|
جذور مشتركة |
د.حنان فاروق |
|
fisabeelellah@gmail.com |
|
|
Oct 30, 2007 |
بسم الله الرحمن الرحيم
أعتقد أن بين الباطل والبطالة نسباً وصهراً، فهما مشتركان فى الجذر اللغوي الذى هو (ب ط ل)ومتلازمان فى الحياة العامة يدفع بعضهما بعضاً ليكونا دائرة مغلقة تحبس الإنسان الذى أصيب بأحدهما فى حيزها وداخل محيطها ولاتخرجه إلا برحمة من الله..ثم بهمة من الأسير ومجتمعه لكسر دورانه فيها..
وقد جاءت كلمة الباطل فى لسان العرب بمعنى الذى ذهب ضياعاً وخسراناً وبضد كلمة (الحق)..أما البطالة..فقد جاءت بمعنى اللهو والجهالة..ويبطل بطالة بمعنى تعطّل فهو بطّال..ومن هنا نستطيع أن نستخلص أن اللهو والجهالة والتعطل ماهما إلا نتيجة وسبب فى آن للتضييع والخسران وماينتسب إليهما..وفى بلادنا العربية التحم الباطل بالبطالة وصارا كياناً واحداً يكاد يفتك بالشباب والشيوخ والنساء بل والأطفال..فالشباب يتخرجون من الجامعات آلافاً كل عام فلا يكاد أكثرهم يجد عملاً إلا من لديه ما يدعى بالـ (واسطة) أو من كان أبوه من طبقة مايعرف برجال الأعمال فيفتتح له مشروعاً يناسب تخصصه دون أن يضطرب من أجل الغد أو أن يصيبه القلق من تأخر النجاح فقوت يومه مضمون..ومتطلبات وكماليات ورفاهيات حياته متوافرة ولا مشكلة من الفشل ..فلديه الفرصة لتجربة أكثر من مشروع ودخول أكثر من معركة..أما من ليس لديه ذلك فليدخل كهف البطالة والاستسلام إلى ثقافة الإلهاء الفضائية العنكبوتية ..التى بشر بها واحد من المؤتمرات الاقتصادية الهامة فقد تنبأ بأن المجتمع بعد تقدمه التقني وثورة اتصالاته لن يحتاج إلا إلى الخمس فقط من إجمالى عدد البشر فى العالم كعمالة فعّالة أما الباقى فليدخل غير مأسوف عليه إلى كهف التسلية المزيفة والضياع المؤكد..وبالرغم من أن البطالة الفعلية قد فاقت الحد خاصة بعد أن شارك الشيوخ وأرباب الأسر الشباب فيها باتساع نظام الخصخصة الذىتخلص من آلاف الكوادر المعتمدة –بعد الله-بالأساس في إكمال مشوارها ومسارها البنّاء أو الذى كان بنّاءاً على راتبه الشهري من عمله الحكومى أما وقد ذهب إلى البيت..فقد أُخرج قسراً من أعمال البناء وتحول إلى كم مهمل وعبء ثقيل على نفسه قبل عائلته ومجتمعه..ولايجد إلا الاكتئاب والحزن والحسرة وربما التسول الظاهر والخفي ليستطيع أن يدفع عجلة الحياة..بدلاً من أن تدفعه هى إلى الهاوية..لكن البطالة التى أعني هى الفراغ المتعمدورفض العمل من الذين لديهم وظيفة فعلية..فلا المعلم يريد أن يؤدى واجبه وأمانته كما ينبغي ولا الطبيب يريد أن يبذل قصارى جهده لتحلّ له لقمة عيشه ولا المحاسب ولا المهندس ولا الكاتب لديهم الهمة الكافية لأداء ماعليهم..الكثيرون أصبحوا لا يميلون إلى الحركة والإنتاج ..ويفكرون ألف مرة قبل أن يقدموا شيئاً لعملهم الذى يتكسبون منه ويتعيشون به ..وانتشرت ثقافة التبرير ..فتجد الذى لديه القابلية للبطالة يقول : (هذا هو ما استطيع ان أقدم مقارنة براتبي)..أو (غيري كثير ..لماذا أنا بالذات الذى يطالب بالكد والاجتهاد)..وغير ذلك من المبررات التى لامعنى لها إلا الخروج من أتون اللوم والمساءلة..ليس هذا فحسب بل إنك تجد البطالة قد وصلت إلى داخل البيوت والأسر..فلا الأم والأب يبذلان جهدهما المنزلي وهما راضيان قريرا العين إلا من رحم ربي..ولا الأبناء يريدون المشاركة فى حمل أعباء المنزل الداخليه والخارجية بدعوى أن دورهم الحقيقي لم يأت بعد وأن البيت مسؤولية من أنشأه..أو بأنهم ليس لديهم وقت لأنهم مشغولون بالفضائيات والعنكبوتيات والفيديو كليب والضياع اليومي ناهيكم عن بعض الذين تفلتوا من كل قيد ودخلوا دوائر المخدرات والسقوط الأخلاقي والإنساني..وانفصلوا عن الحق إلى الباطل وعن العمل إلى البطالة بأبشع صورها..وأسفل دركاتها..
إن القابلية للبطالة أصبحت هى سمة العصر فى بلداننا العربية والإسلامية بتشجيع إعلامي مع سبق الإصرار والترصد..ثم بمشاركة كثير من أولي الأمر بإهمال العقول الخلاقة وإحباط الابتكارات والإبداعات الحقيقية والتى لا تجد لها أى مأوى فتنتحر أو تفر إلى حيث يحتويها مجتمع يحترمها ويقدرها ويقدم لها العون والدفع لتحقيق ما لم تستطعه فى أرضها وبلدها..تاركة الجمل بما حمل للتشرد والضياع والسقوط والبيروقراطية والروتين ليلتهموا ماتبقى من المجتمع..الذى تعود بدوره تلك البطالة وأخلد إلى الطبيعة الاستهلاكية وارتاح إليها..فنام فى كنفها دون استعداد يذكر للاستفاقة..ولا نيّة للهروب من إنذار الفاقة..
إن الباطل والبطالة وجهان لعملة واحدة هى الضياع..واستسلامنا للضياع هو الذى سيسلمنا إلى النهاية إن لم نتدارك الأمر ونغير من توجهاتنا وإصرارنا على أن نكون عبيداً لشهاداتنا الدراسية وإعلامنا وأعرافنا وتقاليدنا ..وقبل ذلك كله لشهواتنا واحتياجاتنا..
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |