|
غزة...أرض العزة |
|
|
Feb 14, 2008 |
الجزء الثاني.....على ثراها
الجزء الثالث.... في ربوعها
قبل أن أصل مدينة رفح المصرية، وتحديداً في الشيخ زويد أجريت اتصالاً هاتفياً تحسباً لانقطاع التغطية، تحادثت مع عائلة زميلتنا في رفح، اخبرت اخاها أني على وشك الوصول، أكد أنه سيكون بالانتظار، لكن بسبب شدة الازدحام والحواجز وصلت بعدها بساعات.
غادرت سيارة الأجرة عند بنك الاسكندرية، وتراءت بوابة صلاح الدين أمامي، اتكلت على المولى عز وجل، الأمطار تنهمر وموجات بشرية تتدافع باتجاهين، من فوق السور الحديدي وبقفزات معدودة. دخلت أرض الوطن، أخيراً على ثرى فلسطين الحبيبة.
اللحظة الأولى، الخطوة الأولى، اللقاء الأول، آه كم طال هذا اللقاء، أه كم انتظرته، الآن يتحقق جزء منه، فرحة كبرى لا تكتمل إلا بالتحرير الكامل والعودة إلى مدننا وبلداتنا وقرانا وأرضنا الأصلية، في يافا وحيفا وعكا والناصرة وصفد والرملة وبيسان وطبرية واللد وإلى أصغر خربة على أرضنا الحبيبة. اليوم.. الاربعاء 30/01/2008 الرابعة مساء، يوم لن أنساه ما حييت، يوم عانقت أرض الوطن، يوم كان اللقاء.
امتزجت حبات المطر مع دموع الفرح، شعرت حينها كأني أحلق في الفضاء، وأنا اقف بثبات على الأرض. كنت أنظر حولي كمن ضل الطريق بعد أن وجدها. ها هي غزة تضمني وتجمعني بأهلها المرابطين الصابرين. تذكرت قصيدة في القدس لتميم البرغوثي، تذكرت حلمي، شريط من الأحلام المؤجلة مرت بسرعة البرق. أحقاً وصلت؟ نعم انها الحقيقة، شكراً لك يا رب على كرمك.
كنت مبتلاً،كانت أرجلي غائصة في حنّاء الوطن، تراب غزة الممزوج بالمطر والمعطر بدماء الشهداء، لكن رغم ذلك كنت أشعر بالدفء، دفء من نوع آخر، إنه دفء في حضن الوطن، دفء الأرض الذي استشعره لأول مرة، دفء الجذور والانتماء، وقفت وسط الجموع الهادرة مشدوهاً مسبوهاً، توقف الزمن عندي.
العمر كله مر بثوان، آلاف من حولي رأيتهم بثياب ناصعة البياض رغم اختلاف ألوان ملابسهم، خلته بداية الفتح العظيم، كصورة فتح مكة، لكن نحو القدس بإذنه تعالى، كنت أطوف العالم وأنا في مكاني، كل شيء يتحرك وأنا ثابت، ربما ظن البعض أني أبله، أو أني ضللت الطريق، لكني كنت أشبع ناظري من كل ما حولي، وجدتني ابتسم، ثم ضحكت، لا أدري لماذا تذكرت عبّاس وهو يتهم اللاجئين الفلسطينيين في الخارج بعدم الوطنية، لان ارجلهم لم تتغبر بتراب الوطن، يعايرهم وكأن الأمر برغبتهم وارادتهم، ضحكت وقلت بصوت عال، انظر يا عبّاس لمن جاءوا من كل حدب وصوب لا ليغبروا أقدامهم، بل ليعانقوا الثرى الطاهر، ليغوصوا فيه، ليتبركوا به، ليتشرفوا بالانتماء اليه. ابتسمت مرة أخرى وتساءلت، يا ترى هل مشى عبّاس يوماً على تراب الوطن؟ أم أنه يتجول بسيارته حيث يسمح له بالحركة؟ لا أعرف الاجابة – أو ربما أعرفها، لكني لن أفسد اللحظة بتذكره وأمثاله.
لوحة جميلة حيّة، لم أكن قد خطوت إلا بضع خطوات، كانت كافية أن تمنحني طاقة قوة وصلابة ويقين، بأننا شعب لن ينهزم ولن يلين بإذنه تعالى، دعوت من أعماق قلبي أن يكتبها الله لكل عاشق لوطنه ينتظر كما انتظرت، كنت أردد في سري : ليتكم ترونها كما أراها...
من بين آلاف الأصوات حولي سمعت من ينادي ويتساءل: أبو عمر؟ التفت إلى جهة الصوت، لم أكن أعرف صورة من ينتظرني، لكن من تقاسيم الوجه والشبه بينه وبين أفراد عائلته عرفته، كان ضخماً طويل القامة، شكله أضاف بهجة للحدث المشرق، هي هكذا تلك اللحظات يرى المرء فيها كل شيء له آلالاف المعاني، في غزة أرض العزة، الصغيرة بجغرافيتها، العظيمة الكبيرة العملاقة بفعلها. لا أعرف كيف استطاع أن يميزني وسط تلك الجموع، تعارفنا وتعانقنا، أهلاً بك في رفح، اتجهنا حيث كانت تنتظرنا سيارة لأحد اقاربه، حياك الله أخي الحبيب واعتذر عن طول انتظاركما، هكذا بدأت، لكن الأسارير المنفرجة والترحاب الأصيل كان رده.
تجرأت وطلبت: هل من الممكن شراء شريحة جوال لاستخدامها هنا، "ان شاء الله" كان الرد، لكن الفعل كان بسرعة الرد. توقفت السيارة، لحظات وكانت الشريحة معي، آلمني أن أدفع قيمتها بما يعادل 120 شيكل، لماذا الشيكل؟ ألم يكن الدينار والجنيه هو العملة المتداولة قبل بركات أوسلو؟ ما علينا! ما أعظم هذا الخٌلق الطيب الذي قابلته في كل زاوية من زوايا قطاع غزة.
الطريق كان مليئاً ببرك المياه والحفر، عرفت أنه لا توجد شبكات صرف، لكن الاعتماد على الصرف السطحي، اي بالجاذبية، ومن كان حظه في مكان منخفض عليه أن يتحمل ويستعد للسباحة!. مرة أخرى جال بخاطري سؤال: أين هي انجازات السلطة الموقرة والمليارات التي استلمتها؟ ليس هذا وقته يا رجل، دعنا منهم ومن سيرتهم، ولتكن تلك الأيام جميلة بكل ما حملت من معان.
في منزل الأسرة الكريمة في مدينة رفح قابلت والدتهم والأحفاد، حديث ذو شجون واطمئنان عن أحوالهم وأحوال أهلهم في الغربة. الساعة الرابعة والنصف تقريباً، جلسنا دون كهرباء، في جو شديد البرودة، لدرجة أن بخار الماء كان يخرج من أفواه من يتكلم، ونحن داخل المنزل. ظننت أني قادم من بلاد البرد، فوجدت برداً أشد وأقسى، زادت برودته إجراءات الحصار الظالم وانقطاع الكهرباء وانعدام التدفئة.
هل تأذنون لي بالوضوء، سؤال لا معنى له
واجابته بديهية، لكني سألته على أي حال، وما
أن بدأت بالوضوء، حتى ارتجفت من شدة برودة
الماء، كأنه ثلج مذاب، كان الله في عون أهلنا،
وقاتل الله من يحاصرهم ويتآمر عليهم كائناً من
كان.
بعد تلك اللحظات المثيرة، وبعد أن وصلت وأديت صلاتي، جاء دور الأهل ومن ينتظر الأخبار بمزيج من القلق والاثارة. اتصلت بزوجتي، تحدثت مع أبنائي، أرسلت عدة رسائل عبر الهاتف لأصدقاء، ملخصها جميعاً: ليتكم معي، ليتكم معي. بعدها اتصلت برجل فاضل عرفته والتقيته في موسم الحج العام الماضي، كنا نتواصل دائماً عبر شبكة الانترنت، أصر على المجيء في التو واللحظة، قلت له "طول بالك دوبني واصل"، أجاب لا بأس ليصف لي أخونا العنوان. كان له ما أراد، ختم بقوله "أنا في الطريق اليكم"، وما هي إلا ثلث ساعة وكان قد وصل.
