|
إسرائيل تشد الخناق على نفسها |
بروفيسور عبدالستار قاسم |
|
Feb 21, 2008 |
ارتكبت إسرائيل خطأ استراتيجيا كبيرا باغتيالها الشهيد عماد مغتنية لأنها حرمت نفسها من الخيارات المتاحة، وأفقدت ذاتها فرصة المبادءة الحربية والإعداد لما هو قادم. ربما سيطر على عقول قادتها الرغبة في الثأر السريع الجزئي لترميم بعض ما فقدوه بعد هزيمة 2006. وستنكشف الأيام القادمة عن أزمة حقيقية صنعتها إسرائيل لنفسها، وستجد إسرائيل أنها قامت بعمل يتيح لحزب الله مجالا واسعا للمناورة على الرغم من كرهه للاغتيال الذي حصل.
باتت إسرائيل بعد 14/آب/2008 مهزومة وفاقدة لقوة الردع التي اعتمدت عليها في تخويف العرب وإلحاق الهزائم السريعة بهم، وباتت تفكر وتعمل بدأب وجدّ من أجل التغلب على الثغرات الحربية والتكتيكية التي برزت أمامها، والتي لم يظهر ما يشبهها في تاريخ حروبها. برزت مشكلة تحييد الطيران الحربي من خلال تكتيك حزب الله العسكري، وتم تدمير الدبابات وتحييد سلاح البحرية وإسقاط السمتيات. وفوق ذلك خاضت إسرائيل حربا بدون علم، وكانت كل أذرعها الأمنية عاجزة عن توفير المعلومات لخوض حرب ذكية.
قطعا إسرائيل ومعها أمريكا بحاجة إلى الوقت لتطوير تقنيات عسكرية جديدة تتجاوب مع الدروس التي استفادتها من الحرب مثل صناعة قنابل خارقة جديدة وتطوير تصفيح جديد للدبابات. لكن المشكلة الكبيرة وهي مشكلة المعلومات تشكل العقبة الأكبر والتي لن تجد حلا بسبب الإحكام الأمني لحزب الله.
كان أمام إسرائيل خياران: إما أن تنتظر حتى تتوفر المعلومات وبذلك تمنح حزب الله المزيد من الوقت لتدعيم قواته وتحديثها، أو أن تبادر إلى حرب لا تقدر على توجيهها ولا تتكهن بنتائجها. خياران يحتاجان إلى تفكير طويل ومتكرر وإلى نقاش مستمر على المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية.
بالنسبة لحزب الله، انتصار تموز 2006 كان انتصارا ساكنا، ولا بد من تحقيق انتصار متحرك إذا كان لوجه المنطقة أن يتغير. المحيط العربي لم يستفد من انتصار حزب الله، وما زال، في أغلبه، حريصا على تصوير حزب الله بالمهزوم وإسرائيل، رغم أنفها، بالمنتصرة. ومن المؤكد أن أغلب الأنظمة العربية تتعاون مع إسرائيل من أجل إلحاق الهزيمة بحزب الله الذي يتطلع إلى تغيير وجه المنطقة.
باغتيالها لعماد مغنية فتحت إسرائيل الأبواب أمام حزب الله لتنفيذ عمليات عسكرية وأمنية ضدها مما سيجبرها على الرد ومن ثم إلى الإنجرار إلى حرب لم ينضج الإعداد لها. واضح من تصريحات السيد حسن أن الحزب مستعد للحرب بمفاجآت جديدة والتي أظن أنها تبدأ بدفاع جوي محكم يشل حركة الطيران الحربي، ومستعد أيضا لزحف بري. قال السيد حسن إن الحزب سيواجه إسرائيل في المرة القادمة بعشرات الآلاف من المجاهدين مما يعني أنه لن يحارب حربا ساكنة. الحرب الساكنة لا تتطلب عشرات الآلاف، أما الزحف البري في جبهة جغرافية محدودة مثل الجنوب اللبناني فيتطلب عشرات الآلاف بين مهاجم ومساند.
من ناحية تغيير وجه المنطقة، حديث السيد حسن نصر الله دقيق لأن التغيير يتطلب حسما عسكريا بريا واضحا يحرم إسرائيل من قدرتها على الإبقاء على الوضع القائم في الوطن العربي.
إسرائيل ليست مؤهلة لحرب مفتوحة خاصة أمام جبهة لا تشكل منطقة عازلة. من الصعب عليها أن تتحمل رحيل ربع سكانها عن بيوتهم، ومن الصعب على هذا الربع أن يجد مأوى إذا قام حزب الله بقصف منطقة تل أبيب بالصواريخ. من السهل على حزب الله أن يدفع كل السكان اليهود إلى الملاجئ، وأن يجعل كل ركن في إسرائيل غير آمن. وإذا تم تحييد الطيران الإسرائيلي فإن حزب الله سيكون اللاعب المسيطر.
من المحتمل أن حزب الله لم يكن يملك أوراقا كافية قبل اغتيال مغنية للتحرش بإسرائيل عسكريا بسبب الأوضاع الداخلية اللبنانية، وبسبب الهجمة العربية الإعلامية والسياسية على الحزب، لكن الاغتيال فتح باب المناورة والكر والفر أمام حزب الله، وفتح أيضا باب الأخذ بزمام المبادرة. إسرائيل كانت مترددة في استئناف الحرب قبل الاغتيال وحريصة على التدقيق في حساباتها، لكنها الآن أمام طريق لا مفر أمامها إلا الدخول فيه.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |