| سنة لبنان يتنكرون لتاريخهم |
بروفيسور عبدالستار قاسم |
|
Oct 14, 2007 |
لا أتحدث عن كل أهل السنة في لبنان، وإنما عن ذلك الجزء الأكبر الذي يلقي بتاريخ السنة في لبنان على قارعة الطريق ليستقل مركبا تليق مقاعده فقط بمن أعياهم المجد فاستهوتهم القيعان والحفر. كثيرون من أهل السنة هم الذين ينزعون عن أنفسهم الآن ذلك المجد الذي حافظوا به على عروبة لبنان وشموخ لبنان ووحدة لبنان، لينزلقوا إلى ما يتناقض مع ذلك التاريخ الناصع الحافل بالسيرة الحسنة النقية، وإلى ما لا يرتضيه الأجداد الذين أوسعوا أرض الشام شهامة ورجولة وإباء.
أهل السنة الكرام هم من رواد القومية العربية الأوائل، وهم من الذين صاغوا فكرة الوحدة العربية بطريقة لا تنازع الدين الإسلامي، وبطريقة تتآلف مع المسيحيين. هم الذين وقفوا ضد الاستعمار الفرنساوي ودافعوا بشجاعة عن استقلال لبنان، وهم الذين عادوا المشاريع الأمريكية في المنطقة العربية الإسلامية، وساهموا مساهمة مباشرة وقوية في إفشال سياسة الأحلاف الأمريكية، وهم الذين وقفوا في وجه الإنزال الأمريكي في لبنان، وأصروا على بقاء وديمومة الوجه العربي المشرق للبنان.
أهل السنة هم الذين التزموا دائما بوحدة العرب، ودعموا كل التوجهات الوحدوية العربية. كانت صيدا وطرابلس وبيروت على الدوام مشاعل تنير الطريق أمام كل الوحدويين العرب. كنا دائما على تواصل مع أصدقائنا الكرام من آل سعد ومن آل الصلح وآل كرامي وآل الوزان وآل سلام وغيرهم لنستمع منهم إلى آخر نشاطات العروبة في لبنان، وإلى آخر المستجدات التي تتطلب منا العمل والمثابرة على الساحة العربية في مواجهة كل المتآمرين على الأمة. وكنا شبابا نتابع كتابات أهل لبنان ومنشوراتهم لنستلهم من فكرهم وعطائهم وتوجهاتهم.
ألم يقم أهل السنة بتبني قضية فلسطين، وألم يرفعوا دائما شعار تحرير فلسطين؟ ألم يكن أهل السنة من الرافضين لتقسيم أرض الشام، وألم يعتبروا فلسطين امتدادا للبنان، ولبنان امتدادا لفلسطين؟ ألم يحتضن أهل السنة المقاومة الفلسطينية مع غيرهم من اللبنانيين ودعموها في مواجهة كل القوى اللبنانية الداخلية الصديقة للكيان الصهيوني؟ وألم يقدموا دعمهم المطلق لثورة الجزائر وثورة اليمن؟ ألم يكن أمل عبد الناصر الكبير مزروعا في أهل السنة في لبنان؟ ألم تكن لبنان هي مهد الناصرية الثاني بعد مصر؟
أقول هذا ليس لأنتقص من أدوار الطوائف الأخرى في لبنان، وإنما لأذكر أهل السنة بالتاريخ البهي العظيم مقارنة بمواقف نشهدها اليوم. نشهد اليوم بعض أهل السنة يقفون مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ضد حزب الله وكل قوى الممانعة في لبنان، وهم يتحدثون مدافعين عن إسرائيل في مواجهتها للمقاومة في لبنان. وتبدو على وجوههم الابتسامة والفرحة وهم يوهمون أنفسهم بانتصار الصهاينة على حزب الله. لماذا كل هذا؟ لماذا يكره بعض أهل السنة انتصار حزب الله على الصهاينة؟ هل هذا منطق عربي، أو فيه ما يمت إلى الدين الإسلامي بصلة؟
منذ متى يبيع أهل السنة في لبنان أنفسهم للماسونيين ولأصحاب رؤوس الأموال؟ لم نعهد أهل السنة يعرضون أنفسهم بضائع في سوق مزايدات سياسية مغمورة بأموال ظاهرها حريري وباطنها سموم قاتلة تستهدف الأمة وصمودها ووحدتها. هل يُعقل أن يسير أهل السنة خلف شباب نخرت الماسونية عظامهم، ولم يكن لهم أبدا تاريخ نضالي أو سياسي أو وطني؟ وهل يعقل أن يكون المال جذابا إلى درجة يفقد معها المرء نفسه، ويخسر معها تاريخه وتلك القيم الخلاقة التي شكلت رصيدا أخلاقيا متينا ليس للبنان فحسب وإنما للأمة جمعاء.
هل صحيح أن أهل السنة يتحالفون مع سمير جعجع الذي قاتل اللبنانيين والفلسطينيين وسفك دماءهم ورمّل نساءهم وقدم رؤوسهم هدايا للصهاينة؟ سمير جعجع قتل المسيحيين من مختلف الكنائس والمسلمين سنة وشيعة، قتل رشيد كرامي، وشارك في مجازر صبرا وشاتيلا. هل هذا مستواكم يا أهل السنة؟ وهل هذا ما تريدونه يا شباب لبنان الذين ترفعون لواء الإسلام ورايات العروبة؟
أنا فلسطيني، ولم أكن يوما أفكر بأن فلسطين ولبنان عبارة عن قطرين، أو أن شعب لبنان وشعب فلسطين عبارة عن شعبين منفصلين. ودائما أرى المسلم أخا كما المسيحي هو أخ كريم، وأرى في الشيعي مسلما أنافسه على طاعة الله والتسبيح بحمده. دماء أهل لبنان مقدسة كما هي دماء أهل فلسطين مقدسة، لا فرق بين سني وشيعي وبين مسلم ومسيحي. فقط هناك فرق بين وطني لبناني وغير وطني لبناني، بين من ينتمي لهذه الأمة وذلك الذي باع نفسه للصهاينة والأمريكيين، بين من يريد رفع راية لبنان عاليا وذلك الذي يلقي بها تحت أقدام الآخرين.
لبنان هي القطر العربي الوحيد الذي انتصر على الصهاينة، وسطر أول معارك الخلود في صفحات من التاريخ كلها عز وكبرياء، ونحن جميعا علينا أن نحمل هذا النصر في قلوبنا وصدورنا وجوانحنا وسواعدنا وسر أنفسنا وظاهرها لنحقق المزيد من الانتصارات. هذه انتصارات لا تكتمل إلا بزينة شباب أهل السنة الذين تشع وجوههم نورا وإباء وعطاء وشهامة. كلنا أمل في أن يراجع هؤلاء الشباب أنفسهم، وأن يفلتوا من قبضات من طوعوا أنفسهم مطايا لقاء المال والجاه والسلطان، وألا يكونوا أدوات لهؤلاء الأمريكيين الذين لا يرون في الدماء العربية إلا ملهاة يتسلون بها في ميدان القتال وألعاب الحواسيب.
أمريكا ستخسر معاركها الحالية التي تخوضها من أفغانستان حتى لبنان وفلسطين، ومعركة إسرائيل لم تعد معركة إخضاع العرب، وإنما هي الآن معركة وجود. زعماء من السنة الآن يجرون أهل السنة ليكون لهم نصيب من هزيمة الأمريكيين والصهاينة، والعاقل هو الذي يرى الأمور من خلال نفسه وتاريخ أمته، لا من خلال إعلام مغرض وأموال نجسة.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |