حالة فلسطينية ... صمود وكفاح

د. أسامة عثمان 

O_shaawar@hotmail.com 

April 27, 2007


 

   في فلسطين هذه الأيام ضيق في المعاش ، وغضب ، استفزازات على الحواجز الاحتلالية المتكاثرة كالفطر ، وترقب ... اعتقالات ليلية ، وآمال تعقد بالإفراج عن عدد من الأسرى ، ثم تخيب .

   في القطاع الصحي تعثر ، وأحيانا شلل . وفي التعليم تقطّع وترهّل ؛ فالمعلمون الذين لم تنتظم رواتبهم ، كما غيرهم ، منذ ما يزيد عن سنة ، تتسرب إلى نفوسهم أحاسيس مختلطة ، بين الوفاء بواجباتهم ، وإنقاذ العام الدراسي ، من جهة ، واستحقاقات ضرورية تتراكم ، وتُلاحِق ، من جهة أخرى . وهم إذ يخوضون إضرابا تلو الإضراب ، يدركون أنه لا يؤثر كثيرا ؛ لأن الأمر في صرف رواتبهم ، كما غيرهم ، ليس مرهونا بإرادة السلطة ، بقدر ما هو في قبضة جهات دولية معروفة .

    وعلى الصعيد السياسي ، مراوحة في  المكان ، فلسطينيا ، وتأزم عند كيان يهود السياسي ، أصوات فلسطينية مثقفة تنادي بحل السلطة ... وأولمرت ما زال يعاني آثار حربه المخفقة على لبنان ...

 

    المهم أن النسيج الاجتماعي  أضحى مهددا بالتهتك ؛ فما من مدينة ، أو بلدة ، أو قرية ، أو مخيم ، إلا وتنتابه مظاهر الفلتان الأمني ، على تفاوت بينها ، حتى صار المرء يلحظ ميلا واضحا من بعض العائلات  وأصحاب المصالح إلى التسلح ؛ تحسبا لأي اعتداء ، لا يجد المتورط فيه عقابا مضمونا ، ولا يردعه من السلطة رادع . وقد تفاقمت المعاناة بمجىء السلطة التي ما كانت لتحرير فلسطين ، ولا قامت بما تكون من أجله السلطات والدول ، بل أغرت بعض الناس بوهمها الخادع ، فتدافعوا لنيل حصص تافهة ، نعم فقد وجدت في عهد السلطة مشاكل ومخاوف لم تكن من قبل ...

 

             هذه بعض الصور على السطح ، فماذا عن الأعماق ؟

 

   كثيرا ما نسمع على ألسنة الناس أن نصيب أهل فلسطين من المعاناة يفوق طوق العبارة ، وأن لا أحد يستطيع أن يصبر على ما يصبرون عليه ؛ ذلك أن هذه المعاناة المتضخمة ككرة الثلج ، بل ،  قل ، ككرة النار، ليست وليدة اللحظة ، إنها ببساطة أطول معاناة في هذا العصر ، أجيال متلاحقة ، لم تشعر بالحياة الطبيعية ، تختلس الحياة اختلاسا ، من فم الحروب والتشريد والحصار والأسر والاعتقال ...

    وبالرغم من ذلك ففي شعب فلسطين مقومات للصمود لا تنضب ، أرقاها وأقواها مقوّم العقيدة ، وما ينتجه من مفاهيم وصفات ، لعل أولها ، وأكثرها لزوما ، الرّباط الذي يحمل في طيّاته معاني العناد والتحدي والمغالبة ، وهي المعاني المشدودة إلى شعائر الدين ، كالصلاة والجهاد ، فهم ينظرون إلى صمودهم أمام كل مظالم المحتلين وأذاهم الحاقد ، على أنه ضرب من العبادة المستدامة والجهاد الصامت .

   وتأتي بعد ذلك صفات طبيعية في شعب فلسطين ، هي فيه أوضح من غيره ، تلكم هي العناد وسعة الحيلة ، ورفض الاستكانة أو التسليم ، ولعل من جليّات الدلائل على ذلك ، هذا الصمود الأسطوري الذي يتواصون به جيلا بعد جيل ؛ فتراهم كلما أُغلق في وجوههم باب ، فتحوا بالحيلة والعناد أبوابا .

