|
عدونا واحد... |
سوسن البرغوثي |
|
Feb 21, 2008 |
بعد كل حدث سياسي أو عسكري ينشط إعلام المارينز الناطق بالعربية النفخ بالكير ليشعل من جديد الفتن النائمة بكل تسمياتها وأنواعها، وكلما فشل هذا الطاقم المدعوم والممتلك كل الإمكانيات والطاقات، رغم حصانة الحكومات الاحتلالية الثلاث في فلسطين والعراق ولبنان، أو من خلال الفضائيات التي أججت الفتنة الطائفية في العراق إبان اغتيال الرئيس صدام حسين، لكن عندما بدأ "القاصر" وإعلامه يكتشفان خطورة هذا الدور، وأنها ستمتد وستشعل دول الجوار، عاد أدراجه، ليعزو أسباب غريبة على ما يحدث في العراق بادعاء أنه عنف داخلي ليس له علاقة بالاحتلال!..
موقف هذا الإعلام والمهمة الموكلة له لم يعد خافياً على أحد، إنه عملية غسيل أدمغة الملتقي العربي على أن المقاومة عملاً "إرهابيا" وأن الحل السلمي لعودة الأمن والاستقرار يكمن في الاستسلام والخنوع للهيمنة الأمريكية، وللصهاينة شريكين صنع القرار والمصير بـ "الشرق الأوسط الجديد" القادر على استيعاب كل شعوب المنطقة، ويعاد بعدها رسم خارطة التحكم به عن بعد.
أكثر ما يعتمد عليه هذا الجيش السياسي والإعلامي، نبش تاريخ الجاهلية وقرع طبول حرب داحس والغبراء، يمارس خلط الأوراق وإلصاق التهم كيفما اشتهت رياحه المسمومة.
وهنا يبدأ تغييب الحدث، والولوج في مهاترات وتبادل اتهامات بين أطراف لا تعتمد على حقائق وبراهين دامغة، إنما على ما قيل ويُقال وكثرة التنطع وانحراف بوصلتنا جميعاً، وهي أن هناك عدواً واحداً يهدد وجود الوطن العربي بأكمله.
نظريات ومصطلحات تخدم أوراق الإعلام (البديل) منها إن "عدو عدوي.. هو صديقي"، وهذه النظرية المستخفّة بعقول الواعين العرب، إنما هي لتكريس الانقسام بين أبناء الشعب الواحد كما حدث بابتداع الفتنة الطائفية في العراق، وحديثاً بين فريقين مختلفين أساساً بالأيدلوجيات الحزبية، ونظرة كل منهما للتحالف الخارجي كتقاطع مصالح وخلافه تختلف عن نظرة الآخر، ولست هنا بسرد الصراع الخامد، الذي نشط بعد حادثة اغتيال عماد مغنية، في حين أن عدوي وعدوك واحد، وهو الخطر الصهيوني على العالم بأكمله، الذي اتسعت رقعة صولته وجولته بعد إبرام اتفاقيات التطبيع مع مصر وسلطة أوسلو، وزاد شراسة وهمجية بعد احتلال العراق.
الحدث الأخير وليس الآخر قطعاً، اغتيال الشهيد عماد مغنية، وقد تم توظيف الحدث على الفور من "تيار المستقبل" الأمريكي في بلادنا العربية، وبصرف النظر ماذا استخدم من أوراق، إلا أنه يسعى إلى هدف القضاء على كل جبهة مقاومة على حده، وهذا لا شك إن تم إنجاحه، سيضعف الجبهات الأخرى المقاومة، بشكل مباشر أو غير مباشر. ولا أحد يستطيع بعد ذلك المراهنة على جبهة مقاومة عسكرية واحدة لقيادة عربية شاملة. فالدعم العسكري هو ما يجب أن يضاف إلى إنجازات هدف تحرير البلاد والعباد، وأي اصطفاف ضد أي جبهة أخرى، يعني أن معسكر المارينز العربي، نجح في مهمته ولا يستوجب تدخل عسكري مباشر من قبل الاحتلال، وبهذا نمنح الفرصة الذهبية لمكافأة الخونة والعملاء الرسميين والمهرجين في بلاطهم، ونساهم في استراحة المحتل، للتخطيط إلى ما بعد الحدث.
الغريب أن "إسرائيل" ترتعد من خلال توقعات وتحليلات سياسية وعسكرية لرد فعل حزب الله، والأغرب أن حقيقة الانتصار في حرب تموز، وسحق منظومة "الجيش الذي لا يُقهر"، ويبدو في الأفق أن هناك مواجهة عسكرية، لرد اعتبار الجيش المنهزم، وليس للاعتداء المتعارف عليه من قبل "إسرائيل"، ومع ذلك نجد أن المجندين العرب أنظمة وشخصيات، يجهزون حملة وفتاوى في حين وقوع المواجهة العسكرية- التي لا نتمنى حدوثها، لما ستخلفه من دمار للبشر والحجر- والشارع العربي ينحاز إلى هذا الطرف أو ذاك، وجميعنا في غفلة وتشتت وانقسام لما يُجهز. كل السجالات والشجارات، لا تخرج عن إعادة بث شائعات مصدرها معروف، ومن المفترض أيضاً، هدفها يعلمه كل عاقل.
السؤال بعد كل ما يحدث، ليس في كيف تم اغتيال مغنية في دمشق، وقد أجابت تلك الأبواق التي لا تقنع عقل طفل جاهل، بادعاء اختراق الأجهزة الأمنية السورية، ولكن هل كان هو المستهدف في عملية الاغتيال أم أحد قادة حماس أو الجهاد، والجميع يعلم أن "إسرائيل" أعلنت استهدافهم وأنها بصدد ملاحقتهم أينما كانوا؟، ومن هي الأدوات التي اُستخدمت في مسرح الجريمة؟.طبعا لا أحد يملك سياسة ضبط النفس في عرس شماتة أو غضب شعبي لما حدث، لننتظر حتى تنتهي لجنة التحقيق من نشر الحقائق. هناك أبعاد سياسية كثيرة، منها لماذا تم الاغتيال في هذا التوقيت بالذات، وفي ساحة خارج ساحة المعركة؟، وسوريا تدعو إلى اجتماع قمة عربية، وهل بات من غير المسموح أمريكياً و"إسرائيليا" حتى إقامة طقوس علاقات عامة عربية رسمية؟.
سوريا اليوم مستهدفة من قبل عدو الأمة العربية، وعلينا أن نعيد النظر في خلافاتنا الهامشية التي تبعدنا كل البعد عن الوقوف بصرامة أمام التحديات القادمة. أما إن نجح الاحتلال في إخماد أي راية مقاومة على الجبهات العربية الثلاث، سيكون -لا قدر الله- نتيجة لتخلف الشارع العربي بمختلف التيارات الفكرية والحزبية، وسيسهل قضم جبهات المقاومة الواحدة تلو الأخرى، مهما كانت مؤهلاتها وقدرتها وإمكانياتها، حتى لو كانت تملك مال قارون، لأن هذا عبء مضاعف بتوجيه ضربات مباشرة وقاتلة لها، فإلى أين نحن ماضون!؟...
هل تعني الخصومة أن نصبح أعداء لبعضنا البعض، والمستفيد الأول والأخير هو المحتل وإطالة عمر المؤسسات الإعلامية والسياسية الاستعمارية في بلادنا العربية، فهل هذا هو المبتغى والهدف؟!.
وهل نعمل على تثبيت مقولتهم الاستعلائية، أننا شعوب لا نرقى إلى مستوى تقرير مصيرنا كأمة لنا الحق بالسيادة والاستقلال، وأن الشعوب العربية المتخلفة يجب أن تدمّر وتنتهك أرضها وعرضها!.
إن تحقيق أطماع العدو يكمن في إشعال المشاحنات بيننا، وفي ابتداع وسائل وطرق الطابور الخامس، عندها سيكون علينا وعلى وطننا العربي السلام، ونكون قد طبقنا ما فعله شمشون ونيرون، نحرق الأخضر واليابس، فقط لأننا نملك القدرة على صراع الديكة، ولا نملك الطاقة والقوة على توحيد صفوفنا لنطفئ حريق تمتد ناره يوماً بعد يوم.
وأنا هنا لا أطالب بالموضوعية على كل ما سبق، لسبب بسيط هو أننا لسنا أطراف محايدة، ولكنني أطالب بالعقلانية ومراعاة مصلحة أمتنا العربية، فمن يشعل نيران الفتن والمؤامرات لا يريد أن يطفئها، ومن يطعن بأي جبهة مقاومة، عليه أن يعرف أن دوره آت، ولا أحد محصن من فورة الطوفان، فتفكروا يا أولي الألباب، هذا إن بقي عقلاء في هذه الأمة، يفكرون بما هو فوق كل اعتبار، وأبعد من المصالح الحزبية ونزعات قبائلية انقرضت، قد أكل الدهر عليها وشرب...
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |