|
شجرة
الخروب |
د. أسامة عثمان |
|
Feb 16, 2007 |
تتجذر حاجزة بين الجبل البري ، والأراضي المشجّرة المروية ، وإلى الجنوب القريب
منها شجرتان مثلها، لكنهما بريتان ؛ ولعزلتهما النسبية ، كثيرا ما كان يأوي إليهن
طير الحمام ، الذي ينسب إليهما ، متأمل يميل إلى الوداعة الزائدة .
وعلى عكس تينك الشجرتين شجرتنا ؛ أليفة عامرة مثمرة ، تتهدل فروعها حتى تفترش الأرض
وتلاصقها . نَظَر إلى جذعها الذي غدا بفعل الزمن جذوعا ، لكنها تتسق في كينونة تلك
الكبيرة التي ما تزال تعاند الهرم ؛ فتطلق في كل عام أغصانا وفروعا نضرة ، تحاول
بها رفع همتها التي يخشى عليها بخوار جذع، أو يباس أغصان . لكني أكاد أجزم أنها
كانت تأنس بنا وتستقوي بجلساتنا وأحاديثنا ، في ظلها الخميل ، وعلى ترابها المتماسك
. أتراها كانت تتوجس مثلنا من عيون المستوطنين ؟! بالرغم من انتفاء ما يدعو إلى
القلق باستثناء ما حدث أيام طفولتنا ، إذ لفت انتباهنا خرق لصمت الحياة العادية ؛
طواقم من المدنيين الإسرائيليين قاموا بما تبين أنه عملية مسح شاملة للأراضي
الزراعية المتاخمة لحدود بلدتنا الشمالية وحتى الأرض المحتلة عام 48م ؛ قاموا يومها
بوضع علامات على الصخور ، وثبتوا في بعض النقاط أوتادا من حديد ، تخوف الناس ،
لكنهم مضوا في أراضيهم ومشاريعهم الزراعية التي أخذت في التطور ، وازداد احتفاء
الناس بأراضيهم ، فاستصلحوا منها ما استطاعوا .
كأن الفلاحين منا ، كانوا يحاولون التعويض بهذه الأرض، عما افتقدوه من أراضيهم
المغتصبة عام 48م ، تلك التي كانت سيدة الخصب ، والبركة ، ودفق العطاء ، رحبة
كرحابة الأيام والأحلام لقد كانت هي الأرض. فلما ضاعت ... رجع الناس إلى هذه
الأراضي الجبلية ، قطعا متناثرة . فحفروا في صخورها آبارا ارتوازية ، فغدت تلك (القطاين
) والجبال خضراء مثمرة بشجر البرتقال والزيتون وكروم العنب وأنواع الفواكه والخضار
والحبوب ، فدبت فيها للناس حياة جديدة ، بعد أن كادت تذهب مع تلك الذاهبة .
ولم يكد الجيل الثاني يترعرع في هامش الأرض المتوجسة ، وعينه على الأرض المغصوبة ،
حتى ندد صوت الخطر ، وبسرعة ، ودون تعويق ، تغيرت معالم المنطقة ، فضاعت الطرق ،
وصارت وديانا غائرة ، كأنما خسفت ، ثم وقفت في وجوه الناس أسيجة إلكترونية ، وسيرت
بمحاذاتها ( جيبات) عسكرية ، أوحشت المنطقة ، وأرهبتها . نعم ، لقد صدق توجس الناس
والشجر ، وسرى في هذا الجزء ما قد سرى في الأجزاء السابقة ، وما توقف ...
أسير اليوم في شوارع البلدة ، وأنا محروم من رؤية تلك ( الخروبة) أنظر في تراب
البلد الباقي ؛ فأتساءل ما سر هذا الأخذ بمرأى التراب ورائحته ونداه ؟! أوفاء للأصل
؟ّ أم رثاء وقلق ؟! أم هو استبقاء للباقي ؟!
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |