لغة الثروة..

د.حنان فاروق

fisabeelellah@gmail.com

Oct 21, 2007


بسم الله الرحمن الرحيم
 

فى مدينة من أجمل وأكثر المدن العربية ترفاً ومدنية وبينما كنا نسير فى رحلات مكوكية تسوقية استهلاكية كعاداتنا العربية المتأصلة فينا والتى قد تحجمها الثقافة والوعى بعض الوقت لكنها تعود إلى سابق عهدها قبل الفطام الثقافي حين تصاب بصدمة حضارية أو فلنقل سلعية  لتطالب بحقها فى لعبة الاستهلاك اليومية التى تغذيها طبيعة العصر والمجتمع والإعلام والإعلان..والتى تدخلنا دائماً فى دائرة الترف غير المبرر ولا المحسوب وتجعلنا بعيدين عن أول سبل التقدم الإنسانى–بعد معرفة الله-وهو تحديد الأولويات..ذلك الذى يستطيع أن ينظم لنا احتياجاتنا ويفرق بين الكماليات والأساسيات ويجعل الغد جزءاً لايتجزأ من اليوم فلا تصبح القاعدة الاقتصادية الأولى هى (اصرف مافى الجيب يأتيك مافى الغيب) وإنما تصبح (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداًواعمل لآخرتك كأنك تموت غداً)..بينما كنا كذلك..إذ بلافتة ضخمة عليها مقولة لم تنسب إلى أحد ولا أعرف لها قائلاً ..لكن يبدو أن الذين وضعوها يؤمنون بها شعاراً للمرحلة المحلية فى هذا الوقت..لأنى رأيتها تتكرر بنفس الصورة فى شوارع المدينة الأنيقة أكثر من مرة..تقول اللافتة:

((إذا كانوا يتحدثون فى العالم بلغة الاقتصاد فنحن نتحدث بلغة الثروة))

وفى الحقيقة وبالرغم من أن رحلتى تلك كانت من نوعية الرحلات التى تعطى الفكر إجازة افتراضية يستريح فيها من همه ووجعه ..إلا أنى لم أستطع أن أقطع عنه الكهرباء التى وصلتها له عرضاً هذه الجملة..ظللت أتأمل هذه العبارة مراراً وتكراراً واستنطق اللوحة لتشي باسم قائلها لكنها أبت علي..لم  يكن تأملى لها من قبيل الانبهار  بجوامع الكلم..لكنه كان من قبيل الصدمة العقلية..

لست من أهل الاقتصاد لاممارسة ولا بحثاً ..ولكن هذه الجملة تطرح الواقع  الفعلي الذى تعيشه الدول العربية الغنية والأساس الذى تتعامل به الدول الغربية ذات المصالح العريضة فى البقع الثرية من وطننا العربي..وهو مايدفع الأخيرة إلى هجمات الغزو الاستخرابي مختلفة الأشكال والألوان للسيطرة على صناديق الكنوز التى تحتاجها حضارته المادية والتى تضمن لها-من وجهة نظره- استمرار سيطرتها  لحقب أخر..وهى فى سبيل ذلك تغرق الأسواق العربية المستهدفة بكل ألوان الترف وتغذى عقول أهلها بثقافة الاستهلاك والانتهاك لكل ماهو عائق لتوغل الاستخراب داخلنا ..هذا الواقع الفعلي لا يجب أن نفخر به ونعلقه على صدور مدننا الزاهرة ..لأننا حين نقول:

((عندما يتحدث العالم بلغة الاقتصاد نتحدث نحن بلغة الثروة))

فكأننا نقول:عندما يتحدث العالم بلغة العلم والتخطيط والعقل فنحن نتكلم بلغة المال..ورغم أن الثروة والمال لا تعنى فقط النقد والمبانى والطرق والمؤسسات بل تشمل كل ماتملكه الأمة من طاقات بشرية وطبيعية ومهارات وكوادر وتقنيات..إلا أن الثروة تبقى دائماً فى حاجة للاقتصاد ليستطيع توظيفها والتعامل معها لتنميتها ودفع عجلة حركتها إلى الأمام ..فركودها يفقدها قيمتها يوماً بعد يوم ..وخضوعها للاستهلاك المستمر غير الإنتاجي  يعرضها للفناء التدريجي  ..الذى لايؤدى إلا إلى غد أكثر إظلاماً نفقد فيه لغة الثروة التى نتباهى بها..أو نصبح عبيداً لها وجزءاً منها يمكّن للآخر الذى يملك  مفاتيح علم الاقتصاد الإجهاز من رقابنا..ليبنى ناطحات سحابه على أجسادنا ..بينما نحن نقف مشدوهين مستسلمين نرفع شعارات لا نفهمها..ونخط  لحاضرنا ومستقبلنا عبارات لا نستوعبها..

إن شعارات الأمة التى تصنعها ثقافته جزء منها..وموجه رئيس لمساراتها الحاضرة والمستقبلية ..وعندما نضع شعاراً   يؤجج فكرة الغنى والثراء فى مدينة   عربية  تموج بالترف والرفاهية ونبرزه أمام أعين أهل البلد الذى تنتمي إليه تلك المدينة  وبصفة خاصة شبابها ونجعله تحت الضوء..فكأننا نوجههم نحو الخلود إلى الراحة والتنعم  الوثير ونطمئن أحلامهم المستقبلية بكنوز علي بابا التى لا تنتهى..فندفعهم دفعاً إلى الكسل والاستهانة بالعلم والعمل معاً..مما يخدم أغراض مستغلينا ويجعلنا طوع أمر إنتاجهم ومنتجاتهم ..وهذا بالقطع لا يصنع أمة تحترم نفسها ويحترمها الناس..

نحتاج لوقفة حقيقية ومراجعة للشعاروالرسالة  والهدف والخطة ..وإلا ...فعلى المستقبل السلام..


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net