جلسنا جميعنا نتناول الطعام الذي أعددته الحاجة، على ضوء الشموع، تبادلنا أطراف الحديث، وباصرار والحاح لمرافقة القادمين إلى خان يونس، تركنا رفح وأهلها الأكارم، هكذا هم أهل قطاع غزة لا مهرب من ضيافتهم وكرمهم إلا إليه.
الطريق إلى خان يونس لم تكن سهلة، مستنقعات وبرك المياه في كل مكان، ممرات يطلق عليها طرق، حفر وانهيارات، حتى الطريق الرئيسي كان في حالة يرثى لها، أعني طريق صلاح الدين الشهير، مظاهر العدوان في كل مكان، لكن رغم ذلك، ورغم ما يعانيه أهل غزة، رأيت الوجوه باسمة مستبشرة، الكل يلوّح "السلام عليكم"، كيف لا وهم على الأرض المباركة، هنيئاً لهم.
خان يونس كانت كرفح، بدون كهرباء، برد شديد، كرم وحسن ضيافة، وجوه مستبشرة مرحبة، وخلال لحظات كان أكثر من عشرة اشخاص يسألون ويستفسرون عن الرحلة والطريق، عن أهلهم واخوتهم في الشتات. معنويات الجميع كانت في السماء، بل لا أبالغ أنها معنويات تفوق معنوياتنا، وإصرار على الحق والثبات.
التفت أحد الحضور وقال: "بصراحة احنا بنعتب عليك يا دكتور"، قبل أن يكمل عرفت مقصده، فبادرته: "قصدك موضوع الاتجاه المعاكس عالجزيرة وحكاية المنطقة الشرقية من خان يونس"، ضحك الجميع وقالوا "نعم"، هنا تساءلت وهل عرضت إلا وقائع وتحليلات مبنية على المتابعة؟ نعم نعم كنا نمازحك، لكن الموضوع تطور إلى السؤال عن مستجدات القضية التي رفعها دحلان حول هذه الجزئية تحديداً، وأبدى الجميع استعدادهم التام للادلاء بشهاداتهم وتوثيق كل ما يتعلق بالأمر. شعور صادق وهام، وقد يكون أكثر أهمية في مراحل قادمة من القضية التي أكدت لهم أنني سأواجهها حتى النهاية إحقاقاً للحق.
تأخر الوقت، لم نشعر به، والحضور يزدادون، لكن القوم لديهم أعمالهم في الصباح، انطلقوا على بركة الله، وبدأت الدعوات تنهال: "بكرة الغدا عندي"، "لا عندي"، "اسمحولي يا شباب هالمرة عندي"، "طيب اذا الغدا صعب خليها عالعشا"، "ما راح نقبل أعذار"، كرم قل مثيله، ودعوات صادرة من القلب لا مجاملات، حفاوة ميّزت كل من قابلت وتركت أعظم الأثر في نفسي.
ما رأيك أن تخلد للنوم؟ تساءل مضيفي، قلت لست هنا كي أنام "النوم ملحوق عليه"، أريد أن أعيش متعة كل لحظة على أرض فلسطين الغالية. كان مخططي الأساسي أن أصل صباحاً وأن أغادر مساء بسبب ظروف المعبر والتزامات العمل وغيرها، لكن هيهات فالأمر لم يعد ملكي، وبرامج الزيارات قد ثُبتت وغير قابلة للنقاش،ها قد تغير المخطط وقررت المبيت فلا أقل من أن استغل اللحظات، ولا أنكر أنني في حقيقة الأمر كنت أتمنى أن أبقى متحيناً العذر لذلك.
فيما يشبه السحور الساعة الثانية بعد منتصف الليلة، دخلت "صينية" عليها طعام العشاء، لم يكن عشاء عادياً، مكوناته جميعا "بلدية" أي من إنتاج أرض غزة، الطماطم، البصل، الفول، الزيت، الزيتون، حتى الخبز كان معداً بالمنزل، ما ألذ الطعم وما أروعه من إحساس. لم أكن جائعاً عندما بدأنا الأكل، لكن حقيقة أن الطعام كان من أرض الخير جعلني آكل وبشهية. هي فرصة ربما لن تتكرر بسهولة، اللهم بارك في أرض فلسطين وبارك في رزقها.
كان لابد من الراحة قبل صلاة الفجر، وضعت رأسي على الوسادة، راجعت شريط الأحداث لليوم الماضي، كيف كانت اللحظة الأولى واللقاء الأول والخطوة الأولى، طمأنينة غريبة شعرت بها، وسكينة ملأت قلبي وعقلي ونفسي. لماذا تغالبني دموعي مرة أخرى؟ انها دموع الفرح والسعادة، دموع من يقضي ليلته الأولى في أحضان وطنه العظيم، ومع هذه الأفكار والمشاعر، ومع التفكير في الغد، الغد هو يوم آخر، وجولة أخرى، غلبني النعاس وكم كنت أتمنى أن لا يزورني النوم أبداً خلال رحلتي الأولى إلى فلسطين الحبيبة، لكني نمت.
الجزء الثالث.....في ربوعها
فجر الخميس 31/01/2008 وبعد صلاة الفجر، بدء نهار جديد يكمل رحلتي الأولى، فهذا الفجر الأول في غزة الأبية، بعد أن كان مساء الأمس اليوم الأول واللحظة الأولى والخطوة الأولى، فجر هادىء بعد ليلة عاصفة بالرياح والأمطار، صباح جميل يبشّر بيوم مشمس مشرق، يوم سأتعرف فيه على قطاع غزة لأربط بالبصر ما عرفته بالخبر.
بعد افطار غزيّ شهي، انطلقنا إلى طريق صلاح الدين في اتجاه مدينة غزة، الطريق ليس بحاجة لصيانة بل لاعادة اعمار ورصف كامل، وضعه سيء وبالتأكيد لم تنفق عليه أية أموال لسنوات، ومع ممارسات الاحتلال وجرائمه من هدم وتجريف لكم أن تتخيلوا وضع الشريان الرئيسي الواصل بين جنوب القطاع وشماله. طريق صلاح الدين يبدأ من بوابة صلاح الدين على الحدود المصرية ويمتد بطول القطاع حتى بيت حانون، مخترقاً المدن والمخيمات الرئيسية، ترى أين ذهبت الأموال التي كان من المفترض أن تصرف على تحسين البنية التحتية؟ ألا يستحق قطاع غزة ما يليق به وبتضحياته؟!.
مررنا على ما كان يسمى مجمع غوش قطيف الذي كان يخنق مدينة خان يونس، بعد الخروج من خان يونس مباشرة أشار من معي الى آلات وآليات صناعية مدمرة لمصنع كان للأسمنت، دمرته همجية المحتل دون ذنب إلا للانتقام من عملية جرت بقربه، ما زالت آثاره تشهد على المحتل وجرائمه، ثم مررنا بمحررة كفار داروم، هنا منطقة المطاحن حيث كان حاجز أبو هولي، الحاجز الذي كان يرمز لعربدة المحتل ومحاولات اذلال شعبنا، عليه كانت تقف السيارات لساعات طوال في انتظار أن يمر مغتصب من الشرق للغرب أو بالعكس، اليوم لا وجود للحاجز، لكن تبقى ذكرياته الأليمة.
هذه المغازي على يميننا ودير البلح عن شمالنا، دقائق ونمر بالبريج يمنة والنصيرات يسرة، أسماء نعرفها ونحفظها ونتابع أخبار رجالاتها وبطولاتها، أراها اليوم ماثلة شامخة أمامي، هذه مناطق ومخيمات الصمود والعطاء، في كل حجر فيها قصة، وفي كل ركن رواية، وفي كل زاوية حكاية، لكنها تبدو حزينة، الحركة فيها بسيطة بسبب نقص الوقود، مياه الأمطار تجمعت وتملأ المكان، السيارة عليها أن تناور الحفر وبرك المياه حتى لا تسقط في إحداها، آثار الدمار واضحة، وكذلك آثار الاصرار.
ها هي مدينة غزة تلوح مبانيها في الأفق، المباني المميزة لها، لطالما شاهدتها على شاشات التلفاز، ما أجمل ذلك الشعور وأنا أحدث نفسي، أخيراً في غزة، "يا سلام". اليوم سأسير فيها وأتحدث اليها ولأهلها، اليوم سأستمتع بهوائها وأجوائها ، لحظات وكنا في قلب غزة، هو هكذا قطاع غزة صغير بمساحته، والتنقل فيه سريع سريع، لكنه كبير في قلوبنا وفي عيوننا، لا يمكن أن نحتويه ونحتوي تاريخه المبدع.
مدينة غزة غارقة في الظلام، وعلمت أن غزة أقل حظاً من غيرها بالنسبة لعدد ساعات انقطاع الكهرباء، المحلات إما مقفلة، أو نصف مفتوحة تغشوها الظلمة، لكنها منيرة بأهلها، رغم ذلك الناس يبتسمون، يتحلقون أمام المحال وعلى زوايا الطرق ليتبادلوا الأحاديث. أطفال باعة متجولون يملؤون الطرقات، سلعتهم الرئيسية السجائر، وأهل غزة مغرمون بنوعين من السجائر: مارلبورو وال ام، لا أحب التدخين ولا السجائر لكني استفسرت، الأطفال ينادون بخمسة شيكل بخمسة شيكل، فهل هذا سعر اعتيادي، قال من معي في السيارة كان سعر "الباكيت" 18 شيكل قبل "الفتحة" مع مصر، اذن انخفض سعر العلبة من 18 الى 5 شيكل، ورغم كرهي للسجائر إلا أني اعتبرت ذلك دلالة على تحسن الظروف الاقتصادية وانعكاس سعرها على باقي السلع، وهو ما أكده من تحدثت معهم لاحقاً.
الظاهرة الملفتة أكثر من غيرها، والتي ادهشتني واستوقفتني كثيراً، منذ انطلاقنا من خان يونس وقبلها من رفح وحتى وصولنا إلى مدينة غزة، هي أني لم أشاهد مسلحاً واحداً، لا وجود لحواجز على الطرقات، لا نقاط مراقبة على المفترقات، لا حراسات ولا آليات، ولا أي نوع من المظاهر المسلحة، كنت أتخيل أني سأجد القطاع عموماً، ومدينة غزة خصوصاً ثكنة عسكرية، تخيلتها كالفاكهاني في بيروت غابة من السلاح والحواجز، أو على الأقل هكذا كانت تبدو للمتابع عبر الفضائيات. استذكرت ما تنشره المواقع الصفراء عن الخوف والارهاب والميليشيات المسلحة، تذكرت ادعاءاتهم أن الناس لا تغادر بيوتها خشية على حياتها، أين الميليشيات وأين المسلحين؟ لا أثر لهم في أي مكان، هو الأمن والأمان في كل مكان، لا يستوقفك أو يزعجك أحد، حقيقة وشهادة أسجلها باعجاب.
في شوارع غزة البشر والحجر ينطق ويحكي قصته، كل جدار سُجل عليه تاريخ حافل بالأحداث. ما أجمل أن يكون المرء بين أهله وفي بلده، ما أروع أن يقرأ التاريخ على صفحات الوجوه، وعلى جدران المكان والزمان مباشرة دون وسيط، هنا كذا وهناك كذا، تفاصيل كثيرة يصعب حصرها، قصص يفخر أهل غزة بها، يروونها بتفاصيلها، تعيشها معهم وكأنك عايشتها.
