|
هل أسرف المثقفون؟؟ |
د.حنان فاروق |
|
fisabeelellah@gmail.com |
|
|
Nov 19, 2007 |
بسم الله الرحمن الرحيم
كلما وليت وجهي ويممت شطر موئل ثقافي بعينه وجدت بعض أهله الذين لكلماتهم ثقل إعلامي ووزن أدبي يشيرون بطريقة أو بأخرى للظلامية وخنق الإبداع ويوجهون أصابع الاتهام للسلفية الظالمة والفهم المكبل بأغلال الماضي الذى لم يعد يواكب زمناً يرى أهلوه أن الثورة على كل شيء وأى شيء هي عين التطور والطريق الأمثل لثبات أقدامنا فوق الأرض الجديدة المنتفضة النابذة لكل قديم بال ..ولأننى لست ضد التطور ولست من أهل التشدد دون الاستناد على أسس واضحة قوية ..فأنا محبة للثقافة بمعظم أشكالها وأتطفل على دولة الكتابة علها تقبلني لديها كلاجئة سياسية أو غير سياسية لها حقوق وواجبات وتفاعلات تؤهلها للبقاء فيها فى دائرة احترام القلم والفعل الذي يؤيده ودون إجباري على أن أنتزع خلفياتى ومرجعياتى ككاتبة مسلمة عربية تعشق الحرية وتمقت التطرف..وهذا الأخير هو الذي دخل في مؤخراً سجناً لايستطيع منه فكاكاً وهو سجن مغالطة المفهوم..فالتطرف ليس عنواناً للغلو فى الدين فقط لا غير لكنه يعني أي غلو وتعصب همجي وأهوج لفكرة أو اتجاه ليس لديه أى استعداد للدخول فى محاورة إيجابية من أي نوع من أجل تصحيح الفهم والمسار..وشعاره :
رأيي صواب لايحتمل إلا الصواب..ورأى غيرى خطأ لا يحتمل إلا ذلك..
قد تواردت إلى ذهني تلك الخواطر وأنا أقرأ هنا وهناك حملات مناصرة وتأييد ومقالات وكلمات تبكي على قتل الإبداع وتكبيل يديه التي يجب أن تطلق لتنطلق إلى غزو كل الآفاق دون حدود أو سقوف لدين أو ثقافة أو عادات وتقاليدودون حساب لقدسية أي شيء..فمن حق المثقف-كما يقال- أن يقتحم دون أن يعير انتباهه لعراقيل أوعقبات قد تتسبب في أن يخرج إبداعه-من وجهة نظره-مبتوراً..والحقيقة أن هذا هو عين التطرف في فهم ماهية الإبداع..فالإبداع إنما يتأتى من موهبة وخبرة صاقلة هي الابن البكر وأحياناً الوحيد لنشأة ومرجعية وانتماء..وقد يكون من المقبول أحياناً الثورة على جزئيات دخيلة غزت المرجعيات الأصلية ككيانات سرطانية استطاعت مع الوقت فرض نفسها وانتزاع حقوق وجود زائف وحق اعتراف ببنوتها لأصول تتبرأ منها فى الحقيقة..بيد أن المصيبة هي أن يحدث العكس وتتوجه الثورة لاجتثاث الأصل لا الأبناء غير الشرعيين بدعوى أن الزمن غير الزمن والعقول غير العقول.. مثال ذلك هو مايحدث مع بعض الكتاب من التطاول على الثوابت الدينية وعلى رأسها الذات الإلهية ثم الرسل والصحابة والتابعين وطعن من يدافع عن تلك الثوابت بإثباته من الظلاميين وأعداء التنوير الذى اقتبسنا اسمه من الغرب دون أن نحرص على روحه وأصله في لغتنا وثقافتنا ومفاهيمنا نحن..ربما لست مع التشنج والعنف واستعمالهما كرد فعل عقيم غاضب من النيل من ثوابتنا وعقيدتنا التي تعلمنا أول ماتعلمنا أنها بعيدة عن أى مساس غير مسؤول.. لكنى أيضاً لست مع مقولة أن الإبداع ليس له سقف ديني أو خلقي ومجتمعي..ذلك أن ديننا الإسلامي الذى احترم العقل ورفع من قدره وشرف القلم وسمى به سورة كاملة في قرآنه العظيم..علمنا أن الحرية إن كانت مطلقة دون أى قيد يقيدها تحولت إلى إله يعبد من دون الله يأسر الباحث عنها في قضبان سعيه لها الذى لايتوقف ولا ينقضي إلا بالموت وكلمة النهاية التي يكتبها قدره فى اللحظة التي يريدها له رب العزة.. فالكتابة هي صورة من الحياة يعكسها صاحب القلم على الورق وكما أن للحياة حدوداً دينية وخلقية ومجتمعية فكذلك الكتابة التي تقتحم عقل وقلب القارىء اقتحاماً وقد تتسبب فى أحايين كثيرة في تغيير وجهته وتعديل أو تبديل مساره..وربما يدفع البعض بأننا يجب أن نعيش عصر الشفافية والمكاشفة إلى أبعد حد بدلاً من العيش فى بوتقة الفصام التى أعمت أبصارنا وقلوبنا عن إدراك الحقائق..ولعلنا نتفق مع أصحاب هذه المقولة فيما ذهبوا إليه لكن نختلف معهم فى الأساليب ..إذ أن مشاكل المجتمع وثقافته لايكمن حلها في الفضح والعري الكلمي وسقوط اللغة ..فكلما تفحش الأدب وفقد أجمل مافي روح مسماه كلما زادت درجة السقوط على كافة الأصعدة ولم يعد هناك أى لجام يوقف الخطأ ويكبح جماحه..وبالرغم من أن ذلك الفضح يكشف للناس أخطاءهم إلا أنه ومع مرور الوقت واعتياد التعاطي معه ورؤيته ماثلاً أمامنا ليل نهار يصبح عادة وأصلاً من الأصول وكأنه هو الحق وغيره الباطل..تماماً كما قال قوم لوط عن آله:
أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون..
دعونا لا نعيش في (نسبية الأخلاق) الناتجه عن الاستسلام للتطور الزمني الخالي من المرجعية والإغراق في مادية فكرية ووجدانية بدعوى مسايرة الواقع ونبذ الغيبيات حتى لو لم نصرح بذلك..فالاستسلام لتلك الـ (نسبية) قد يؤدي بنا غداً لتبرير السرقة والقتل وكل الموبقات الكفيلة بالقضاء على أى حضارة مهما كان وزنها وثقلها وسطوتها..ولعلنا نؤمن بأن الكلمة هي ساقا الأمة ..إن صلحت وقويت انتصبت الأمة على قدميها وإن فسدت بترت أى أمل فى عودة الانتصاب والوقوف على الأقدام مجدداً بعد طول رقاد..
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |