العنقاء لم تعد من المستحيلات

سوسن البرغوثي

barghouti_sa@hotmail.com

Nov 02, 2007


لم يحدث منذ بدأ تاريخ البشرية أن جرى تهجير شعب بالقوة عن أرضه، وأن تُسلب ممتلكاته جهاراً، ويُجرّد من أقل حق من حقوقه في الحياة، ليحل مكانه حثالة الشعوب. في فلسطين.. لم تتوقف عمليات التهجير والتطهير سواء في الداخل المحتل، أو بملاحقته في شتى المنافي. ويصبح الفلسطيني المقهور بعد هذا الظلم البيّن كما وصفه الشهيد غسان كنفاني في قصته "أبعد من الحدود" ( فأنا لا شيء!، فأنا لست صوتاً انتخابيا، وأنا لست مواطناً، بأي شكل من الأشكال منحدراً من صلب دولة تسأل بين الفينة والأخرى عن أخبار رعاياها.. وأنا ممنوع من الاحتجاج ومن حق الصراخ. وأنا حاولتم تذويبي بجهد متواصل، واستطعتم نقلي، بقدرة قادر، من إنسان إلى حالة...). الرماد حالة ولكنها قابلة للاشتعال، ثم تصبح ناراً بفعل تراكم الضغط الواقع عليها، وتؤجج لهيب الغضب في صدور المظلومين والمقهورين.
تلك الحالة تشبه الحال الفلسطيني،
تحمل في جنباتها مقاومة للرياح المسمومة، صارعت عواصف البحار، وبقيت متمسكةً بالأصل وبالحلم، نظمتها في ترانيم قصائد أصبحت بدورها مفقودة في زمن الضياع الجماعي، يشد كل ذي بال اهتمامه لينتصر لفكر لا لمبدأ.
تنحسر قيمة المبادئ وسط زحام المستجدات المشبوهة، ويزداد دجل ونفاق الأقنعة المزيّفة، ويبقى الزبد طافياً يلوّث النقاء بين هنا وهناك.
العنقاء تعاود دورتها
من قلب الرماد، وذاكرة لم تفارق سهول حيفا، ولم تنس هزيمة الغزاة أمام أسوار عكا.. لكنهم عادوا مرات ومرات، وفي كل مرة بوجه أبشع، ورحلة أقسى على درب الآلام.

رحلة البؤس هرباً من حرب لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، وبلاد الأقربين غصت بالمئات الفارين من تجار الموت، فالفلسطيني أينما حلّ.. منذ نكبته الأولى، يبني ولا يهدم، ثم أين ذهبت شعارات العروبة، وهل كل ما درسناه في كتب الماضي شعارات فارغة من مضامينها؟. منظمات حقوق الإنسان العربية، تعلن إفلاس قدرتها على إيجاد حل لتزايد اللاجئيين، ولها أجندات أهم بكثير من المطالبة باحتضان القليل منهم، فهل استضافتهم سيؤدي إلى انفجار سكاني أو إلى عجز اقتصادي في هذه الدولة العربية أو تلك!؟.

لم يعد هناك مبررات لإحكام طوق الحصار عليهم، وهم من شكل الدرع الواقي العربي والمدافع عن شرف الأمة خلال عقود، رغم أنهم في عداد "المذبوحين من الوريد للوريد"، وقميصاً يرتديه كل من يسعى لرفع شعارات، اتضح للأسف أنها جوفاء...
يطعنون حتى بحقهم الطبيعي بعودتهم إلى دورهم وبساتين الزيتون الأخضر، والفلسطيني كالشجر المعمّر يعلن بقاءه، وسيبقى شامخاً كما جبل الطور، وسيبقى فتياً بعطاءه كشجر التين. ينتفض عنيداً من كل أرض ومن كل بيت، ويقول للعالم إنني الباقي الصامد.

مأساة هيروشيما تقف خجولة أمام معاناة الفلسطينيين في زمن التحضر، والمحارق لا تتوقف، والإبادة تُمارس على الفلسطيني ليست فقط بالقتل الجماعي، فالمحارق تلاحقه بالنفي وعلى المعابر، والمساعي محمومة لإعلان البراءة منه، والتخلص من عبئه على سلامة التراب العربي، ويُرحلون إلى أبعد بقاع الأرض، فهل للشهامة العربية محل من الإعراب، أم أننا نتباكى على أطلال قلاع النخوة!؟.
دامية أنتِ يا عيون، ونازف أيها القلب، وقد أثقلت المحن طلاقة اللسان، وفي الفم مرارة. لا أحد يجرؤ أن يقولها علناً، لكنهم يلتفون على حق العودة كما تلتف الأفعي على فريستها. ويبقى الأمل في ذلك الرماد الساكن لحين، يغطي نار الغضب الفلسطيني، يشحذ عزيمته بالإيمان بحقه والقوّة لاستعادته.

من يظن أن فلسطين منسية في ضمائر الأجيال فقد أصابه الخبل، فالقدس قبلتنا الأولى، واللكنة الفلسطينية المحببة ما زالت تُورث، وجذورنا لن تُقتلع في شوارع مونتريال ولا في أحياء برازيليا.العنقاء تسكن في قلوب المهزومين الجبناء تخيفهم.. تقض مضاجعهم، وفي السرائر الطاهرة نزيف ألم.

احرصوا عل الصمت أيها العبثين بمصائرنا واقفلوا نوافذكم، وحافظوا على الجهل والتجاهل ما حييتم.. ولكن لكم أن تعلموا أننا جميعا في مركب واحد لو طال أحدنا الغرق فكلنا في الهلاك سواء.. فهل حقاً أن العربي في كل مكان من عالمنا العربي أصبح شاهد زور، أم أن صحوة الرماد، وشرارة اشتعاله آتية على الطريق؟!.
 
http://www.arabiancreativity.com/sb169.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net