البداية ويا للعجب كانت مع مقر الأمن الوقائي السابق في تل الهوى أو تل الاسلام، لم أختر البداية ولا أعرف لماذا كانت هناك، لكنها لخصت وضع قطاع غزة الجديد، المقر سيء الصيت والسمعة الذي كان مركزاً للاعتقال والتعذيب والتآمر، المقر الذي سقط فيه الضحايا ومنه خرجت فرقة الموت، من منا لا يعرفه؟.اليوم يقف هذا المجمع الضخم بأسواره خاوياً تذروه الرياح بلا حياة. تجرأت وسألت الوحيد الذي يقف عند بوابته "هل يمكننا الدخول؟"، نظر وتردد ثم أجاب "لا أحد ليصحبكم إلى داخله"، "لا عليك هي جولة في الخارج دون دخول المباني"، على مضض سمح لنا بالدخول إلى ساحات الوقائي، لم يعد الدخول مرعباً كما كان لأهل غزة، حسب المثل "الداخل مفقود والخارج مولود"، ساحات فارغة إلا من بقايا أثاث محطم، أبواب ونوافذ بلا أطر، مصير توقعه الجميع للمبنى ومن كان يديره، لكنه مصير أحزنني!.
هذا المنظر المهيب جعلني أتساءل: لماذا لا يتم تحويل هذا المبنى أو المجمع واستغلاله للفائدة العامة، معهد دراسي أو متحف وطني، أي مؤسسة مفيدة تحتاج لمثل هذا المكان الكبير بمبانيه وغرفه الكثيرة؟.بقاء المقر كما هو خسارة لأهل غزة، كما أن مجرد التفكير بعودة الأمور كما كانت أو اعادة المقرات الأمنية كما يطالب حكّام محمية المقاطعة في رام لله جريمة لا تغتفر، ولا يجب أن تقبل بذلك الحكومة في غزة، اياكم والعودة للوراء ولأيام القمع والتنكيل، إياكم أن تخذلوا شعبنا الذي تنفس الصعداء، وأن تسمحوا للرموز البائدة بالتحكم في مصير شعبنا، وأن تقبلوا بشروط من انغمسوا في الفساد والافساد، وأن تعود الى غزة تلك الزمر وأوكارها.
استمرت الجولة على باقي المقار الأمنية، الحال لا يختلف كثيراً، لكن أمر آخر لفت انتباهي، الشعارات المكتوبة والصور المرسومة على جدران تلك المقرات هي من لون واحد، قيادات رحلت من فصيل بعينه، شعارات تمجد حركة بعينها، وكأنها مقرات حزبية لفصيل واحد، ما زالت الشعارات والصور كما هي لم تمح من قبل الحكومة، دلائل على حصرية وتبعية تلك الأجهزة لمن اختطف القرار الفلسطيني، ثم يحدثونك عن الشراكة والوحدة والاقصاء والكراسي، لا عجب لماذا كانت تلك الأجهزة سبب الفوضى والفلتان، ولا عجب أن أنهارت تلك الأجهزة الحزبية بهذه الطريقة، ولا عجب أن يجلس أفرادها اليوم في بيوتهم يتلقون رواتبهم!.
ألا يوجد في غزة إلا المقرات الأمنية؟ الحقيقة أن ما كان يسمى بالمربع الأمني هو منطقة كبيرة جداً تمتد من وسط المدينة وحتى شاطيء البحر، وفيها مساكن للضباط وأبراج تتبع هذا الجهاز أو ذاك وغيرها، وهي منطقة شهدت أكثر الأحداث دراماتيكية يوم 14/06/2007، لكن بالتأكيد غزة ليست كلها مقرات أمنية.
على أطراف تلك المنطقة تقف الجامعة الاسلامية شامخة، تجاورها جامعة الأزهر، جامعتان شقيقتان لا تجتمعان، فرقتهما الأحداث، أو هكذا كانتا. تذكرت الهجمة الشرسة والهمجية التي مارسها حرس عبّاس العام الماضي، وعمليات التخريب والحرق. دخلت الجامعة الاسلامية، كانت تخلو من الطلاب فالوقت اجازة، آثار الحرق ما زالت شاهدة، "حرس الرئيس مر من هنا" مكتوبة في أكثر من مكان. جامعة جميلة منظمة راقية، عمال الصيانة في كل مكان، ترميم وطلاء وتجميل فوق الجمال لتأخذ زينتها من جديد، كيف لا وهي مدرسة الرجال والقادة.
كنا على موعد بعدها مع منزل الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، حيث كان يسكن، هذا هو المسجد الذي كان يصلي فيه، وهنا استهدفته صواريخ الغدر بعد صلاة الفجر من يوم 22/03/2004، رحمك الله يا شيخ أحمد وأسكنك فسيح جناته مع الأنبياء والشهداء والصديقين، لروحك الطاهرة نقرأ الفاتحة، منزله كأي منزل آخر بسيط لا يميزه شيء. خطر ببالي خاطر: لننطلق نحو بيت عبّاس أو ما يسمى بالمنتدى، أريد أن أقارن بين منزل الشيخ رحمه الله ومنزل عبّاس!.
المنتدى المذكور يقع مباشرة على شاطيء بحر غزة، له مدخل ومخرج، مبنى جميل تحفه الحدائق، مقر يليق بقائد شعب فلسطين، لكنه لا يليق بأن يصبح وكراً لقطاع الطريق، هكذا على الأقل كان في أيامه الأخيرة، انطلقوا منه لمهاجمة وحرق المنازل المجاورة، ولبث الرعب في نفوس الآمنين، وهو ما اعترف به سميح المدهون بنفسه وصوته، وهو من تمترس في المنتدى وهرب من بحره.
المنتدى اليوم بلا سكان، محافظ عليه، غير مسموح بدخوله، في انتظار ما تسفر عنه الأيام القادمة من تفاهمات، لكن المقارنة وقعت: شيخ جليل وقائد عظيم يسكن في بيت عادي، وما يشبه القصر يصبح مقراً لمن ..... لن أفصّل.
المحطة التالية كانت منطقة الرمال، أفخم مناطق مدينة غزة، أراد من معي المداعبة فأوصلونا إلى منزل هناك وقالوا "هذا منزل دحلان انزل اتفرج وخدلك صورة"، لكن صاحب المنزل ورغم أن بيني وبينه قضاء ومحاكم غير موجود، لن أدخل منزلاً دون استئذان حتى وان كان منزل دحلان، هذه أخلاقنا وهكذا تربينا، أم أخلاقهم فهذا شأنهم. كنت أتخيل منزل الشوا قصراً لكنه عبارة عن فيلا جميلة بجدرانها البيضاء، مهجورة دون أبواب أو نوافذ وبلا علامات مميزة إلا عبارة كتبت على مدخلها تقول: "هنا كان يسكن الأصفر ابن الأصفر".
من هناك توجهنا إلى مقر المجلس التشريعي، وبعد الحصول على الموافقات دخلنا الى مبنى التشريعي الجديد الذي تعطل إكمال وإتمام بنائه بعد وقف ميزانيته العام الماضي، ليكتمل اليوم، مبنى جميل وحديث يقف بجوار المبنى القديم الذي بنته مصر ابان ادارتها لقطاع غزة، كان داخله مظلماً بلا كهرباء، صعدنا درجات السلم ووصلنا إلى مكتب د. أحمد بحر النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي، استقبلنا بحفاوة، كان صائماً فاليوم هو الخميس لكنه قدّم لنا القهوة والتمر، تحدثنا عن الأوضاع وآفاق المستقبل، عاتبني بحنان على قسوة قلمي، قبلت منه ذلك بكل محبة، ودّعنا د. بحر حتى باب المجلس بتواضع جم، بعد أن أمتعنا بحديثه وكلامه.
الساعة تعدت منتصف النهار، يرن الهاتف، المتصل يعلمنا: السيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء سيلتقيكم تمام الواحدة والنصف في منزله، خبر مميز كنت انتظره.
أقمنا صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً في مقر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ثم الاستعداد للتحرك، والانطلاق نحو مخيم الشاطيء حيث يقطن السيد اسماعيل هنية للقائه، وكان اللقاء المرتقب...
|
تم طباعة هذا المقال من موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |