أقرأ وحضارة العرب ...

د.حنان فاروق

fisabeelellah@gmail.com

Nov 13, 2007


بسم الله الرحمن الرحيم
 

أقرأ وحضارة العرب ...
لأمرٍ ما...بدأ تنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة :
(أقرأ)

ولأمر ما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام أمياً..فقال :
ما أنا بقارئ
..
ثلاث مرات يضمه جبريل عليه السلام ويرسله ويعيد عليه الأمر ...
إقرأ
...
ثم يسترسل:
إقرأ باسم ربك الذى خلق ...
وعندما
ننعم النظر فى كلمة إقرأ..نجد أنها ليست كلمة عادية أو أمراً بالعلم والتعلم فحسب...بل هى جمع واجتماع للجسد والعقل والقلب على الكلمة..فأنت حينما تقرأ تستخدم عينيك..ثم عقلك...فقلبك ..
وقد يقول البعض إن القلب فى كثير من الأحيان لا يكون له دخل فى تلك المعادلة...فالعين والعقل هما فقط قائدا المسيرة خاصة إن كان المقروء يحتاج إعمال العقل والذهن دون القلب مثل الرياضيات مثلاً...أو الكيمياء والفيزياء وغيرهما من العلوم التىلا تحتاج كثيراً للوجدانيات فى تفسيرها وسبر أغوارها...فيعود الوحي يؤكد كلماته...بقوله :
إقرأ....باسم ربك الذي خلق
..
ومتى دخل اسم رب العزة فى أمر..وجب على من قام بأمره...أن يؤدى حقه من العبادات القلبية..كالشكر على نعمة العلم..والصبر على التعلم..ومراقبة الله عز وجل فى العمل وإخلاصه لله فى كل حركة وسكنة..والإحسان الذى عرفه سيدنا جبريل عليه السلام قوله :
أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ...
ومن تلك الرؤية...يأتىإرجاع الفضل لصاحبه...والاعتراف بأنه لولا الله لما وصلنا ولا توصلنا لأى مقام فى العلم والتعلم ...
ومن هذا المنطلق يبدأ القارىء
المسلم مسيرته ..
وعلى هذا الأساس يكون الفارق بين المثقف المسلم والمثقف غير المسلم ...
جالت بخاطرى تلك الفكر وأنا أقرأ كتاب (حضارة العرب) للمستشرق جوستاف لوبون ترجمة الأستاذ عادل زعيتر..فهذا المستشرق يصفه الكثير من المثقفين العرب المسلمين وغير المسلمين بأنه من خير من أنصف العرب وحضارتهم والإسلام وخلقه...دخلت إلى الكتاب بهذه النفسية...وبالفعل كان الرجل عالماً درس الواقع من الماضي والحاضر..حاول أن يتجرد ويقصي عواطفه فى بعض مواضع..وغلبته بيئته ونشأته وإلحاده فى
كثير منها...لكنه فى النهاية اعترف ببعض ما لم يعترف به غيره..وهو أن العرب أصحاب حضارة لم تنفض يدها من الأخلاق مثلما فعلت الحضارة الحديثة..بل اتخذتها سبيلاً لانتشارهاوتوطيد دعائم امبراطوريتها.. فحين كانت أوربا غارقة فى الجهل والضياع كان العرب فى أوج تقدمهم وتحضرهم..بل ويحمد الكتاب للعرب أخلاق الفروسية التى لقنوها للغرب الذى لم يكن يعرف عن الفروسية إلا مايعرفه قاطع الطريق عنها..حتى ليقال عن الملك شارلمان أنه اختصم و أخته فهجم عليها وكسر لها أسنانها..فإذا كانت تلك أخلاق الملوك..فما بالكم بالرعية ..
ليس هذا فحسب بل لقد عقد مقارنة بين معاملة العرب المسلمين لغيرهم من غير المسلمين فى الأقطار التى فتحوها ودخول الناس فى دين الله أفواجاً إثر هذه المعاملة..ومعاملة أهل الأديان الأخرى من النصارى واليهود للمسلمين بعد استيلائهم على الأندلس وما عقب ذلك من مجازر ومحاكم تفتيش لم تشهد البشرية مثلها منذ ذلك الحين..وأفرد فصلاً للحرو ب الصليبية التى لم تميز بين المسلمين والنصارى فى الفتك بكل ما اعترض طريقها خاصة ما فعله الصليبيون فى نصارى بلغاريه الذين كان خطؤهم الوحيد أنهم أبوا أن يضيفوا الحملات الصليبية مجاناً فكان جزاؤهم
الويل والثبور وعظائم الأمور..وذبحوهم ذبح الماشية والإبل..وهم نصارى أمثالهم فما بالكم بأعمالهم فى بلاد المسلمين ..
بيد أن ما ركز الكاتب عليه فى كتابه وأفرد له فصولاً كاملة لا فصلاً واحداً..كان هو حضارة الفن والعمارة الإسلامية عند العرب..ووثقها بالصور والوثائق من مختلف أنحاء الامبراطورية الإسلامية..ولقد بهرت
أيما انبهار بتلك الصور والرسوم لتى نقلها من قصر الحمراء وقصر اشبيلية وجامع قرطبة..وتتبعه للعمارة الإسلامية فى شمال إفريقية ..ثم مصر بمراحلها المختلفة من جامع عمرو بن العاص وحتى جامع السلطان حسن..ثم مسجد دمشق والمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة..الذى أخطأ المستشرق فى اعتباره هو ثالث الحرمين الشريفين لا المسجد الأقصى..وأخيراً وليس آخراً الفن الإسلامى فى الهند وفارس الذى أبدع إبداعات يعجز اللسان والقلم عن وصفها..بالرغم من تأثره بالفن الفارسي والهندوسي..لكنه فى النهاية كان بصمة متميزة عن غيره وفكراً راقياً مبدعاً..وأنا فى هذه الرحلة..كان يعتمل فى نفسى شعوران متناقضان..الأول حبي للفن وللزخرفة الإسلامية خاصة..لجمالها الأخاذ وتميزها ومنمنماتها وتغلبها على أى تأثر بأى فن كان قبلها..مما دعا الغربيين لإطلاق كلمة(أرابيسك) على أجزاء العمارة المؤلفة من منمنمات عربية كانت أو غير عربية والحاملة لطابع الفن الإسلامي..والشعور الآخر ..هو إحساسى بالإفراط من قبل مالكي لا صانعي هذه الأشياء مما دعاهم للتمسك بالدنيا وحب القصور وكراهية الجهاد..فكما قال الشاعر:
والنفس راغبة إذا رغبتها*****وإذا ترد على قليل تقنع
وعلى ذلك فلقد كنت أرى الصور والرسوم بالكتاب بمنظورين لم أستطع التوفيق بينهما..وأرى أيضاً أن الإخلاد لهذا الترف المتناهي كان المحرك الأول لضياع الأندلس وغيرها من البلاد الإسلامية..هذا خلافاً لوجهة نظر جوستاف لوبون في أن ضياع
الأندلس خاصة ً والامبراطورية الإسلامية ككل كان بسبب حب العرب للقتال والحروب الذى فطروا عليه فلما انتهت حروبهم مع غيرهم بدأت حروبهم مع بعضهم البعض ..
ولما لم أستطع التوفيق بين الشعورين ..سكنت ولذت بالصمت إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولاً..وإذ بي أقرأ كلمات الأستاذة نعمات أحمد فؤاد فى كتابها القيم (من عبقرية
الإسلام) عن العمارة والزخرفة الإسلامية فأفهم وأتفهم الفرق بين رؤية المسلم وغير المسلم للفن الإسلامي..ففى حين بهر جوستاف لوبون جمال الزخرفة ومادة صنعها التى هى الجص المخلوط بمواد أخرى..ونباتاتها..وشكل القباب والمساجد المختلف حيناً والمتفق حيناً من قطر لآخر ...والمتأثر الحضارات الفارسية والبيزنطية بل والهندوسية تبعاً لانتماء القطر...تجد الكاتبة والمفكرة الإسلامية تخرج من الشرنقة المادية إلى رحاب الإيمان والإسلام ورؤية ما فى الفن وما خلفه من إيحاءات نورانية وفطرة مؤمنة سليمة نحسبها كذلك- وسأنقل لكم كلماتها حتى تشاركونى إحساسى :
((إن إيثار الإسلام للمساواة واحتفاله بهاا وتأكيده عليها انعكس على العمارة الإسلامية فمالت إلى الأفقية التى تحمل معنى المساواة حين تعين الرأسية على
التفاوت و "ترفع" الارتفاع وشموخه))
ثم تسترسل:
((لا يستثنى من الأفقية الإسلامية المحببة إلى الفنان المسلم إلا المئذنة لحاجة الدين إلى انتشار دعوة الآذان على مساحة واسعة لإقامة الصلاة أحد أركان الدين الخمسة
((
وعن الزخرفة الإسلامية تترك الأستاذة نعمات لروحها العنان للسباحة بالكلمات والتسبيح لله باستقراء ما ترى فتقول :
))
فى الفن الإسلامي ورع،تنم عليه الخطوط المهذبة والعلاقات الحميمة بين الوحدات،والمحاريب التى تصلى فى خلوص المعابد،والمآذن كالدعوات تصعد الأرض إلى السماء فى طلعة علوية روية بأشواق كبيرة نحو مصدر النور...نور النور...نور السموات
والأرض((
))
فى الفن الإسلامي حسن الجوار الذى أوصى
به الدين الإسلامي.
فى الفن الإسلامي تجمع يهوى الترابط أو انبثاق يهوى الأشعاع ((.
هناك هوة كبيرة ين الفكرين..وبين القلبين..فهذا عذب فرات وهذا ملح أجاج...هل يستويان مثلاً؟؟؟
بالطبع لا أريد أن أقلل من قيمة كتاب مثل(حضارة العرب)ولا مفكر مثل جوستاف لوبون..ولكنى أريد عقد مقارنة بين (إقرأ)...و(إقرأ باسم ربك الذى خلق))
وفى النهاية أريد أن أقول أن كتاب حضارة العرب كتاب رائع..بغض النظر عن الجزء الذى تكلم فيه عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والذى شارك فيه لوبون سقطات غيره من المستشرقين المغرضين حول شخصية رسولنا الكريم وحياته..بيد أنى
قد أجد له عذراً وحيداً..وهو أن كل مراجعه التى ذكرها فى آخر كتابه خاصة العربية التى ترجمت إلى الفرنسية وأولها القرآن الكريم وتفاسيره لم يترجمها عربي...بل كل المترجمين كانوا أعاجم..فرنسيين أو إنجليز..والمترجم يصبغ ترجمته بقصد أو دون قصد بمعتقداته..وليس أدل على ذلك من رأى الدكتورة زينب عبد العزيز والتى قامت مؤخراً بترجمة القرآن الكريم إلى الفرنسية والتى قالت أن جميع تراجم القرآن الكريم إلى الفرنسية التى ترجمها فرنسيون غير مسلمين لم تكن بريئة من الكذب والافتراء..وفى أحسن الأحوال الفهم الخاطىءوبالتالي المترجمات العارية من الحقيقة إلا مارحم ربي ...
وصدق من قال
:
ياله من دين..لو كان له رجال ...

د.حنان فاروق

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net