القمقم

د.حنان فاروق

fisabeelellah@gmail.com

Sep 05, 2007


بسم الله الرحمن الرحيم

 

فتح عينيه فى الصباح فلم يعرف هل هما مازالتا مغلقتين أم أنه مصاب بالعمى..فتحهما وأغلقهما عدة مرات قبل أن تتآلف عيناه مع بصيص النور الخافت الذى يأتيه من الخارج..مال هذا المكان ضاق حتى لم أعد أستطيع الحركة؟؟حدث نفسه وكأنه ينتظر إجابة ما..ولكن هيهات فقد كان يرقد فى الظلمات وحيداً لا أنيس له غير صوته وخيالات غير واضحة من ذكرياته الذائبة فى الفراغ المصمت..السنوات تمر فوق جسده الذى لا يعرف له حجماً دون أن يستطيع التمييز بين ليل أو نهار..ربما يدرك فقط أنه ينمو كلما ضاق به المكان الذى تلامس حوائطه الزجاجية كل أجزائه دون أن تترك له فرصة لتغيير وضعيته أو تحويل وجهه من مكان إلى آخر..منذ متى وهو أسير هذا المكان؟؟لايعرف على وجه التحديد إلا أنه استيقظ يوماً فوجد نفسه هنا..بلاذاكرة ..بلا اسم..بلا عنوان..بلا رفيق..

فجأة..سمع صوتاً منتظماً فى الخارج..لم يستطع أن يميز ماهيته لكنه كان متأكداً أنه سمعه من قبل..تسرب إلى وجهه شىء رطب لايعرف حقيقته لكنه أحس بشوق فياض إليه ..أخرج لسانه يتحسس به هذا الشيء فوجده مالحاً ..شعر بحركة غير عادية تهز جسده والمكان المحيط به كأنهما قطعة واحدة..الغثيان يشق طريقه إلى نفسه ..لم يعد يستطيع الاحتمال أكثر من ذلك..صرخ صرخة مدوية ارتج لها جسده المجهد كله..ثم أصغى ..علّ هناك من يسمعه ويمد له يداً ..بيد أنه لم يأته غير هذا الصوت الرتيب من الخارج كأنه يخرج له لسانه ويقول له:

لا أمل..

بكى بحرقة..اليأس يكاد يعصف به..فليعصف إذن ربما يكون الموت راحة لى مما أنا فيه..قالها لنفسه وهو يتألم ..ثم أردف..حتى الموت لايريد أن يخلصنى مما أنا فيه..وفى حركة عصبية ضرب الحائط بقدمه ضربات متتالية فى محاولة منهكة لتحطيمه أو تنبيه أى مخلوق بالخارج أنه هنا..دقائق مرت كأنها أعوام..وماذا يجعلها مختلفة عنها أليست كلها فارغة وضائعة وضاغطة؟؟؟

بدون سابق إنذار..سمع دقاً على الحائط..كان الدق مشابهاً لذلك الذى بثّه  منذ قليل..ترى هل فطن أحد له؟؟

رقص قلبه طرباً لأول رسالة تأتيه من الحوائط المغلقة..وأعاد الكرة بقدميه ويديه معاً..ثم أنصت ثانية..دعا الله ألا يكون واهماً..وما أن أتاه الجواب حتى قرر أن يطور الاتصال..غير من طريقة الطرق العشوائي وجعلها منغمة ...فارتد إليه الأمل المحمول على عاتق الجواب منغماً هو الآخر..صرخ: لست وحدى..لأول مرة منذ زمن لا أعرف مداه أشعر أنى لست وحدى..

أيام طويلة مرت عليه وهو يتبادل الرسائل المشفرة مع ذلك المجهول القابع وراء الحوائط فى صحوه ونومه..كان يحلم به يكلمه ..يتسامر معه..يتضاحكان..يتشاجران..يتخاصمان..تمنى أن يستيقظ يوماً على ذلك الغريب يشق الأسوار والحواجز ويعبر إليه حيث هو..لكن الأيام كانت تمر ولا يتغير الأمر..الطرقات هى هى..والنغمات هي هي..لا جديد..ولا تغيير..بدأ يشك فى نفسه وفى أن كل ما أحسه كان وهماً وخيالاً ليس إلا.. دفعته إليه الوحدة والألم والأمل..اقتنع جزئياً بالوهم فهو خيط النور الوحيد فى ظلماته اللجية ..ترك نفسه متعلقاً فى ذيل الرسائل اليومية حتى بعد أن خفتت حدة الأمنيات بغد مختلف..لكنه فى يوم فتح عينيه وبدأ يطرق الحائط كعادته..انتظر الصوت..فلم يأت..انتظر طويلاً..بلافائدة..قال لنفسه:

ربما كان نائماً..سأطرق بعد هنيهة..

كرر التجربة..مرة ..اثنتين ..عشر مرات..بلا طائل..

ربما خرج؟..خرج!!! وهل هناك مخرج مما نحن فيه..؟؟؟

توالت الأيام وهو يطرق ويطرق ويطرق..وما من مجيب..

ثار ثورة عارمة..انتفض جسده من الغضب ..وتشنجت قبضة يده واندفعت تضرب الحائط المجاور لها بجنون..أحس أنه يختنق..انتابته نوبة من السعال الحاد كأن شيئاً يقف فى حلقه يمنعه من التنفس..ظنها روحه تحاول أن تنفصل عن جسده وتتحرر من سجنها ..ازداد السعال فدمعت عيناه من الألم وتحشرج صوته ..آه لقد بلغت الحلقوم إذن.فجأة..قفز مع السعال شيء من صدره..سمع ارتطامه لكنه لم يستطع أن يراه..فالدموع غطت ماتبقى من الصورة المحيطة به..التقط أنفاسه ..وحرك قبضة يده ليعاود الطرق على الحائط ..بيد أنه لم يجد الحائط..لم يشعر إلا بفراغ فحسب مع نسمة هواء هدأت من روعه..رفع يديه لأول مرة منذ زمن طويل حتى طال بها وجهه ومسح الدموع المنهمرة من آلامه ثم فتح عينيه..لم يستطع لأول وهلة مواجهة النور الذى غمر المكان..خرق الصوت الرتيب الذى صادقه منذ زمن بعيد أذنيه فقد كان عالياً عن ذى قبل.. نظر إلى حيث هو فوجد نفسه يرقد فوق الرمال على شاطىء البحر..قرر أن يجرب قدميه فتحامل على نفسه وانتصب واقفاً..كان المنظر من حوله رائعاً لدرجة لم ترد بباله من قبل وهو بعد حبيس سجنه...أخذ نفساً طويلاً..ونظر حوله يبحث عن ذلك الشيء الذى خرج من صدره ..ظنها روحه..بيد أنه  لم ير إلا مايشبه الصندوق الزجاجي الصغير..حدثته نفسه أنه ربما كان حبيساً داخل هذا القمقم..ذاكرته التى بدأت تسترد عافيتها هى الأخرى أخبرته بحكاية شبيهة..انحنى والتقط ذلك الشيء من على الأرض..وقال له:

آآآآآآآآآه..هل أنت سجنى الذى عشت بداخله كل هذا الوقت؟؟؟

صدرت قهقة من القمقم ..فألقاه خائفاًمرتجفاً..لكن الصوت الصادر من أعماق القمقم أردف:

بل أنت الذي كنت سجني..

نظرإليه مشدوهاً كأنه لا يفهم..ثم أسلم ساقيه للريح..

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net