن اي اتفاق يتم التوصل اليه
سيعرض علي الشعب الفلسطيني في استفتاء شعبي حر.
هذا
كلام جميل، ولكنه يكشف نوايا
وممارسات تنقضه كليا، وتثبت عكسه، فاذا كان ابناء
الشعب الفلسطيني لا يستطيعون تنظيم
مظاهرة سلمية في رام الله او الخليل او نابلس
يعبرون فيها عن معارضتهم لمؤتمر
انابوليس، ويواجهون بالرصاص الحي ناهيك عن هراوات
قوات القمع ...، فكيف سيستطيع هذا
الشعب ان
يعبر عن رأيه في اي استفتاء علي
اتفاق ....
"
يجب إزالة المخاوف
وتبديد مشاعر القلق من المستقبل المنظور بتطبيقات
على الأرض
فلا تكفي
التصريحات ولا البيانات ولا حتى الاعتذار ،لأن
الممارسات على الأرض مختلفة كليا ،فحتى بعد
الاعتذار والتعهد بالمحافظة على حرية الرأي ،رأينا
مهاجمة مشيعي الشهيد هشام البرادعي،رحمه
الله،وشاهدنا ملاحقات واعتقالات بعد صلاة يوم
الجمعة،فهل القادم أعظم فعلا؟وإلى أين نحن
ذاهبون؟وكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد،وهل من
أصابع خفية تحرك الفتنة؟لنفكر بهذا جيدا،فمدينة
الخليل ظلت حتى في ذروة الاقتتال والصراع الداخلي
هادئة ولا أحداث تذكر فيها،فما بال خليل الرحمن قد
سالت الدماء فيها؟أفلا يكفي أهلها ابتلاءهم بأحط
وأقذر المستوطنين في العالم؟ ولماذا هذه الشراسة
في عمليات مصادرة رايات حزب التحرير وملاحقة موزعي
بياناته،هل هذه المواد صواريخ أم قنابل مجهزة
للانقلاب على السلطة؟شيء من التعقل يا سادة،شيء من
التفكر يا مسئولين!
4)
اللجوء إلى القوة في فض الاعتصامات
والتظاهرات قد يجلب معه أمورا لا تحمد
عقباها،ولنتذكر أن قمع المعتصمين في المسجد الأحمر
في الباكستان كان مقدمة لأزمة الرئيس مشرف وجرّ
هذا القمع أحداثا وتبعات أمنية وسياسية
خطيرة،ولنتذكر أيضا أنه حتى عندما طار الرئيس
عرفات إلى كامب ديفيد للتفاوض مع باراك،كانت هناك
تحركات من فعاليات سياسية وشعبية بل فتاوى من
علماء بتحريم التنازل وغير ذلك،وقد كانت السلطة
آنذاك أكثر قوة أضعاف المرات مما هي عليه الآن
،ولكنها لم تقمع ولم تكمم الأفواه فيما يتعلق بهذه
المسألة ،فما بال السلطة اليوم لا تطيق سماع صوت
محتج أو رؤية تظاهرة أو مسيرة تعارض مؤتمرا أو
لقاءا علمنا نتائجه قبل عقده؟!
5)
في عصرنا لا مجال لحجب الآراء
فالكثير يتابع مواقع الإنترنت والفضائيات،فالأفضل
مناقشة الآراء جميعا علنا وبلا تدخل من أجهزة
الأمن،ودائما كنت أخاطب الإخوة العائدين من الخارج
أننا هنا نختلف كليا عن الإخوة في البلاد العربية
ولا مجال لاستنساخ نموذج الدولة الأمنية العربية
على وضعنا الفلسطيني ،نحن شعب كبرت أجياله وهي
تتحدى وجود أشرس وأعتى قوة في المنطقة مدعومة من
كل قوى الاستكبار العالمي،فلا داعي لمحاولة
استنساخ نماذج أخرى هنا،نحن في عام 2007 ميلادية
،وأسلوب اقتياد الناس كالقطيع لا يجدي،خاصة مع شعب
أبعد ما يكون عن فكرة القطيع وهو شعب
فلسطين،الواعي الذي لا يرضى بالضيم ولو دفعت له
مليارات الأرض جميعا.
أكرر أنني لست
بصدد الدفاع عن حزب التحرير ،فهو قادر على الدفاع
عن نفسه،ولكنني بصدد الدفاع عن الحرية ،وعموما فإن
الكثيرين يختلفون مع حزب التحرير في طرحه،ولكن
الغالبية الساحقة مع أن يطرح حزب التحرير وغيره
رأيهم ويعبروا عن وجهة نظرهم دون أن يقمعوا من
أجهزة الأمن،وقبل مدة كان العديد من الإخوة في
حركة فتح يستخدمون آراء ووجهات نظر حزب التحرير
فيما يتعلق بمشاركة حركة حماس في السلطة،والعديد
من المواقع الإلكترونية المحسوبة على فتح هللت
ورحبت برؤى حزب التحرير ،فهل أصبح هذا الحزب الآن
مارقا وخارجا عن الصف الوطني؟!
أما محاولة الدفاع
بطريقة:انظروا إلى ما يجري في غزة،من أجل تبرير
الأخطاء والخطايا في الضفة فهو مرفوض ،ولا يحق لمن
في غزة أن يتكلموا بنفس الطريقة،ومن المؤكد أن
المواطن في جنين أو نابلس أو الخليل يحكم على ما
يراه في محيطه وحتى ولو اهتم بما هو بعيد عنه فليس
بقدر اهتمامه بما يلمسه؛وشعبنا متمرس في الفصل بين
مختلف الأمور وفرز القضايا والأحداث عن بعضها
وسأضرب مثالا عايشته بنفسي:في يوم الأرض
30/3/1996م اقتحمت قوات الأمن الفلسطينية جامعة
النجاح في نابلس ،واعتدت على العديد من الطلبة من
بينهم العديد من عناصر الشبيبة الفتحاوية،وقد جاء
الرئيس عرفات شخصيا لحرم الجامعة وقال كلمته
الشهيرة:"سامحونا"،وبعد أشهر جاءت أحداث النفق
ليسقط شهداء من قوات الأمن،وليقتل جنود من جيش
الاحتلال بيد أفراد من هذه القوات...وحان موعد
انتخابات مجلس اتحاد الطلبة في النجاح ،وقد حاولت
ماكينة الدعاية الانتخابية للشبيبة الفتحاوية أن
تحيّد مسألة اقتحام الجامعة عبر التذكير بأن
فتحاويين ضربوا من قبل الأجهزة ساعة الاقتحام
،وبأن أحداث النفق وحدت الفصائل وأن تصدي أفراد من
الأمن للمحتل يغفر خطيئة زملائهم المقتحمين،ولكن
هيهات هيهات فقد خسرت الشبيبة الفتحاوية الطلابية
تلك الانتخابات،وصوّت طلبة كانوا في انتخابات
سابقة يقاطعون التصويت لصالح الكتلة الإسلامية
المنافسة،وقالوا بصراحة أن تصويتهم بهدف العقاب
على الاقتحام ،رغم اعتذار الرئيس العلني،ورغم
أحداث النفق،أظن هذا المثال قد أوضح طريقة تفكير
شعبنا؛ولن أنقل كل ما سمعته من الجمهور ،لأنني
أدعو المعنيين في السلطة أن ينزلوا إلى الشارع
ويسمعوا رأي الناس،وأنقل فقط رأي مجموعة من الناس
رأوا طريقة التعامل الفظة للأجهزة الأمنية مع
مسيرة حزب التحرير،وعقبوا بغضب على أحد المقارنين
بين غزة والضفة بالقول:"افرض قتل في غزة ألف شو
دخلنا احنا هون وشو دخل مسيرة حزب التحرير...الشغلة
ثارات كاينة....!".
مسألة أخرى لا بد
من التطرق إليها،وهي مسألة اعتبار حركة حماس في
الضفة الغربية تنظيما محظورا،رغم أنه لم يصدر
مرسوم رئاسي بهذا الخصوص،ولا قرار حكومي،ويجب ألا
يصدر مثل هذه الأمور لحاجتنا إلى التقارب لا
التباعد،المهم أنه يجري التعامل العملي مع حماس
كحركة محظور الانتماء إليها وممنوع على أنصارها
تنظيم أي فعالية ،حتى القادة الذين صلوا مع الرئيس
في المقاطعة منعوا من عقد مؤتمر صحفي،فإلى
متى؟سيكون الجواب:"حتى تتراجع حماس عن نتائج
انقلابها في غزة...وتعتذر إلى عما ارتكبته وو...إلخ"
أرى أن هذا سيدخلنا في جدل ومناكفة لن تنتهي إلا
بتمكن المحتل من رقابنا جميعا،فلنفصل بين الأمور
منذ هذه اللحظة،ولنفكر قليلا بمستقبل قضيتنا
وشعبنا.
ومسألة عدم حظر
حركة حماس نظريا بينما اعتبارها تنظيما محظورا
فعليا،هو عكس ما هو عليه الحال في مصر،حيث أن
الإخوان المسلمين حركة محظورة منذ سنة 1954 رسميا
،ولكنها عادت لتمارس نشاطاتها في عهد السادات
وانخرطت في الحياة السياسية والنقابية في عهد
مبارك،ولكن رسميا هي حركة محظورة،وعادة ما نسمع
ونقرأ عن اعتقال عناصر وكوادر من الإخوان في
مصر،يقدر عددهم ما بين 9-20 شخصا،من كل أرجاء
جمهورية مصر العربية التي تعد من الملايين أكثر من
سبعين،ولكن هنا نسمع عن اعتقال 20 شخصا في منطقتين
في الضفة من أنصار حماس من قبل أجهزة الأمن
الفلسطينية!إن هذا لأمر عجيب،طبعا أنا لا أقصد
الدفاع عن النظم الأمنية العربية،وأعرف ما الرد
على هذه المقارنة،من حيث طريقة التعامل الحضارية
والإنسانية هنا والقمع والإيذاء والتعذيب في
البلدان العربية ضد الحركات الإسلامية،ولكن نتذكر
أننا ما زلنا تحت الاحتلال،ويا سادة دعونا نقتدي
بمن نتسوّل منهم المساعدات المالية ونسعى لنيل
رضاهم –رسميا- في الغرب والذين فتحوا أبوابهم
لقادة هذه الحركات المطاردين من حكومات
بلدانهم...طبعا نحن جميعا إخوة وندعو الله سبحانه
أن تردم الهوة بين أبناء شعبنا وأن يتفرغ الجميع
للتصدي للاحتلال والدفاع عن المسجد الأقصى وأن
يتركوا المناكفات والمزايدات ومحاولة إخراس الصوت
الآخر....وأكرر خوفي وقلقي من كون الضفة الغربية
تتجه نحو العسكرة وحكم الأجهزة الأمنية وتكميم
الأفواه،فهل من إجراءات فعلية لا اعتذارات لفظية
فورية كي نزيل عنا شبح الحكومات الأمنية الرهيب؟!