عوالم المثقفين

د.حنان فاروق

fisabeelellah@gmail.com

Sep 22, 2007


بسم الله الرحمن الرحيم

 

لعلى اعتبر نفسي من المحسوبين على محبي الثقافة لا من المثقفين..فالثقافة معنى واسع يمتزج فيه العلم والمعرفة والشخصية ومنهج التفكير وأسلوب التواصل والاتصال الشخصي والمجتمعي ليصاغ من كل ذلك المفهوم الحقيقي لمصطلح (الثقافة) ..ولهذا فهى جزء لا يتجزأ من المقاييس التى تقاس بها حضارات الأمم..وكلما كانت الخلفية الثقافية للأمة ككل راقية وسامية كلما زاد ثقلها وارتفعت قيمتها بين الأمم الأخرى على مر العصور..

لكن هل يعني هذا أن الأمة التى تخلفت لا يعيش بها مثقفون؟؟

إن الحقيقة تقول عكس ذلك..فالأمم المتخلفة تكثر بها التجمعات الثقافية والاتجاهات الفكرية بيد أن مشكلة تلك التجمعات فيها هى تقوقعها على نفسها ..وإيمانها الخالص بفكرها الذى قد يصل إلى حد التعصب مما يجعل  أمل الحوار بينها وبين الآخرين ممن لايعتنقون منهجها مقيداً متشدداً مسجوناً وراء قضبان الـ (أنا) ولسان حاله يقول:

رأيي هو الصواب الذى لا يحتمل الخطأ ورأى غيرى هو الخطأ  الذي لا يحتمل الصواب إلا أن يعتنق مذهبي..

هذا التناحر والتخاصم الذى قد يبلغ مداه ويظهر فى النقاشات الإعلامية والجدليات الصحفية قد يجعل مفهوم الثقافة يضطرب فى أذهاننا..فالمثقف من المفروض أنه كلما ارتقى كلما استطاع استيعاب غيره واحتواء فكره وتوجهه حتى لو لم يتفق معه ..والمثقف هو الذى يستطيع أن يصبغ بيئته المحيطة بنور المعرفة ويصحح المفاهيم المغلوطة ويزاوج بين وجهات نظره ووجهات نظر الآخرين ليبدع  بالاشتراك مع مجتمعه فكراً  متجدداً  يساعد فى إنماء ثقافته ويدفعها للأمام لأن الفكر المتحجر المتوقف فى مكانه يتحول بعد فترة  من تمسكه بما هو عليه إلى تخلف ثقافي وحضاري إن لم يلحق أو يحاول اللحاق بركب التقدم الفكري المتسارع  فى زمن تمرد على تلقيبه بـ (عصر السرعة) وتركه إلى لقب آخر أقرب إلى طبيعته وهو : (عصر الاختراق) ،هذا ومن لم يكن لديه القدرة على خوض معركة الاختراق  كفاعل..فمعنى ذلك أنه يرضى بأن يظل مفعولاً به..والمفعول به  فى عصرنا هذا لاثمن ولاقيمة له ..قيمته الوحيدة إنما هي في إرثه الذى يضع عليه عينهم مالايحصى عدده من الوارثين والطامعين..

وتظل عوالم المثقفين فى كثير من الأحيان من العوالم الخاصة التى تحيط نفسها بقصد أو بدون قصد بأسوار عالية تمنع الآخرين أو على الأقل تخيفهم من محاولة اقتحامها والدخول إليها إما بالانخراط فيها أو التعلم منها..كما توحي لنفسها فى نفس الوقت بأنها مختلفة متميزة عن العوام..ولأنهم –من وجهة نظرهم المركزة على كم المعرفة-خواص فهم لايستطيعون أيضاً اختراق المجتمع واجتذاب الآخرين الضائعين المغيبين  من وجهة نظرهم أيضاً إلى عالمهم..وعليه فهم خرجوا من نطاق الفاعل والمفعول به ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف ..لايتفاعلون إلا مع أنفسهم ولايتكلمون إلا في مراياهم..وهذا السبيل ليس بسبيل إصلاحي بل ربما يكون تنفيري من الثقافة وأهلها ومن ينتمي إليها..ولعل هذا يذكرنى بحادثة أصحاب السبت حين قال البعض ممن اعتنقوا الصواب ولم يلتفتوا ليأخذوا بيد غيرهم :

لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم؟؟؟

فرد الذين يفهمون معنى الإصلاح الصحيح:

معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون..

فاعتقاد النجاة من طوفان الجهل لايخوّل للمعتقد ترك غيره للغرق في لجته إلا أن يخاف على نفسه الضياع لأنه لاضرر ولا ضرار..ولكن أن يكون المثقف قادراً على إنقاذ مجتمعه ثم يتقاعس لأنه لايرى في أهله خيراً ولا يجد لديهم استعداداً للفهم والتفهم حجة داحضة..فرقى الفكر يفرض على صاحبه أن يمد يده لغيره بغض النظر عن استجابته العاجلة أو الآجلة من عدمها..إضافة إلى أن التعالي يحط من شأن المتعالي ويحيده ويجعل الآخرين يحولونه إلى مادة إما للسخرية والتندر أو للتنفير من سلوك سبيله وحذو حذوه..والذى لانستطيع إنكاره هو أن  كثير من المثقفين بالفعل منفصلون عن مجتمعهم بل ومشتتون فيما بينهم  وعرضة للاختراق من جهات بعينها  تريد هدم حركة تقدم الشعوب وتعرف من أين وكيف تؤتى فريستها..إضافة إلى تفوقها في بث عيونها وألسنتها لإرساء الدسائس فى وسط المفكرين وإعلاء من يلونها إعلامياً على غيرهم طالما يسبحون بحمدها وينافحون عن سياساتها مما يثير حفائظ من تبقى من المستمسكين بمبادئهم..فيدخلون فى صراعات خفية أو صدمات نفسية تجعلهم فى حالة انعزال  ليس عن مجتمعهم الكبير فحسب بل حتى عن المجتمع الثقافى نفسه الذي ينتمون إليه..والجميع بين هذا وذاك مشغولون بالدوران فى فلكهم الخاص البعيد عن دورهم الحقيقي..

إن المجتمع بحاجة لكل مثقفيه بعد نفض أيديهم من معاركهم الخاصة وتحرير أنفسهم من (الأنا)  و (المرايا) ليعيدوا إرساء مفهوم الثقافة ومعطياتها ويدخلوها فى مفردات الحياة اليومية كأساسيات لا ترف فكري يمكن الاستغناء عنه واستبداله بالغث مما يقدم لنا ليل نهار على موائد إعلام الغرب أو الناطقة بلسانه لا لشيء إلا لأنه استطاع بدراسة بيئاتنا ومعرفة احتياجاتها ومتطلباتها التواصل الناجح رغم اختلاف الخلفيات مع مجتمعاتنا ولبناته ..فألقى فى روعنا و أبناء أمتنا  ما ألقى من مفاهيم وأفكار قولبت ونمطت حتى تفاعلنا مع قضايانا ومشاكلنا العامة والخاصة..وماذلك إلا بغيبة الفاعل فى مجتمع المفعول به..


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net