زوج محنط  

زكية علّال

Zakia66bl@yahoo.com

Jul 17,2007


 

                                           رسائل تتحدى النار والحصار  
 
                                
                  

        لست أدري من أين تسلل اليقين إلى نفسي وصدقت أنه عاد !!

        وعدني أنه سيعود مع أول سفينة تبحر نحو انكسارى ، فصدقت أول صورة تقف عند عتبة خيبتي ...

فتحت عيني في منتصف ذات ليلة فلمحت ظله يمتد إلى وسط الخيمة ... أزحت الغطاء عن جسدي المتعب ونهضت من فراشي مفزوعة ، مذعورة لأجد نفسي في مواجهة وجهه الذي لم يفارقني يوما ، نعم ... إنه عبد الله ، لا زلت أذكر أني وقفت نصف ساعة مشدوهة ، ثم رحت أتحسس وجهه ، عينيه ، شفتيه ... أحسست أن شيئا ما تغير ، سألته :

-         عبد الله ، لماذا تغير لون وجهك ؟

قال لي : الشمس- في المنفى – تطلع بطيئة ، باردة ، وتغيب بسرعة .

سألته : عبد الله ، لماذا تغير صوتك ، فيه بحة مزعجة .

رد قائلا : لم أذق طعم زيت الزيتون منذ غادرت الخيمة .

سألته مرة أخرى : أين حرارة حروفك ؟ أين ذاك الدفء الذي كنت أعشقه على شفتيك وأنت تحدثني ؟

أجابني بعصبية لم أتعود عليها : الحرارة والدفء قتلهما الرصيف البارد الذي كنت أتمدد عليه في المنفى .

ورحت أردد كالتائهة : أحس أن شيئا ما ضاع من وجهك ،من عينيك ، من شفتيك ...نعم فاطمة كانت هنا ... صورتها كانت معلقة في عمق عينيك فأين هي ، لا أراها الآن .

ويجيبني ببرودة قاتلة : انزلقت من عمق عيني ليحضنها قلبي .

شيئا فشيئا ، بدأ الخوف يتراجع عن صدري وهمست له : آه ... سامحني يا عبد الله ، غيابك عني جعلني أتخيل أمورا لا أساس لها من الصدق ... ادخل أيها النبض الذي لم يغادر صدري ، فالخيمة باردة من دونك .

دخل بتردد ، كان يتأمل كل شيء داخلها كأنه يراها لأول مرة .

-  اجلس يا عبد الله .

هكذا قلت له وقد أنستني حرارة اللقاء أمورا كثيرة لم أنتبه لها .

جلس الزوج العائد من غربة طويلة ... كان صامتا ... لم يسألني لماذا الخيمة مقفرة ، لم يسألني عن أحد من أبنائه ، اعتقدت أن عناء السفر أخرسه ... بعد ليلة واحدة رحت أحدثه عن أولاده ... حدثته عن استشهاد وفاء ، وكنت أنتظر أن يصرخ ، أن يذرف دما ، لأنه يحب وفاء كثيرا ، لكنه ظل على صمته ... عندما حدثته عن عائشة نظر إلي بدهشة وقال: من عائشة ؟

-         عائشة ابنتنا الكبرى ، لقد كانت بألف رجل ، إنها الآن في المنفى ، ألم تلتق بها ؟ ألم تصادفها في إحدى الممرات الباردة ؟

    لم يجب .

حدثته عن زيد ، الابن المدلل ، أصبح لا يدخل الخيمة إلا متسللا ، فهو مطارد لأنه يدافع عن حريته بحجارة من أرض الأنبياء .

يا ألله ... إنه لا يتذكر شيئا ... حدقت في عينيه وسألته : ألم تلاحظ ما ضاع مني ؟

أحسست أن السؤال فاجأه ، فراح ينظر إلى وجهي ، ثم حرك رأسه كأنه يريد أن يتذكر، مسح جبهته بيد باردة مرتجفة وقال : لا أذكر ... لا أذكر ...

-         ضفائري التي كنت تعشقها يا عبد الله ... لقد اغتصبوها ... قالوا إنها تعطيني قوة وصبرا.

-         اعذريني يا فاطمة ... أمور كثيرة نسيتها ... أنت تعرفين أنهم هناك يغسلون العقل والقلب .

  لم أكن أملك إلا أن أصدقه ، حتى أسفرت الحقيقة عن وجهها البشع ... كان ذلك عندما فاجأتني دورية عسكرية ذات فجر ... تحسست مكانه بجانبي فإذا بيدي تنغمس في فراغ .

يا إلهي ... لقد فر هاربا ، تركني بين أنياب الوحوش وخرج متسللا كاللصوص .

 ساعتها أصبحت أعيش شبه الحقيقة أنه ليس عبد الله ...

عبد الله لم يكن يهرب ، بل كان يغلق عليّ في صدره ليحميني من النار ... كان يطبق عليّ بين جفنيه ليبعد عني العار ويحضنني بين جنبيه ليخفف عني وجع الحصار .

بعد شهر واحد قرأت الحقيقة في الصحف الناطقة بالفرنسية والإنجليزية وعرفت أنه لم يكن عبد الله ...

هذا الذي دخل خيمتي واعتقدت أنه قاسمني ملح وجعي ، لم يكن زوجي .

بعد شهر آخر قرأت في الصحف الناطقة بالعربية أن زوجي ينام في أكبر مخابر العالم ، فقد حنطوا جسده وسرقوا عينيه ، شفتيه وحتى قلبه  وأعضاء كثيرة منه ثم زرعوها في جسد رجل غريب – فزراعة الأعضاء تتم بنجاح كبير –

زرعوا أعضاء عبد الله في جسد رجل  آخر ثم أوفدوه إلى خيمتي لأسكت إلى الأبد ، فصراخ رسائلي بات يزعجهم ويقضّ مضاجعهم .

فلمن أكتب أوجاعي بعد اليوم ؟ !!

                                                                     


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net