تغيير في خطة الحرب المتوقعة

سوسن البرغوثي

barghouti_sa@hotmail.com

Oct 03, 2007


الغارات أو الإعلام المشبوه الذي ضخم من حجم العملية "الإسرائيلية" الأخيرة بتسلل طائرات إلى العمق السوري، خلّف انطباعاً شبه عام بأن هناك ضربة مرسومة ومتوقعة على سوريا، وأن فتيل الحرب قاب قوسين أو أدنى يكاد أن يشتعل، وما ذلك إلا محاولة من الكيان الصهيوني لاستعادة هيبة ما فقده الجيش "الإسرائيلي" في حرب تموز في جنوب لبنان.

إن العملية "التمثيلية" التي قامت بها الطائرات العسكرية، وموجة الإعلام متعدد الجوانب الذي رافق الغارة وما بعدها كان يمثّل رسالة متعددة الأهداف، أهمها التعرّف على قوة ونوع وجدوى الصواريخ السورية "الجديدة" المضادة للطائرات، واستطلاع رد الفعل العربي والتركي والإيراني حيالها.

لقد وصلت الرسالة بكل تأكيد إلى الجهات المعنية، في حين كثر الحديث وشجب الصمت المطبق الذي مارسه الإعلام السوري، وإظهار اللامبالاة حول الموضوع برمته، حتى بالادعاء وقتذاك بأن الرادارات، اكتشفت أن من اخترق المجال الجوي الصهيوني هو سرب من الطيور المهاجرة!.

وقد بات من المعلوم والمؤكد بأن الهدف الذي رصدته الطائرات الصهيونية ليس تجمعات نووية كورية، بل هو مركز أبحاث لمناطق القحط والجفاف، وهذا ما صرح به نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع، وروايته مدعومة بالحقائق، وفرصة متاحة لزيارة وسائل الإعلام للمنطقة هي الأقرب إلى المنطق، خاصة وقد علمتنا الخبرة حول تلفيقات الإدعاء بوجود سلاح دمار شامل في العراق،وما تكشف بعد ذلك من كذب وافتراءات تقارير استخبارات أمريكية.

ثمة تغيير واضح في سيناريو الضربة على إيران، باستخدام الأجواء السورية، وطمأنة دول الخليج بعدم استباحة أراضيه، واستبعاد هذه الدول من ساحة الحرب، مما خفف من حدة التوتر في الخليج، والحقيقة الأقرب للتصديق هي محاولة الولايات المتحدة الأمريكية حماية قواعدها في منطقة الخليج، وهذا الحدث خطف الأنظار عن احتمال مواجهة مسلحة بين أمريكا وإيران، وبات الجميع يترقّب الاعتداء على بلد عربي هو سورية، وتجريدها من صفة الدولة، لإعادتها عقوداً إلى الوراء، عقاباً على مخالفة أوامر بوش بالانصياع لولادة "شرق أوسط جديد"، وعلى أمل أن تصبح "إسرائيل" الحاكم والمسيطر على بلاد الطوق تحديداً، وبذلك يكتمل حلم آل صهيون بدولة تمتد من الفرات المدمّر إلى النيل المتطبّع بعلاقات حسن الجوار مع "إسرائيل".

أدركت القيادة السورية الهدف من هذه الغارات، بتقدير أولي لقدرة المضادات الدفاعية الأرضية السورية، فاختراق الأجواء السورية، لا يعني بالضرورة إعلان الحرب على سوريا، و"إسرائيل" اعتادت على اختراق أجواء لبنان، ومع ذلك لم يُوجه لها تأنيباً من "الشرعية الأممية" بهذا الخصوص، ما دامت محمية أمريكياً.

قد تلتزم سوريا سياسة ضبط النفس حيال أول الطلعات الجوية "الإسرائيلية" الموجهة لضرب إيران، حتى لا تكشف من أول جولة عن قدراتها الدفاعية، وقد يكون الحرص على عدم الرد قطع سبب الانقضاض الصهيوني- الأمريكي على سورية، وبهذا تكون قد فوتت الفرصة على مبرر الهجوم. لكن إذا تكرر وحدث أن انتهكت الطائرات "الإسرائيلية" الأجواء السورية، فقد لا تلتزم الصمت الدفاعات الأرضية السورية، وبالتالي سترد، وستتوسع دائرة الحرب، لتشمل سوريا وإيران في وقت واحد، معتمدين على التفوق الجوي العسكري  للقوات المعتدية.
وهنا يبرز السؤال، إن بدأت إلى أين ستمدد،وهل هناك من يستطيع التحكم بكيفية إدارة الحرب،وتوقفها أو استمرارها من أجل الهدف منها؟، وأي كان لا يمت بصلة لمصلحة الأمة العربية.

أما الجهة الأخرى المعنية بالرسالة،تشير بأن القوات الأمريكية المنتشرة في البحر والبر ستصد أي صاروخ إيراني موجه لـ "إسرائيل"، وبالتالي ستبدأ الحرب المخطط لها أمريكياً لتنفيذ مشروعها الكبير.
إذا كُتب لصواريخ إيران النجاح في تدمير تجمع سكني صهيوني مثلاً، فسيدفع العرب كلهم ثمن هذا، فماذا لو نفذ صاروخ مدمر لمفاعل ديمونة؟!.
إن الفلسطينيين متأذين من كلا الحالين بسبب الأبخرة والسموم المتصاعدة، فـ "إسرائيل" وحلفائها في الوطن العربي، سيصعّدوا الهجمة على التيار المضاد لهم، خاصة إرادة المقاومة العربية بجبهاتها الثلاث الباقية.

الحديث لا يشمل الاعتداءات الجارية والمتوقعة على القطاع، فيما ينادي به باراك من احتمال البدء باجتياح شامل للقطاع، فإن نفذ خطة الهجوم، ستكون "براقش" قد جنت على نفسها، وليس من منطلق توازن القوى، إنما لتشتت القوات المعادية جوا وبرا، ولأن المقاومة الفلسطينية، وأكبر فصيل مسلح مقاوم، يملك القدرة على توحيد صفوف الجبهة المقاومة، ولدى حماس من المجاهدين، ما يؤهلها عسكرياً وجماهيريا لذلك، خاصة بعد أن أثبتت قدرتها في القضاء على أجهزة تحمي ظهر وأمن المحتل.

"التشاؤل"، يدعو إلى تمني قد يكون حاصلاً منذ أمد بعيد، بتحضير جبهة الجولان، لخوض حرب عصابات، مدعومة من الجبهة اللبنانية الجنوبية.
عندها سيقودنا التمني، للقول بأنها بداية نهاية "إسرائيل"، خاصة بعد انهزام بوش وقواته في العراق، واستحداث خطط بديلة لتغطية الهزيمة، وليس آخرها هرطقة تقسيم العراق.

أما السؤال الأهم، هو كيف سيكون رد فعل العرب إذا تعرضت سوريا العربية للعدوان، وسورية آخر جبهة صمود، لشن الاعتداء عليها من العدو القدري الأول للأمة، وهل سيقف العرب الموقف نفسه الذي وقفوه إبان احتلال العراق، أو أنهم سينقسمون بين معارض لتفكيك وتدمير سوريا بعد العراق؟، وبين موافق ولسان حاله يقول )علينا وعليهم وعلى العرب أجمعين.)

2/10/2007

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net