دمـــــــعة ألــــــــــــــم

د.حنان فاروق

fisabeelellah@gmail.com

Sep 08, 2007


بسم الله الرحمن الرحيم
 

الطقس اليوم مكفهر..السخونه تلذعني رغم أنى لا أكاد أرى الشمس..حركة غير عادية تملأ فضاء المعتقل لا أعرف كنهها لكن لدى إحساس أنهم سيفرجون عني هذا اليوم..قالت لى زميلتى فى الزنزانة: كفاك من أحلام اليقظة ..كم مرة قلت أنك سيفرج عنك ولم يحدث..صفعتها بنظرة حادة ثم قلت لها: اتركيني وحدى وكفاك إحباطاً..هذه المرة ليست ككل مرة..نظرت لى شزراً ثم غابت..ظللت واقفة على باب الزنزانة لا أتحرك...حرارة بوابتها كانت تشع لهيبها على وجهي وأنا أرفض المغادرة..تحركت السجانة حركة غير عادية أمام بابي..كان وجهها فى قمة كآبته..لم أرها كذلك منذ آخر إفراج لآخر سجينة..قوانين السجن لدينا لم تكن تشبه غيرها فى أى مكان آخر..كانت متشددة وقاسية لاتسمح بإطلاق سراح  إلا فى أضيق الحدود..ازداد الظلام فى المعتقل ولم تتوقف الحركة الدؤوبة..وفجأة اقتربت السجانة من زنزانتى..ثم قالت: ماالذى يوقفك هنا ألا تعرفين أن ذلك من الممنوعات..قلت لها بصوت مخنوق: أعرف سيدتى...لكني......

لم أستطع أن أكمل الجملة فقد كنت أراقب المفاتيح الكثيرة التى تحملها فى يديها وتبحث بحركة لا إرادية عن مفتاح بعينه..

سألتها: هل هناك استراحة إضافية هذا اليوم؟؟؟

قالت لي: لا ..لكن لك استراحة نهائية..ستخرجين اليوم..

زفت إلي البشرى وكأنها تنعيني..ربما ستفتقدني وهذا كل مافي الأمر..

رغم تعليلاتي لنفسي لأطمئنها لكن قلبي انقبض رغماً عني.. عنفت نفسي وصحت فيها: ألم تتمنى هذا منذ زمن طويل؟؟ماذا حدث إذاً؟؟؟..ربما نألف بعد سنين من الاعتقال قيودنا وتصبح جزءاً لا يتجزأ منا..ونخاف التحرر منها..وربما هو خوف المجهول..فلقد فتحت عينى على هذه الدنيا فوجدتنى هنا..حلمت كثيراً بالخروج للنور..بالانطلاق..بالتعبير عن نفسي بطلاقة دون سياسات قمعية أو تهديدات فوقية..تمنيت أن ألحق بزميلاتى اللواتى سبقننى رغم أني لم يصلنى من أى منهن ما يؤكد سعادتها خارج المعتقل..أو ما يطمئننى أو يخوفنى من مستقبلي خارج تلك الأسوار العالية القاطنة خارج محيط زنزاناتنا..غريب أمري..أريد شيئاً لا أعرفه..وأخافه فى نفس الوقت..عموماً ما من رجعة فى الأمر..حان وقت الخروج ولا سبيل للمكوث فى هذا المكان الأشبه بجب مظلم ..

فتحت السجانة الضائقة بالدنيا وبي الباب..وخرجت أجر قدماي جراً..يعتمل فى صدرى الفرح والخوف معاً..كنت أرتجف رغم حرارة المكان..أتقدم خطوة وأتراجع اثنتين..لكنى شجعت نفسي وحثثت الخطا للأمام..وجعلت أردد: أنا سعيدة بالخروج من هذا القمقم..علنى أشعر بالثقة فى نفسي وفى الدنيا الجديدة التى ستعانقنى بعد قليل..

كانت السجانة تسير بجانبى لتوصلني إلى الباب الداخلى للمعتقل..وعندما فتحته أخبرتنى أني سأمشى مسافة  قصيرة حتى الباب الخارجي للأسوار..لم أستطع حتى أن أشكرها..فبمجرد فتح الباب أعمى النور عينى فلم أكن قد تعودت عليه بعد..أغلقت الباب وتركتنى أكمل طريقى..توقفت هنيهة..ثم بدأت أعاود السير..كان الطريق وعراً منحدراً..نظرت حولى  أبحث عن رفيق فى هذه الرحلة..لكنى لم أر أحداً..احترست لقدمي..ورغم ذلك كنت انزلق شيئاً فشيئاً على المنحدر بالرغم من وعورته..أحاول أن أتوقف عند تعاريجه حتى لا أتعثر وأقع..وما من أحد هنا لينقذنى..لاحظت أن أقدامي تترك آثاراً على الأرض العجوز..كانت سخونتى التى اكتسبتها من داخل المعتقل تزيد وتشتعل وتنتقل مني إلى موضع خطواتي فتحمر الصخور من فرطها وتتغير معالمها..أخيراً تبدى الباب الخارجي للسجن..لم يكن عليه حراس ..سألت نفسي : كيف سأفتحه؟؟؟؟ ثم قلت لها:لاداع للأسئلة ..عندما تصلين ستعرفين..

بمجرد وصولي انفتح الباب ووجدت خارجه سجانة تشبه التى فى الداخل لكنها...كانت تمسك فى يدها ثوباً أبيض ناصع البياض..لايزينه شىء ..لكن رائحته كانت عطرة..عندما اقتربت منها..اكتشفت أنه ليس ثوباً بل كفناً..

خدعونى.. هل كان خروجي هو ناقوس موتي؟؟

لم أستطع الهروب من الكفن المنشور..أسلمت نفسي إليه كالمغيبة فابتلعنى في أقل من الثانية حتى صرت لا أُرى بالعين المجردة..لكنى كنت محسوسة..

سألت نفسي..لم حدث كل هذا؟؟؟؟؟

هتف بي هاتف: من أجل الخطوات..

ناديت وأنا أحتضر: وهل لها من قيمة؟؟

رد الهاتف: إنها حصيلة الألم..لكنها راحة..

حاولت أن أفهم ..لكنى كنت أتبخر..

أحسست بيد تطوي الكفن عليّ ثم دسّته  في مكان مجهول..

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net