|
بين جدارين |
د.حنان فاروق |
|
fisabeelellah@gmail.com |
|
|
Nov 27, 2007 |
بسم الله الرحمن الرحيم
كلما أغمضت عينيها وجدت نفسها في هذا الطريق الطويل المعتم الذى لاتتبين نهايته ..أصبحت تفر من إغماض عينيها لكن هيهات..ِإنها تعمل ليل نهار لتحافظ على مستواها وأسرتها الصغيرة بعيداً عن مخالب العوز والحاجة وبالليل تجد نفسها مضطرة مستسلمة للقاء جفنيها..منذ متى يلاحقها الطريق المعتم؟؟لا تتذكر..ربما منذ ذلك اليوم البعيد ..كان عمرها يناهز الخمس سنوات وأثناء ركوبها سيارة أجرة مع جدتها لحضور حفل زواج أحد اقربائها البعيدين عن محيطها الطفولي..لاتعرف لم يومها نظرت إلى نفسها بثوبها البني المموج ذى الكرانيش البريئة.. وقالت: من أنا وإلى أين أذهب؟؟
ألم يكن الوقت مبكراً على تلك الرائعة لتسأل هذا السؤال ؟؟..
.. فتحت عينيها على آخر ماتستطيع كي تتبين تلك النهاية لكنها لم تستطع..كانت نقطتها غير واضحة غير محددة المسافة..ولتهرب تعلمت الإغماض..تعلمت أن تغلق عينيها حال أى وخزة تأتيها من فكرة النهاية.. كانت ترى عوالم جميلة من غد ملون يذوبها في أحضانه بريشته الفنانة ..فتأوي إليه وتحتويه كي لايهرب منها ..تدفع به الأيام ليلمسها بعصاه السحرية ويطيل قامتها ويضيف تصاميمه على عقلها وقلبها ونظرتها فيجدد مايجدد ويخفي مايخفي ويحولها من واحدة إلى أخرى دون أن تدري..ومع التحول يحملها ليضعها فوق آثار أقدام غيرها ..
منذ عشر سنوات وقبل بلوغها الأربعين بدأ تغير ما ينتاب ذلك الغد الملون الذى كانت تلوذ به فى إغلاق عينيها وانفصالها عما يؤلمها..لم تستطع فى البداية تحديد كنه هذا التغير ..كل ماكان يرهقها أنها لم تعد تجد هذا الأمان الكامل ولا تلك الألوان المبهجة..تحولت الألوان من غبطتها وانتشائها إلى درجة آفلة تزيد شيئاً فشيئاً كلما مرت الأيام.. أخذت بنصائح البعض في تغيير روتين حياتها ومظهرها .. لكن مهربها لم يتأثر .. بل أصر على استكمال الأفول... مع الوقت قررت أن تهمله..تنساه..أقنعت نفسها أنها ربما مثقلة وأن الأمر لا يعدو أن يكون سحابة صيف تمر بسلام .. بدأت تبتعد عن ملاذها القديم إلى مسؤولياتها وأعمالها كي تشل هذا الإحساس المقيت الذى ينقض عليها كلما انتوت بالفرار.. ومع اختيارها الجديد وبالتحديد يوم احتفالها بأربعينيتها حين اضطرت إلى إغماض عينيها..اختفت الألوان تماماً وظهر هذا الطريق المظلم الذى لاتتبين نهايته.. خطوات أقدامها في هذا النفق المعتم كانت هي الصوت الوحيد الذي يزيد من وحشة وحدتها وانقباضها..
ماهذا؟؟
أصغت السمع .. تخيلت أنها تستمع إلى خطوات أخرى لها نفس وقع خطواتها تسير وراءها مباشرة..زاد تلفتها لكنه لم ينجب لها أى إشارة إلى حقيقة ذلك الملاحق لأنفاسها.. تسارعت ضربات قلبها..أرادت أن تنفض الرعب الذى اقتحم اكتئابها فحاولت فتح عينيها لكنها لم تستطع.. قاومت هذا الإغلاق المضني وجاهدته لتخفف من قبضته وتنفذ إلى داخلها خيط نور ..فباءت كل جهودها بالفشل..أسرعت خطوتها فتسارع الصوت وراءها يريد أن يلحق بها..ركضت ..تساقطت حبات عرقها ثم هطلت كالمطر فانزلقت قدمها وانكفأت على وجهها..عاودت القيام من جديد..وأكملت الركض بقدم أوشكت قدرتها على لفظ أنفاسها..كانت تدفع جسدها للأمام قدر استطاعتها ليشد إليه قهراً وقسراً ترهل سرعة قدميها..فجأة دوت صرخة مكتومةمع اصطدامها بعنف بشيء لم تتبينه...تحسسته بيديها..دقته بأصابعها ثم براحتيها وقدميها لكنه كان جداراً مصمتاً لا يوحي بوجود أى فراغ أو فتحة تستطيع النفاذ منها..صوت الخطوات وراءها وحولها لم يتوقف..استدارت وأسندت ظهرها إلى مااصطدمت به ..مدت يديها فى الفراغ علها تلمس أى مصدر للصوت لكنها لم تجد ماتمسك به..أصوات الخطوات تتعالى وتحيط بها...سدت أذنيها...الصوت يقتحم الانسداد..يخترقه يصر على الوصول إليها..أحست بشىء ضخم يتحرك آت من ناحيتها الأخرى ..حاولت أن تصده أن توقفه لكنه كان يتقدم ..صرخت فيه ..لكنه لم يستمع إليها ظل يقترب ليلتقي بأخيه الذى تسند إليه ظهرها خارت قواها..لم يعد لديها ذرة مقاومة..شعرت بجسدها ينضغط بين الجدارين..استسلمت تماماً...ازداد الألم مع إصرار الجدارين على الالتصاق..أحست بعظامها تطحن دونما صوت..تداخل الجداران والمشاهد والأشياء ..اختفت كل الصور والأصوات..لم تعد تشعر بشيء..
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |