| حوار مع القاصة الجزائرية زكية علال |
حـاورتها / نـوّارة لـحـرش |
|
Sep 14, 2007 |
القاصة الجزائرية زكية علال :
( النقد هو أزمة الأدب الجزائري وسبب تأخـره )
( الإحساس بالفقد هو وحده الذي يصنع جمالية النص )
زكية علال قاصة جزائرية لها حضورها الجميل في المشهد الأدبي الجزائري ،منذ أن
أصابتها لعنة / أو نعمة الكتابة وهي متلبسة بالهم الوطني و العربي علنا لا سرا ،فلهذا
الهم حيز كبير في كل كتاباتها وقصصها ،حيز طاغ بامتياز. صدر لها حتى الآن في فن
القصة " وأحرقت سفينة العودة " عن رابطة إبداع الثقافية و " لعنة المنفى" عن دار
يحيي للكتاب و لها قيد الطبع كتاب بعنوان " رسائل تتحدى النار والحصار" وهو عبارة
عن مجموعة مقالات نشرتها في موقع
قضايا عربية ، وحاليا تشتغل على روايتها الأولى
التي ستدشن بها مملكة فن السرد الروائي ، في هذا الحوار تتحدث زكية علال عن الفن
السردي وعن القصة التي ترى أنها رصد لمشاعر وانفعالات وأزمات ورؤى لا تنتهي مع نقطة
النهاية. وعن قضايا وهموم أدبية وعربية وعن الفرح الذي لا يصنع نصا جميلا وعن الوجع
/ الفقد الذي يصنع النص الجميل .
حاورتها / نـوّارة لـحـرش
** : لنبدأ من الفن السردي الذي يسكنك والذي تمارسينه و بالتحديد الفن القصصي ،ماذا
يمثل لك ،ماذا يؤثث فيك و ماذا تؤثثين فيه ؟
** زكية علال : إذا أخذنا التأثيث بمنطق أن ما قبله كان فراغا وخرابا فإن فن السرد
الذي يسكنني وأمارسه في أعمالي القصصية إنما يؤثث لتشوهات نفسية واجتماعية ورثناها
مع ملامحنا، السرد هو جواز سفري إلى عالم أطمح أن يتغير،هو نقطة ضوء ساطعة ألج من
خلالها إلى تفاصيل صغيرة في حياتنا اليومية لكنها تشكل الإنسان فينا. السرد يؤثث في
داخلي حلما من رخام ، وأنا أأثث به لمنطق الحوار .
** : قصتك " لعنة القبر المفتوح " كانت من القصص الأربعة الفائزة في مسابقة "
العربي " و إذاعة بي بي سي البريطانية ،كيف تلقيت هذا الفوز؟ وهل استدرجك إلى الفخر
والشعور بالغبطة؟
** زكية علال : الفوز في حد ذاته لم يكن غايتي ، ولا قيمته المادية ، بل هو إحساس
بالرضا لوجود نقاد وكتاب تعاملوا مع نصي كفعل معزول ، فلا علاقة بيني وبينهم سوى
هذا النص الذي كان جسرا عبروا به إلى المعنى الحقيقي للقصة وجوهرها ، رغم أن القصة
تعبر عن وجع جزائري خاص لكنها وصلت إلى قلوب وعقول الآخرين لتثبت لي أن الهم العربي
نسخة واحدة تتكرر..هل تصدقين.. كلما فزت بجائزة أحس أني شامخة أمام نفسي ، متواضعة
أمام شموخ الآخرين.
** : الكاتب السوري يحي الصوفي صمم و أنشأ لك موقعا خاصا يضم كتاباتك ،هل يمكن
اعتبار هذا كاحتفاء أو تكريم معنوي ، ولماذا برأيك الكاتب الجزائري لا يهتم
بالتكنولوجيا وبخلق فضاءات أوسع لكتاباته ؟
** زكية علال : هل تصدقين ؟، عندما انفتحت على الآخرين من خلال الشبكة العنكبوتية
أدهشتني آراؤهم حد الإنبهار ، وكأنني كنت أجهل ذاتي وقدراتي ، وعندما نظرت في
وجوههم عرفت نفسي.. الكاتب السوري يحيى الصوفي أنشأ لي مساحة خاصة أنشر فيها أعمالي
، وكان يقول عني دائما بأني مناضلة الحرف ، أما الكاتب الأردني صلاح مومني فقد قال
عني وهو يقدمني لقراء موقع قضايا عربية : " كاتبة إنسانية بمؤهلات خاصة جدا، تمتلك
قلما نادرا، تعيش آلام أمتها فتتحدث عنها بإسهاب " وفي الموقع ذاته خصص لي هذا
الكاتب جناحا خاصا أنشر فيه رسائل تتحدى النار والحصار،شبهته بالجناح الخاص الذي
يكون في الفنادق للشخصيات والأمراء .. كم هو جميل أن تكون ملكا بتاج حروفك !! أما
الذي أدهشني حقا هو الشاعر والقاص المصري إبراهيم سعد الدين الذي استطاع في فترة
قصيرة أن يندس بين جلد حروفي وعظم وجعي ، فلا يكاد يقرأ لي عملا أدبيا حتى يكتب عنه
بشكل يجعلني أحس أنه كان حاضرا لحظة الولادة الأولى ، بل لحظة تَشَكُّل الفكرة في
رحم الحروف، وعندما فكرت يوما في التوقف عن كتابة رسائل تتحدى النار والحصار التي
كنت أنشرها في موقع القصة السورية ، كتب قائلا : " ومن غيرك يا زكية سيغمس قلمه في
جرحنا ويكتب عن أوجاعنا العربية " أثرتْ فيّ جملته هذه ، وعدت لكتابة هذه الرسائل
مرة أخرى ، هذه الشهادات وغيرها أعتز بها وأشعر نحوها بالمسؤولية والإستمرار في
الكتابة .
طبعا ، هذه الشهادات كلها جاءت موقعة على الشبكة العنكبوتية ، هذه التقنية العصرية
السريعة جدا في الترويج للأدب ومد جسور التعارف بين الكتاب والمبدعين ، ما زلنا نحن
لا نعرف كيف نستخدمها لصالحنا ولا كيف نتعامل معها .
** : كقاصة ما الذي يمكنك قوله عن فن القصة القصيرة في الجزائر ، هل هي حداثية حقا
، أم مازالت منضوية تحت غيمة الكلاسيكية ؟،هناك من يرى هذا ، ويرى أن قلة فقط من
كتبوا بأساليب مغايرة حديثة و حداثية بعيدا عن الكلاسيكية؟
** زكية علال : هناك شريحة كبيرة من الكتاب الجزائريين يكتبون القصة القصيرة،ومن
خلال تتبعي لكتاباتهم ألاحظ أنها تتجه نحو الحداثة بعد أن كانت تُكتب بطريقة
كلاسيكية تعتمد على العقدة والحل، الطريقة الحديثة لا ترى في العقدة والحل من
العناصر الأساسية في العمل القصصي . القصة هي رصد لمشاعر وانفعالات وأزمات ورؤى لا
تنتهي مع نقطة النهاية ، بل قد تبدأ عندها . والقصة في الجزائر بدأت تأخذ هذا
التوجه الذي تؤكده أقلام احترمها وأحب أعمالها .
** : ماذا عن النقد عندنا ،هل هناك مواكبة نقدية للفن القصصي بشكل جدي ،أنت كقاصة
هل راضية عن المقالات التي تناولت أعمالك لحد الآن؟
** زكية علال : النقد هو أزمة الأدب الجزائري وسبب تأخره ، حيث لا توجد مواكبة
نقدية لا في القصة ولا في الشعر ولا الرواية ، حتى ما يُكتب أحيانا في الصحف هو
قراءات حميمية من بعض الأصدقاء والصحفيين الذين يريدون حفظ ماء الوجه بمقالات تكتفي
بعرض العمل الأدبي دون الدراسة النقدية التي تعتمد على مقاييس علمية مدروسة .
يؤسفني جدا أن كثيرا من الأعمال الأدبية الراقية لكتاب جزائريين تنتهي عند ولادتها
الأولى ، لأن العمل الأدبي يولد مرتين ، المرة الأولى عندما يكتبه صاحبه ، والولادة
الثانية عندما يتناوله النقاد بالدراسة والتحليل فيمنحونه عمرا أطول وأوسع .
** : أنت أكثر الكاتبات الجزائريات تذمرا من الوطن/بالوطن وحال الوطن ، هل الوطن
جارح إلى هذا الحد؟
** زكية علال : كم كان موجعا أن أكتشف بعد أربعين سنة أنني كنت داخل وطن يسكنني ولا
أسكنه ، وطن نجح إلى حد بعيد في أن يورثني ألما ، تشتتا ، انكسارا وخيبة ، ولكنه
فشل في أن يلملمني ويُرمِّمَ ما تصدع خلال هذه السنوات العجاف ،ويضمد جراحات ظلت
تتسع،كم كان قاسيا أن أكتشف أني عشت على هامش وطن اندس بين جلدي وعظمي وامتزج بدمي
إلى درجة أني ربطت نهايته بنهايتي وقلت للمقربين مني وأنا أعيش قلقي على مصيره خلال
العشرية الماضية : " إذا توقف قلبي ذات يوم ورحلت عن هذا العالم فذلك لأن الوطن مات
على صدري وعجزت أن أفعل شيئا أنقذه به " كان هذا ردا على الكاتب الطاهر يحياوي الذي
قال عني يوما " زكية تهرِّب الوطن في صدرها "..اليوم اكتشفت أن صدري ظل عامرا بوطني
،وصدره كان دائما مفرغا مني.
** : هل ستظلين وفية للقصة القصيرة ،أم ستطرقين الرواية قريبا طرقا حارا وطازجا ؟
** زكية علال : الوفاء ثابت أساسي في تكوين شخصيتي..أنا وفية إلى درجة التورط
أحيانا ، وفية للوجوه ، للأمكنة ، للنبضات .. بل قد أكون وفية لوجه عابر ، لابتسامة
دثرتني ذات يُتم تاريخي ، لنبض خفق مرة ورحل ، لكن ما يريحني أن وفائي دبلوماسي ولم
يكن يوما سجنا لاختياراتي ومشاعري ،كذلك بالنسبة لاختياري للأجناس الأدبية. وفائي
للقصة القصيرة لا يمنعني من كتابة الرواية والشعر ، فالقصة أحيانا يتمرد عليك
أبطالها ويريدون أن يمنحوا لأنفسهم عمرا أطول فلا تملكين سوى أن تحوليها إلى رواية
، كما يحدث معي الآن ، حيث حولت قصة قصيرة كتبتها منذ سنوات إلى رواية لأن أبطالها
ظلوا يعيشون معي زمنا طويلا ورفضوا أن يبرحوا أماكنهم لأحداث وأبطال آخرين فمنحتهم
عمرا إضافيا في الرواية لينتهوا .
هل أعترف لك بسر ؟ ربما لا يعلمه أحد إلا عائلتي ؟ أنا بدأت حياتي الأدبية بالرواية
، حيث كتبت أول رواية وعمري ثلاث عشرة سنة ، ثم كتابة المسرحيات التي كنا نمثلها في
المدرسة ، ثم الشعر، لأستقر في حضن القصة ، أو تستقر هي في حضني ..لا فرق .
** : ماذا عن المشهد الأدبي عندنا ، كيف ترينه أو كيف تقرئينه ؟
** زكية علال : المشهد الثقافي عندنا ألخصه لك في جملة قد تبدو قاسية لكنها الحقيقة
، الأدباء عندنا موزعون بين الغرور والإنكسار. فئة تعتقد أنها وصلت إلى مرتبة
الأدباء الكبار فركبها الغرور ولم يعد يهمها إلا البريق والأضواء والتهافت على
الألقاب فتاه منها صدق الكلام ، وفئة أحناها التهميش وكتمت على أنفاسها مركزية
الثقافة، فخفت صوتها وانطفأ سحر حرفها.
** : هل لحظة الكتابة عندك لحظة وعي أم لحظة حلم ؟
** زكية علال : أنا لا أحلم ، ولم أحلم يوما بكاتباتي .. أنا أكتب بوعي كبير وجارح
وهذا ما يجعل الوجع ظلا ثابتا لنصوصي ، العربي لم يذق طعم النصر منذ زمن بعيد ،
يعيش هزائم ممتدة ، والمنهزم لا يليق به أن يحلم لأنه لن يرى نفسه إلا جسدا يهوي في
جب عميق. فالأحلام انعكاسات للواقع، تؤلمني نظرة الآخر إلينا ، هذا الآخر الذي يقول
أن كل عربي يمكن أن يكون رشاشا معبئا بالرصاص فاجتنبه أو أَبِدْهُ أينما وجدته،
ويمكن أن يكون برميلا معبئا بالنفط فاستنْفِذْهُ حتى آخر قطرة فيه ثم دحْرِجْهُ إلى
هاوية،ولكنه لا يمكن أن يكون إنسانا !! توجعني هذه الإبادة الجماعية للعرب في
فلسطين والعراق .
** : أيضا ، الكتابة ماذا تعني لك ، وهل ترمم خراب الذات الذي يشترك فيه الكثير
ربما ؟
** زكية علال : لم تكن الكتابة عندي – يوما – ترفا ولا ترفيها ولا تنفيسا عن
اضطرابات وعقد نفسية ، لو تعلق الأمر بالترفيه لوجدت وسائل عصرية عديدة أُروِّح بها
عن نفسي وأمنحها سعادة ولو مؤقتة، ولو كنت أبتغي ترفا ففعل الكتابة لا يؤدي إليه ،
أما لو كنت أتخذها وسيلة للتنفيس عن عقد نفسية فإن الجلوس إلى طبيب نفساني أصلح
وأقوم ، الكتابة هي وعي بكل المهالك التي تحيط بنا وتهز تاريخنا وجغرافيتنا ،
بالكتابة نلقح أنفسنا ضد الانهيار ، لولا الكتابة لما استطعنا أن نواصل حياتنا
بتوازن وسط هذا التشتت والتفرق والخيانات الرسمية وغير الرسمية داخل خرائط عربية
تتآكل يوما بعد يوما، أنا لا أكتب لكي أرثي ما ضاع من هذه الأمة ، بل لكي أحافظ على
القليل الذي تَبَقىَّ منها !! ولا أكتب – أيضا – لتكون لي منزلة بين الأدباء الكبار،
و لكن لكي تكون لي مساحة تحت الشمس لا أحس فيها بالخوف.
** : قلتِ: " كلما كانت خيبتي كبيرة كلما أحسست أني أريد أن أكون قوية في نصوصي
وإبداعاتي " هل الخيبة الكبيرة هي الدافع دوما للإشتغال أكثر بجمالية وإبداعية في
الكتابة؟
** زكية علال : الفرح لا ينتج نصا جميلا ، الإحساس بالفقد هو وحده الذي يصنع جمالية
النص ، هل كان جميل بثينة ومجنون ليلى وغيرهما ممن أبدعوا في الغزل سيهدوننا هذه
الروائع لولا إحساسهم بأنهم فقدوا من أحبوا ؟ هل سمعت عن شاعر يبدع غزلا في امرأة
أحبها وتزوجها منذ سنين ؟!!..شعراء المهجر هل كانوا سيهدوننا هذه الرومانسية
الحالمة التي غرقنا فيها في مرحلة ما من عمرنا ، لولا إحساسهم بفقدان الوطن والأحبة
؟. والإحساس بالخيبة أقسى من الإحساس بالفقدان ..إذا لبسك الإحساس بالخيبة يعني أنك
فقدت الكثير ولم يتوقف الأمر عند رجل أو امرأة بل يتعداه إلى الأرض والتاريخ
والإنتماء والأمان .
** : ما جديدك القريب؟
** زكية علال : رواية أنهيت كتابتها الأولية والآن هي في طور المراجعة والتنقيح
التي قد تأخذ شهورا أخرى .
** : في الأخير هل تقولين شيئا خارج مجال الأسئلة ؟ ليس قبرا مفتوحا ولا جرحا
مفتوحا، ربما حلما مفتوحا أو فرحا مفتوحا؟
** زكية علال : بالحبّ نستطيع أن نؤثث تأُثيثا جميلا لكل هذا الفراغ الذي يمتد فينا
، عندما نحب بعضنا البعض يكون بإمكاننا أن نَعْبُرَ على كل مدن الخراب التي تأسست
في زمن مضى .
وبعيدا عن القبر المفتوح ،والجرح الفتوح هناك فرح لبسني هذه الأيام وقد نسجه لي
الكاتب الفلسطيني زياد الجيوسي المقيم في رام الله عندما أخبرني أنه يقرأ أعمالي
الأدبية " رسائل تتحدى النار والحصار " التي أنشرها في بعض المواقع ، وأنّـه يوزعها
على الأصدقاء لقراءتها. أحسست بفرح كبير لأنها كانت غايتي ، فمنذ بدأت كتابة هذه
الرسائل وأنا أحلم أن تصل إلى غزة ورام الله وكل الأراضي المحتلة .. وهاهي قد وصلت
وعبرت النار والحصار كما كنت أحلم !!
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |