في غزة ... ثمة حب يزدهر الآن

ابتسام الزريعي

ibtisam_zraiy@hotmail.com

Oct 17, 2007 


في جنوب غزة ، بالتحديد في احد مخيماتها يحتدم نقاش بين الأم وابنتها : لن تقبل زوجا أجنبيا لابنتها الوحيدة ،وتلعن المرة الوحيدة التي سمحت لابنتها فيها بالسفر إلى فرنسا حيث تركت قلبها وعقلها هناك ، وتستجدى الابنة أمها فقط استقبليه ومن ثم احكمي عليه  يصلح أن يكون زوجا لي أم لا

 

في المساء تتواصل معي صديقتي وتستشيرني في الطرق التي لم تستخدمها حتى الآن لإقناع أهلها باستقباله ، وتسألني عن الإجراءات الرسمية لدخوله غزة بعد أن وصل لفلسطين على مسؤوليته الشخصية في وقت كان كل ضيف أجنبي معرض للاختطاف ، وكل السفارات تمنع مواطنيها من دخول غزة

 

وفى نفس المساء تستنجد بي باعتباري صديقة ابنتها الوحيدة الأم لدعمها في موقفها الرافض من حب ابنتها وانه لا يمكن أن تتواءم العقلية الشرقية مع الغربية، وأمازحها أن الاثنين تعود جذورها لبلدين يشتركان  بنفس الحرف الأول  فلسطين وفرنسا

 في نفس المساء أيضا من حاجز ايرز بلغة عربية فصحى اجتهدت صديقتي في تعليمه إياها جاء صوته يخبرني "أنا سعيد جدا ، أنا قريب جدا ، لن أعود دونها

 

على حاجز ايرز تعلقت قلوبنا ،مثل حبل غسيل في مكان ليس به هواء، وربما هنا فقط تصير ورقة تصريح عبور غزة هواء ثميناً كأنك تطلب استنشاق الجنة بأكملها ، تطلب منه عبر الهاتف العودة إلى فرنسا حتى لا يخسر عمله فيجيبها أن حياته كلها خلف هذا الحاجز وأن لا حاجز سيحول بينه وبين ما يريد ، حين كانت السيدة رويال تستعد لدخول غزة كاستحقاق سياسي ضمن حملتها الانتخابية لمحها فأرسل لها عن طريق احدي الصحافيات قصاصة ورق مكتوب فيها "الحب يقف على حاجز ابرز "ويأتيه التصريح بعد أسبوع مرابطة فى ايرز وصلاة من اجل الحب .

 

في بيتها رغم الرفض من أهلها: يهمس لها بالفرنسية التي لا احد يتقنها غيرها بأنه قادر على إقناع أهلها وانه سينتصر بلغه العيون رغم حاجز اللغة ، وخلال ثمان وأربعين ساعة هي مدة التصريح ،كان الحفل ،  عروس بثوب زهري وإشهار وقراءة فاتحة ، تبعه خروجه من غزة ابن  لعائلة بأكملها وليس عريس لحبيبته وبوعد أن يعود في الصيف لإتمام الزواج.

 

في إحدى الصحف الفرنسية تكتب صحفية فرنسية ـ صدفة أن تكون من أصول عربية التقت به على حاجز ايرز حين كانت ضمن الوفد الصحفي المرافق للسيدة رويال ـ  تكتب  "الحب ينتظر على حاجز ايرز " شاب فرنسي يتعرف إلى إحدى الفلسطينيات ويبهره جمالها الشرقي واهتمامها بقضايا العالم ، يجذبه فيها رائحة التصميم والإصرار وقدرتها على أن تكون مغايرة لكل النساء الفرنسيات اللواتي عرفهن ،  تجمعهم كيمياء الحب  و مازال ينتظر الحب وتلتقط الخبر إحدى القنوات المحلية الفرنسية عبر الهواء وهى عبر الهاتف لتصبح قصتهم قصة روميو وجوليت القرن الواحد والعشرين ويخبرون العالم كيف التقيا

 

 في اللحظة التي باتت غزة لا تعرف نفسها كان هناك حفل زفاف بالثوب الأبيض ذي  التصميم الفرعوني وباقة ورد حرصت أن تكون باللونين الأحمر والأبيض تعلقها بذراعها على شكل كرة وكأنها تحضن الكرة الأرضية ، تتأبط ذراعه في قاعة الرقص بهية وسط جماهير غفيرة جاءت بدافع فضول  وسؤال كيف انتصر الحب ؟ حين احتضنتها همست في أذني أن إخوتها أقاموا له وليمة غذاء وسهرة شباب ورقص في حفلته كأنه عاش عمره هنا

 

  في هذه اللحظة يحترق الانتظار بفعل الأمل  : غادر الزوج غزة بانتهاء آخر دقيقة  مسموح له البقاء فيها بقرب زوجته ، وبقيت هنا ترعى حبها الذي ازدهر،ثم انشطر إلى نصفين ، نصف في فلسطين وآخر في فرنسا وبين هذي وتلك ثمة حاجز مغلق ، وثمة قلبين متقاربين ولا احد يعلم أن كانت غزة ستثور على نفسها مرة أخرى في موعد زفافهما مبرهنة على انتصار قوى الكراهية على المحبة الخالصة..أم سيزهر لوز الزغاريد متوجا حزيران الجديد الذي سيعقد فيه زفافهما بإذن الله..لا أحد يدري ..لا أحد.فهنا غزة.

 

تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com