لست أدري من أين تسلل اليقين إلى نفسي وصدقت أنه عاد !!
وعدني أنه سيعود مع أول سفينة تبحر نحو انكسارى ، فصدقت أول صورة تقف عند عتبة خيبتي ...
فتحت عيني في منتصف ذات ليلة فلمحت ظله يمتد إلى وسط الخيمة ... أزحت الغطاء عن جسدي المتعب ونهضت من فراشي مفزوعة ، مذعورة لأجد نفسي في مواجهة وجهه الذي لم يفارقني يوما ، نعم ... إنه عبد الله ، لا زلت أذكر أني وقفت نصف ساعة مشدوهة ، ثم رحت أتحسس وجهه ، عينيه ، شفتيه ... أحسست أن شيئا ما تغير ، سألته :
- عبد الله ، لماذا تغير لون وجهك ؟
قال لي : الشمس- في المنفى – تطلع بطيئة ، باردة ، وتغيب بسرعة .
سألته : عبد الله ، لماذا تغير صوتك ، فيه بحة مزعجة .
رد قائلا : لم أذق طعم زيت الزيتون منذ غادرت الخيمة .
سألته مرة أخرى : أين حرارة حروفك ؟ أين ذاك الدفء الذي كنت أعشقه على شفتيك وأنت تحدثني ؟
أجابني بعصبية لم أتعود عليها : الحرارة والدفء قتلهما الرصيف البارد الذي كنت أتمدد عليه في المنفى .
ورحت أردد كالتائهة : أحس أن شيئا ما ضاع من وجهك ،من عينيك ، من شفتيك ...نعم فاطمة كانت هنا ... صورتها كانت معلقة في عمق عينيك فأين هي ، لا أراها الآن .
ويجيبني ببرودة قاتلة : انزلقت من عمق عيني ليحضنها قلبي .
شيئا فشيئا ، بدأ الخوف يتراجع عن صدري وهمست له : آه ... سامحني يا عبد الله ، غيابك عني جعلني أتخيل أمورا لا أساس لها من الصدق ... ادخل أيها النبض الذي لم يغادر صدري ، فالخيمة باردة من دونك .
دخل بتردد ، كان يتأمل كل شيء داخلها كأنه يراها لأول مرة .
- اجلس يا عبد الله .
هكذا قلت له وقد أنستني حرارة اللقاء أمورا كثيرة لم أنتبه لها .
جلس الزوج العائد من غربة طويلة ... كان صامتا ... لم يسألني لماذا الخيمة مقفرة ، لم يسألني عن أحد من أبنائه ، اعتقدت أن عناء السفر أخرسه ... بعد ليلة واحدة رحت أحدثه عن أولاده ... حدثته عن استشهاد وفاء ، وكنت أنتظر أن يصرخ ، أن يذرف دما ، لأنه يحب وفاء كثيرا ، لكنه ظل على صمته ... عندما حدثته عن عائشة نظر إلي بدهشة وقال: من عائشة ؟
- عائشة ابنتنا الكبرى ، لقد كانت بألف رجل ، إنها الآن في المنفى ، ألم تلتق بها ؟ ألم تصادفها في إحدى الممرات الباردة ؟
لم يجب .
حدثته عن زيد ، الابن المدلل ، أصبح لا يدخل الخيمة إلا متسللا ، فهو مطارد لأنه يدافع عن حريته بحجارة من أرض الأنبياء .
يا ألله ... إنه لا يتذكر شيئا ... حدقت في عينيه وسألته : ألم تلاحظ ما ضاع مني ؟
أحسست أن السؤال فاجأه ، فراح ينظر إلى وجهي ، ثم حرك رأسه كأنه يريد أن يتذكر، مسح جبهته بيد باردة مرتجفة وقال : لا أذكر ... لا أذكر ...
- ضفائري التي كنت تعشقها يا عبد الله ... لقد اغتصبوها ... قالوا إنها تعطيني قوة وصبرا.
- اعذريني يا فاطمة ... أمور كثيرة نسيتها ... أنت تعرفين أنهم هناك يغسلون العقل والقلب .
لم أكن أملك إلا أن أصدقه ، حتى أسفرت الحقيقة عن وجهها البشع ... كان ذلك عندما فاجأتني دورية عسكرية ذات فجر ... تحسست مكانه بجانبي فإذا بيدي تنغمس في فراغ .
يا إلهي ... لقد فر هاربا ، تركني بين أنياب الوحوش وخرج متسللا كاللصوص .
ساعتها أصبحت أعيش شبه الحقيقة أنه ليس عبد الله ...
عبد الله لم يكن يهرب ، بل كان يغلق عليّ في صدره ليحميني من النار ... كان يطبق عليّ بين جفنيه ليبعد عني العار ويحضنني بين جنبيه ليخفف عني وجع الحصار .
بعد شهر واحد قرأت الحقيقة في الصحف الناطقة بالفرنسية والإنجليزية وعرفت أنه لم يكن عبد الله ...
هذا الذي دخل خيمتي واعتقدت أنه قاسمني ملح وجعي ، لم يكن زوجي .
بعد شهر آخر قرأت في الصحف الناطقة بالعربية أن زوجي ينام في أكبر مخابر العالم ، فقد حنطوا جسده وسرقوا عينيه ، شفتيه وحتى قلبه وأعضاء كثيرة منه ثم زرعوها في جسد رجل غريب – فزراعة الأعضاء تتم بنجاح كبير –
زرعوا أعضاء عبد الله في جسد رجل آخر ثم أوفدوه إلى خيمتي لأسكت إلى الأبد ، فصراخ رسائلي بات يزعجهم ويقضّ مضاجعهم .
فلمن أكتب أوجاعي بعد اليوم ؟ !!
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |