|
نحن والكتابة |
د.حنان فاروق |
|
fisabeelellah@gmail.com |
|
|
Oct 15, 2007 |
الكتابة هاجس هواية أو احتراف ..يختلف الناس على كنهها ووقت
ولادتها ولايختلفون على أنها هبة منحها الله
بعض البشر
دون الآخرين..ورغم أنها هبة إلا أنها من الممكن أن تكتسب إذا عرفت مفاتيحها وربما
خير دليل على ذلك هو أننا جميعاً معشر المتعلمين قد لُقناها فى المدرسة خلال حصص
التعبير والتى علمتنا ألف باء الكتابة ابتداءاً من العنوان الذى نبحثه مروراً
بالأفكار الأساسية والعناصر ثم الخواتيم..كان الكثيرون منا يتقنونه لكنهم لم يكملوا
الطريق لأنهم إنما كانوا يتعلمونه ليحصّلوا درجات تؤهلهم لخوض مشروع حياتهم الذى
يريدون..أما من استمر فهو الذى لديه بذرة التفاعل مع القلم والأوراق داخله ..هذا
الكاتب قد تنحصر كتاباته فى مذكرات خاصة لا يراها إلا هو أو تمتزج مع الواقع والناس
وتصبح نسيجاً أدبياً وعلمياً يولد كلما عنّ له خاطر أو طرق أفكاره طارق يستفزه
للفزع إلى القلم..وأحياناً تأتى الفكرة لكنها لا تجد وقتاً مناسباً ولاهمة متحمسة
لتقييدها فتتفلت وتفر من بين أصابع العقل التى لا تستطيع أن تنفث فيها الروح إلا لو
قيدتها بقيد..ولهذا نجد عالماً مثل ابن الجوزى يكتب سفراً كاملاً من عيون أسفاره
بطريقة التقييد هذه ويسميه (صيد الخاطر)..لأنه رأى بعين بصيرته أن آلاف الخاطرات
تمر عليه دون أن يمسك بتلابيبها لأنه إما ينساها او يؤجل تدوينها وهذا هو العامل
الأول لضياع جل أفكار الكتاب الهاوين والمحترفين على حدسواء.....وعليه فالكتابة
تحتاج عوامل ثلاثة هى الاستعداد النفسي والهمة..والحادث المستفز أو الفكرة
الطارئة..والوقت المناسب..وإن لم تتوفر تلك العوامل معاً فقد يفقد الكاتب الكثير من
روائع فكره دون أن يلحظ ذلك..
مشكلة الكاتب الكبرى هى الاحتراف..أو بمعنى أدق الاعتماد على الكتابة كمصدر
رزق..ذلك أنه عندما يكون هاوياً فهو حر..يكتب مايراه هو لا مايملى عليه أو تفرضه
الظروف والصروف.. يكتب حين تعن له الكتابة..ويراوده القلم..أما حين يحترف وتصير
الكتابة جزءاً لا يتجزأ من خريطته العملية والزمنية..فهو يحتاج إلى أن يقرأ أضعاف
أضعاف مايكتب ليجعل الفكر تأتى إليه وتنساب دون معاناة..يحتاج أن يكون موسوعياً لا
محدود الأفق والنظر؟؟يحتاج أن يدخل حوارات كثيرة فالحوار الثقافى الرحب يشحذ الذهن
ويبنى الموضوعية وتفهم وجهات النظر الأخرى حتى لو كانت تخالف آراءنا
وتوجهاتنا..والحوار نوع من الأدب فضفاض العباءة يحتوى الكثير من الأدوات التى أهمها
العلم والثقافة ومهارات التواصل والاتصال والرؤى المتعددة ..والذى يعرف قيمته الحقة
يعطيه من وقته مايستحقه مع من يستحقه..ويقال أن فيدل كاسترو-بغض النظر عن اختلافنا
معه أو اتفاقنا-قد جنى من الحوار مالم يجن من القراءة ..وأن ثقافته الموسوعية الفضل
الأول فيها للحوار الذى يحرص عليه ويبحث عن مصادره التى تفيده ولاتحوله إلى جدل
عقيم لا طائل من ورائه..وإلى جانب الحوار يحتاج الكاتب المحترف إلى التواصل مع
أفكار الأجيال المختلفة لا أن يحبس نفسه داخل جيله فقط وإلا فبمرور الوقت سينضب
معينه ولا يجد ما يقوله للناس وما يؤثر فيهم ويقنعهم ويتفاعل مع واقعهم..والقلم كأى
موهبة تحتاج لمران دائم لكى لا تضمر فتموت أو تفقد الكثير من عناصر نجاحاتها لهذا
نجد كاتبة موسوعية مثل الاستاذة نعمات أحمد فؤاد تقول أنها تحرص على أن تكتب يومياً
تماماً كما تحرص على القراءة..وهي على حق فمن دخل معمعان الكتابة يعرف جيداً أن
الأفكار تتولد من بعضها وقد تبدأ موضوعاً بعينه لتجد أنك تفرعت إلى غيره وبحثت عن
نقاط لم ترد إلى فكرك فى بداية الأمر..أما اعتزال الكتابة فإنه قد يعطيك الوقت
لتقرأ وتوسع مداركك ولكنه يغلق عليك التعمق فيما وراء الفكر ويجعلك أسير من تقرأ
له..لا متفاعلاً مع مايكتب..
إن الكتابة ضمير..ضمير الأمة الناطق بمداد الحق..وضمير
الكاتب الواثق فى عقيدته وعقله وفكره وصدقه..وإذا تخلى كتاب الأمة كلهم أو جلهم عن
ضمائرهم فقد تخلت الأمة عن ضميرها..وتحولت إلى مسخ يحتقر نفسه ويزدريه الآخرون ..
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |