الحرب المستمرة على المخيمات

سوسن البرغوثي

barghouti_sa@hotmail.com

Sep 24, 2007


مثّلت المخيمات الفلسطينية في حالة اللجوء الفلسطيني في الداخل وفي الشتات قاعدة انطلاق للمقاومة، وكرّس الفكر المقاوم ثوابت الشعب الفلسطيني في أحقية قضيته وحقه في أرضه وتواجده عليها، وفي أنه حق لا يمكن أن يتلاشى أو يذوب بفعل التقادم، ورغم قسوة الظروف التي عانى ويعاني منها الشعب  الفلسطيني، فهو متمسك بالوطن كقيمة عليا لا يمكن التراجع أو التهاون في إيجاد وسائل نضالية لتحقيق ذلك واسترجاع حقه المسلوب، وقد دلل على ذلك من خلال الصبر والصمود والتضحيات العظيمة التي بذلها وما زال يبذلها على مذبح القضية الأساس والمتمثّلة بتحرير الأرض وعودة الفلسطينيين إليها.

ومسيرة النضال لم تتوقف عند حدود المخيمات المتعارف عليها، بل زاد عليها مخيمات أخرى ومن نوع جديد كانت ملاذاً للفارين من حمى الموت والقتل العشوائي في العراق.

إن المباحثات السرية وبالتحديد حول وضع المخيمات الفلسطينية بشكل عام، وما تسببه من إعاقة سير مفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني حول ما يُسمى بالحل النهائي، والقبول بمبدأ دولتين، فكيف يمكن أن يستقيم الأمر والمخيمات إن لم نقل كلها فبمعظمها في الداخل وفي الشتات تعتبر معاقل للمقاومة الفكرية والمسلحة، والتي يرفض بقاءها "الشريكان" في تلك المفاوضات وفي بحثهم لصنع مستقبل أمريكي هو -بالتسمية الصريحة- استعمار جديد لبلادنا العربية.

في المخيمات التي أقيمت على عجل على الحدود العراقية-السورية، والتي لم تخرج عن سياق استغاثات إنسانية وطلبات رحمة ورأفة، يتم الآن ترحليهم بشكل تدريجي إلى دول تنازلت وقبلت استضافة أعداد منهم، وهذا سيعمل على تشتيت الفلسطينيين مجدداً في بلدان بعيدة عن حلمهم بالعودة لوطنهم الأصل، ليقبلوا بحياة أخرى وحلم جديد بالتأقلم في تلك المجتمعات.

بعد عملية قصف مخيم نهر البارد، والأهداف غير المعلنة من تضييق الخناق على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتدمير المخيم عن بكرة أبيه، فإن من أهم الأهداف التي تحققت، هو مطالبة الذين لجؤوا إلى مخيم البداوي العودة إلى مخيمهم، وقد يكون التعويض عن خسائرهم لبيوتهم وتجمعاتهم والخدمات الأساسية في المخيم، كرم فائض من قبل الحكومة اللبنانية، ووكالة غوث اللاجئين، وهذا يقود أخيراً إلى القبول بتلك التسهيلات الكريمة لتدبير أمور معاشهم وإقامتهم في مساحة ضيقة، تشكل معتقلاً جماعياً يخضع لمراقبة وإجراءات أمنية مشددة، وحصار أيضاً يحرمهم من ممارسة حقهم في المقاومة على جبهة موضوع قضيتهم الأساس، وتحديد تحركاتهم، مع تزايد ارتفاع نسبة البطالة، نتيجة انعدام فرص العمل المتاحة لهم.

أما في مسألة العالقين على معبر رفح، وقد امتد انتظارهم شهوراً دون تمكنهم من العودة إلى ديارهم، وما قد يتمخض عنه كما بدأ يتردد من بناء مخيمات في الصحراء يقال أنها مؤقتة، لكنها بالتقادم ستصبح مقراً آخر، ودائماً لإقامة لاجئين جدد.

ويبقى وضع المخيمات الكثيرة في داخل الوطن المحتل، وهي الأكثر تعرضاً للحصار المباشر، والأكثر عرضة للتنكيل وقد يكون مخيم جنين نموذجاً لتلك الحالة، وكذلك الاعتداءات والمداهمات لمخيم عين الماء في نابلس، وقتل المقاومين للشبهة، وتدمير البيوت على رؤوس أصحابها، وكل هذا يجري لتكريس مخطط القضاء على إرادة المقاومة في المخيمات الفلسطينية.

وفي قطاع غزة، وهنا ليس من فارق بين المخيمات فيه أو القرى والمدن فحدث ولا حرج، وتجري استباحة حُرماتها ليل نهار من قبل الجرافات والقوات "الإسرائيلية".

في المقابل، فإن المفترض أن يكون الرئيس مسؤولاً عن كل الشعب وحامياً للحمى، نجده في كل موقف وفي كل تصريح"اسرائيلي"معادٍ للوجود الفلسطيني بأسره، يكتفي بالانتقاد الخجول، كما في تصريحه اعتبار غزة كياناً معادياً، وقد سبق وأن وصفه هو نفسه بإقليم متمرد، مما يرجح الاتفاق المشترك مع العدو للقضاء على المخيمات التي ينطلق منها المقاومون والعمل المقاوم.

أما في الضفة، فالملاحقات اليومية التي يتعرض لها سكان المخيمات تجري من كلا الطرفين-الاحتلال والسلطة- ومن الغريب أن ما يجري يومياً في مخيم عين الماء وفي المخيمات الأخرى في الضفة من انتقاص لحرية الناس، وكبت تطلعاتهم، وقتلهم وتدمير ممتلكاتهم،لا يمنع ولا يؤثر على سير المفوضات بين قيادات السلطة وبين الكيان المغتصب.

إن الحرب المعلنة والمتواصلة على المخيمات تستبق في هذه المرحلة بتصاعدها مشروع "لقاء الخريف" وهي بطبيعة الحال استكمالاً لمشروع أوسلو وملحقاته، وكأن الفلسطينيين قد انتهوا من قضية حقوقهم الثابتة وأصبح الحوار والبحث مقتصراً على ما احتلته "إسرائيل" عام 1967، ومن المصادفة العجيبة أن تأتي تصريحات رب بيت وهو يهلل ليل نهار، بضرورة إجلاء الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية، وكأن حيفا وصفد وعكا خارج جغرافية الوطن، فهل هذه من شيم الوطنيين؟،أم أنها مفردات ولاء لمؤتمر "التخريف"؟!.

الجميع بما فيهم بوش يعلم أن هذا المؤتمر، ليس أكثر من بروتوكولات استثمارية دعائية لإشغال الرأي العام العالمي والعربي، بأن هناك فرصاً لحلول مرضية للطرفين قادمة وتحقيقها يحتاج إلى تعاون السلطة الفلسطينية، فماذا تملك هذه السلطة من تنازلات مجدداً في سوق النخاسة القادم، اللهم غير الالتفاف على حق العودة؟.

وبطبيعة الشراكة القادمة المأمولة فإن القدس تعني للمفاوضين الفلسطينيين الأحياء النائية عن المدينة، أما الحرم فقد قُسم فعلاً بالجدار العازل، وأساسات المسجد الأقصى لن تقوى على مقاومة التخريب والحفر الذي يجري أسفله.

هكذا هي الخطة الموازية لتحقيق أول خطوات التنازل عن البند الثاني "العودة"، ظناً منهم أن رياحهم ستقتلع أشرعة سفن الصمود والتحدي ومواجهة الأطماع الصهيونية،  لم يكن يوماً غير علامة احتلال واغتصاب وظلم وحقد وعنصرية.

إن الشعب الفلسطيني بواقعه الحالي شعب مبعثر في أنحاء المعمورة، ولا يملك قوة حقيقية فاعلة تقف بوجه من يوقّع باسمه التنازلات المتلاحقة زوراً وبهتاناً، ومنظمة كل الشعب الفلسطيني ليست أكثر من جسد بلا روح، لم يعد لها من عمل غير التطبيل والتزمير للقائد الأوحد وللرئاسة، أما الشعب الفلسطيني بالداخل، يعيش حالات متنوعة من الحصارات، الجوع والقهر، وسط دائرة مغلقة ومحاصرة من كل الجهات ومغلقة، وهذا بفضل اتفاقيات التطبيع مع مصر والأردن، فهل مطلوب من هذا الشعب أن ينتحر ويعلن فناءه؟.

الرئيس يطلب من قوته  التنفيذية أن توغل في ذبح المناضلين، و"إسرائيل" تقوم بالواجب وأكثر. وأمام هذا المشهد، نقول والأسى يفطر قلوبنا: ماذا تبقى للشعب الفلسطيني؟.

الجواب الواضح والصريح إن هذا الشعب الذي استطاع الصمود أمام كل هذه الإجراءات سيبقى مؤمناً بحقه في المقاومة، وهي سبيله الوحيد والممكن للمحافظة على ثوابته وقيمه ووطنه ووجوده وإنسانيته.

إن مقاومة الاحتلال، ومخططات السلطويين قدر الشعب الفلسطيني، وليخسأ كل من يحلم ولو مجرد حلم أن يصبح هذا الشعب النقيّ صديقاً أو شريكاً للقتلة والمغتصبين.

 


 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net