 

نموذجان على الصمود والكفاح :  

 

   فها هي مدينة نابلس ، مثلا،  تخضع لحصار مشدد ومتواصل منذ بداية انتفاضة الأقصى  29 / 9 / 2000م والاحتلال يأمل بذلك أن يوقع ضررين بعمل واحد ؛ الأول : الإضرار بمدينة نابلس ، وهي المدينة التي تتمتع بثقل سكاني كبير في شمال الضفة الغربية ، وهي في الوقت عينه معقل مهم من معاقل المقاومة التي لا تلين ، والثاني يتمثل في إلحاق الضرر بها بوصفها مركزا تجاريا وتعليميا وغيرهما لمنطقة الشمال ببلداتها وقراها ومخيماتها ، ما يجعل توجه أبناء تلك التجمعات إلى نابلس مغامرة غير محسوبة ، ورحلة عناء مفتوحة على احتمالات شتى . وبالرغم من ذلك لم تسكن حركة نابلس ، ولا توقف المحيطون بها عن الذهاب إليها والإياب .

 

   ونموذج آخر يتمثل في مدينة  قلقيلية ، وهي الزراعية بالمقام الأول ، تتاخم ما يعرف بخط الهدنة الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 48م والمحتلة عام 67م ، وهي أقرب المدن الفلسطينية إلى " إسرائيل " موغلة إلى الغرب إلى حد يؤرق ذاك الكيان ، وهي فوق ذلك تقع على حوض من أحواض فلسطين المائية ،ولهذين السببين ؛ القرب والماء ، استهدفتها الدولة الغاصبة أكثر من غيرها ؛ فخنقوها ، وجردوها من مقوماتها المادية للعيش خنقوها حين أحاطوها من الغرب بالجدار الفاصل ، ومن سائر الجهات بالسياج، فأصبحت ، وبلا مبالغة ، سجنا صغيرا .  وجردوها من مقوماتها ؛حين اغتصبوا  خيرة أراضيها خصبا واتساعا وسهولة  عام 48م ؛ فلم يتبق لأهلها، حينها ، سوى قطع متناثرة يعوزها الخصب وتغلبها الوعورة ؛ فلم ييأسوا ، أو يسلموا ، بل نهضوا بإنجاز رائع تمثل في حفر آبار ارتوازية عديدة ؛ فاستحالت تلك الجبال بساتين زيتون وكروم عنب ، وشجّروا في أراضيها أنواع الفواكه والحمضيات ... فغدت سلة غذائية مهمة لمنطقة الشمال ، بل الضفة وغزة . فلم يَرُقْ هذا الوضع للاحتلال ؛ فلاحقهم على تلك الأرض المتبقية ، فضرب حولها سياجا محكما ؛ جعلها في حكم المعدومة ، وصيّر الوصول إليها عسيرا ، وأحيانا خطيرا ؛ حينها  تنبأ بعضهم بالقول : إنها ستكون المدينة التي يهجرها أهلها طوعا ؛ فخيبت قلقيلية آمالهم ،  وما لانت لأهلها قناة ، ولا ثناها ذلك  عن البحث عن سبل أخرى للعيش والصمود .  

 

   هذان مثالان ، لعلهما ، أقل تمثيلا ، لحالة الصمود والكفاح من غيرهما ، وإلا فمثال غزة  والمخيمات ، أشهر من أن يشهر ، وهم الذين أقل ما يقال فيهم  أنهم يعيشون حياة لا تليق بالشرط الإنساني ، ومع ذلك تراهم أشد تحديا ، وأقوى شكيمة .

 

    وبعد ، فالمراقب المدقق ، لا يقلقه كثيرا ما يطفو على السطح من مظاهر عارضة ؛ لأنه يطمئن ويركن إلى البنية العميقة لهذا الشعب في صيرورته جزءا من أمته الإسلامية ، وتشبثه بآثار عقيدته ، وإجادته التوصل إلى حلول إبداعية خلاقة تتلاءم وطبيعة التطورات التي يستشعرها بذكائه الفطري وحسه الجمعي .

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net