مفهوم العيب... بين الأمس واليوم

إيمان أحمد ونوس

emanahmad59@maktoob.com

Jan 07, 2007


العيب... مصطلح تتعامل معه المجتمعات كلٌ حسب قيمه وأعرافه وتقاليده المختلفة.

 إلاَ أنه في مجتمعاتنا الشرقية- العربية يتخذ منحىً محصوراً فقط بالأنثى دون الذكر. وهو ما تعززه التربية الأسرية- الدينية بكل أبعادهما من خلال أن كل ما ليس محرماً على الفتاة، هو خاضع لمفهوم العيب، وهكذا تبقى الفتاة معتقلة أبداً ضمن شرنقة الممنوعات من المحرمات، وهالة العيب فيما هو متاح لها.

والأمثلة في الواقع أكثر من أن تحصى، مثلاً، مسموح للفتاة بالضحك، ولكن من العيب أن يعلو صوتها أو تقوم بضحكات غير متزنة، بينما لا يحاسب الشاب على أيَ شيء من هذا القبيل. أيضاً مسألة تدخين الفتاة هي مسألة تقع بين مدٍ وجزر في المجتمع وفقاً لعادات كل بيئة، لذا نجدها عادية عند البعض، بينما هي محرمة لدى بيئات أخرى، لكنها بالمجمل تقع ضمن إطار العيب الاجتماعي الذي لا يحبذ منظر فتاة تدخن في الشارع أو في الأماكن العامة حتى في تلك البيئات التي لا تمنعه، بينما هو من حق الشاب والذي يعتبر بديهياً لا مجال لمناقشته في كل البيئات.

وهناك قضايا أعمق بكثير من هذه يشملها مفهوم العيب هذا، كأن تعترف الفتاة بحبها لشاب ما.. فإن هذه من الكبائر حتى لدى الفتاة ذاتها- أجري استطلاع في وسط طلاب الجامعة بهذا الشأن- فأعربت العديد من الفتيات عن رأيهن بهذا الموضوع على أنه عيب ولا يمكن أن تعترف هؤلاء الفتيات بمشاعرهن حتى لو متنَ عشقاً... إنه موروث عمره عمر المجتمع وقيمه السائدة.

 إلاَ أن ما نلحظه اليوم، أن هذه المفاهيم قد تخلخلت بحكم التطورات التي طالت القيم والأعراف ومفاهيمهما في ظل سيادة العولمة المزعومة بفضائياتها اللامتناهية، والانترنيت وملحقاته.

 فمثلاً، حتى الأمس القريب كانت مهنة الغناء عيباً يطول الشاب والفتاة معاً، لكن فيما بعد أصبح شبه عادي للشاب وبقي معيباً بالنسبة للفتاة. أما اليوم فنرى كيف يشجع بعض الآباء بناتهم على المشاركة في البرامج المختصة بانتقاء الأصوات وسواها من البرامج المشابهة، كالتمثيل مثلاً. وأيضاً مسألة التدخين للفتاة في الأماكن العامة وغيرها قد خضعت لتلك التأثيرات فبتنا نراها  لكن مع التحفظ الشديد لدى البعض، إلاَ أنها صورة منتشرة في المجتمع كالأرجيلة أيضاً.

حتى موضوع اعتراف الفتاة بحبها للشاب مع أنه وكما أعربت بعض الفتيات في الاستطلاع المذكور يعتبر عيباً بالنسبة للفتاة، إلاَ أنه لم يعد كذلك لعدد غير قليل منهن تحت مسمى الحرية والحق الشخصي، أو الصدق مع الذات والمشاعر، ويندرج في هذا الإطار مسألة التحرش اللفظي التي كانت محصورة بالشباب تجاه الفتيات، إلاَ أننا نرى اليوم ويُروى لنا عن فتيات يقمن بهذا الفعل ومن أعمار وشرائح متعددة..!!!

وهناك عيوب كانت تكبل الفتاة في مجال العمل، كمهنة السكرتيرة، أو النادلة في مطعم أو مقهى، باتت اليوم في إطار اللاعيب. فكيف تبدلت النظرة والمفهوم ذاته بين الأمس واليوم..؟ وما الأسباب وراء هذا التغيير..؟؟!!

تأتي في مقدمة الأسباب وكما قلت التغيرات الطارئة على المجتمع منذ انتشار الفضائيات ودخول المجتمع عالم الانترنيت، إضافة للوضع الاقتصادي والمعاشي وما يتبعهما من فقر وبطالة تفرض على الإنسان القيام بأي عمل يساعده على العيش ولو بالحدود الدنيا( العمل بالإعلانات، السكرتارية، التمثيل والغناء، النادلة وما إلى ذلك..) وأيضاً لا ننسى وجود الرغبة العارمة عند الشباب في الظهور والنجومية دون الوقوف عند رأي الأهل- خصوصاً طلبة الريف الدارسين في المدن الكبيرة- يُضاف إليها استسهال أعمال ذات مردود مادي معقول، والابتعاد عن ممارسة أعمال تتطلب جهداً فكرياً أو عضلياً- إن وجدت- لتلبية احتياجات الدراسة والمعيشة.

وأخيراً لا نستطيع نفي تطور الوعي الاجتماعي لدى البعض ونظرته وتعامله إن كان مع الفتاة أو مع بعض المهن طالما أنها لا تتعارض مع الشرف والكرامة، بل هي منقذاً لهما في ظل ظروف اقتصادية ومادية( البطالة) بالغة التعقيد.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة arabissues@yahoo.com