عمون تعلو عرش المدائن

أ. د. سلطان المعاني

maani@hu.edu.jo

Dec 25,  2007 


أسماء عمان أسراب قطا تسبح في فضاءاتها متوامقة في اجتماعها الحاضر.. لا تنبو معانيها، وهي التي تضوعت في تعاقب أحقابها انسكاب شذى في صباحات الندى، فليس ينشز في الدلالة معنىً، بين العمومة.. والشعب.. وما تعبده العرب قبل الإسلام في عمٍّ القتباني.. وهي التي لمّا تعاقب عليها غير العرب في العصر الكلاسيكي منحوها أسماء تتضافر جدائل شمس مع أسماء كبار حواضرهم وسادتهم فَتَسَمَّت بالمُحِبَّةِ لأخيها.. وهو ذات النسق الدلالي مع الأسماء السامية.. فكان اسم فيلادلفيا تأمين الشرق والغرب على حُضْن عمان الدافئ الذي ضم العموم، أقارباً وشعباً وعباداً على المحبة.

وسواء علينا قلَّبنا في صفحات التاريخ تفسيرا أو تأويلا، فإن طغيان الأفق العمّاني نصاعةً وإشراقاً يجمع لنا كل الشواهد الصراح على زهو المدينة وتألقها، ويُشَرِّعُ الأبواب والنوافذ بِمشكاواتِها لنقرأ نصاعةَ الأرض في حَيِّزِها الممتد.. وسمائها في اتساع فضائه، فما كانت أيام عمان هَونَاً فلم تُسْتَكَنْ.. وما عَجََت تلعثماً في سؤلها وسؤالها.. لكنها شرَّعت نواميس نهوض الربوعٍ بعمرانها.. وأُنس الشعب بنخبوية ثقافته.. وانعتاق ألوان الفن والأدب فاستشرفت القريض وتوليفة الجمال اليوناني والروماني والفارسي ووالفته مع نتاجها الشرقي واليعربي الأردني.

طوبيا.. عبدُ عمون.. وأحدُ قادتها.. يمتلك السواحل وعُبابَها.. فَمَنْ ذا الذي يجرؤ على رسمِ جُملة المظاهر الحياتية والمجتمعية في  بلاد الشام سواه.. وأي هياكل تلك التي يلوي المسبيون على بنائها.. فطوبيا هنا في عمون.. وجشم هناك في آدوم.. وحوروني يقبض على الأفق في فلسطين.

أيُّ إيغالٍ في المعرفة، وتعلُقاً بهدب الحضارة، وانسجام الاتصال مع مُعطى الحضارات شرقها وغربها تعارفت عمان على رؤاها.. فالقلعة، الأكروبوليس، وسبيل الحوريات النمفيوم، والمدرج الأديون، وشوارع الكوردو والديكومانوس بأعمدتها الكورنثية.. وتايكي.. لا تمنح عمان التَعَتُّقَ والانعتاق فحسب، ولا نَقْتَرِئُها أطلالاً خوالي.. ولكنها المُغْتَرف والمُرْتَشف والهوى وحضورُ النصِّ.. فعمان الدلالة والرمز .. عمان المنبت والجذر.. عمان سجعنا وكهانتنا.. عمان طهرنا وصلاتنا.. عمان سِرُّ الشرق.. وهي فيء المصطفى في حوضه .. وفضاء إسرائه ومعراجه..

وما أنْ بدأ الأردنيون إشراق صبح منابتهم حتى راحت الدنيا ترقب جولة أخرى من جولاتهم، وجولات الغد المشرق فوق هام المجد الأردني، فقد كان دأبهم إشهاد سيوف الحق ذائدين عن حماهم، رافعين رسالة أمتهم، مالكين مطي الكلمة، نسائم الحقِّ ضَوعُهُم، فإذا هم فرسانٌ جامحة خيولهم، كللها عزمهم الصادق، وصدق نهجهم بأفئدة واثقة ما كلت ولا وهى خفقها. وكلما حدا الركب طاولت أعناقهم أعنة السماء، تزهو قسماتها به، عذية الشذى، ناضرة الغصون، فالمسيرة تشتاق طيفها. وعهدها الراية شاخصة للعلى، بسيف المعالي في سلسبيلها العذب نهضة أبية، وقد كانت هاشمية المبتدا من رحم التاريخ، فخفقت لهم القلوب العمّانية فخرا واعتزازا، ودارت حولهم العرى أباة التقوا على نهج الخير والبناء، لوطن الخير والبناء، أردننا الغالي، فالتقوا بالعزم وساروا على طريق العمل والفلاح، ليدوي المجد في ذراهم بعزة من سنىً وجلال، طودا يحملون العهد، فهم الخالدون، وقد زخرت ينابيع العلم بهم فَوَفَوا لها، رؤاهم الغد المشرق، والحرف النابض فالمنى، سبيلهم لأرض الكرامة والإباء، أوفياء لأهليهم، وأوطانهم وأنفسهم، حاديهم الخلق والمواطنة الصالحة، واستشراف الغد بوعي واقتدار.

عمان ... زهونا الجميل ... ما انحنى المجد يوما في مواكبها ... ولا خارت ذراها ... وظلت مشرعةً سيوفها، وقد التقى العُربُ والعروبة فيها، ولها، من بطاح الجزيرة إلى ضفاف النهرين ... ومن عذب بردى ... وصدق الشهداء ... إلى فخر مؤتة واليرموك. وها هي عمان سيدة العواصم وتاجها ... وزاهرة العرائس، والبطولة، والمدى، ومضارب الهاشميين.

عمان ... وجهتنا إذ يمم الناس شطر غيرها، أو نحوها ... عمان مستقرنا ومقامنا ... والمنطلق... نحملها وقد وعينا درسها وكتابها ... ولن يضنينا أن نقرأ لغيرنا، بل نتلو عليهم من سفر المجد حين نقلب في العزم والذكرى ... فصول رفرافة ألوية ... وأبواب نواميس الشرف وملاحم البطولة، وقد تعلمناها أبجدية عربية في حماها ... ونعمنا في أفيائها ولاء وطيبا ... وكنا طلاب المعالي ... ورثنا الحق ولم نهن ... فكانت ظلال الثورة العربية الكبرى رؤانا، وكنا أقسمنا، على بر القسم، بأن نفتدي الوطن بالدم، ما عزت الدماء.. أليست عمان تاج الزمان، إباؤه وبهاؤه؟

فالعمونيون ذؤابة الشرق، حاملوا راية المعرفة بيرقا رفرافا يخترق الآفاق، ويفتح أبواب المجد؛ فعمان أو عمون، أو ربة بني عمون، أسماء حبيبة ... تشي بمعناها ومقصدها .. ففي دلالاتها أن عمان فيؤنا، فنحن عمان، وعمان نحن، سكنتنا فسكناها "بسلام آمنين" ... فعمان خارطة الزمان ... وبوصلة العاشقين صوب نبع الهوى، وكحل العيون، وعذب الكلام. وهاهم أهلها اليوم وقد سكنوا الصدور، فطابت بهم الأنفاس يانعة رياضها، وملتهبة حماستها. والعمونيون بجوانحهم، ضموا حميم الشوق لامتطاء مراكب البناء، ونهج العلى فلا يوحشهم تكالبهم على البناء، إلا بانقطاعهم عنه، أصحاب رفعة مؤمنين بحق وطنهم عليهم، مخلصين العزم والعزيمة، لوطن العزم والعزيمة.

عمان ذاكرتنا .. وقبضنا الحنون على اللحظة والمسافات ... وهي استعداد خرافي يتملكنا لخوض لعبة كونية تخرج عن نطاق ثوابت المكان والزمان، وتسوغ لنا احتكار المنجز والانتساب إلى كل ذلك المجد الذي تَشَكَّل في وطني مذ كانت الأرض سديما... وكأنما تمنحنا معاول العون لكل أولئك الذي أرادوا لهذا الوطن أن يتبوأ ذروة العطاء الإنساني... فهؤلاء أجدادنا، هم فيافينا، وهنَّ كُحلُ مداها، معسولة وناضرة وجوههم، رقيقة قلوبهم بالخلق والحق، وطافحة صدورهم بالشوق لأخذ الوطن في سفائن مسيرتهم، وفي سواعدهم حبال أعنة عصماء ما وشت بهم ولا أرخوها إلا وقد ضاق المدى بغيرهم ورَحُبَ بهم. فها هي:

"أعمال عمي نداب ملك بني عمون

بن هصل ال ملك بني عمون

بن عمي نداب ملك بني عمون

الكرم والحدائق وقناة الماء والآبار

فليفرح وليبتهج لأيام عديدة وسنين مديدة"

ترتدي عمان عباءة السكون والوقار.. وتُضَمِّخُ عمائِرَها بِحنّاء العرائس.. وتسكب المداد على رُقُمِ الطين في قلعتها، واصفة أحوالنا، وأَعمارَنا، وتقرأ في تَبَصُّرٍ أحلامنا.. وتختبئ في قواريرها البرونزية السنابل والكروم قرونا.. لِتُشرق عند سؤال الحيرة في اهتراء الكلمات!.. فها هو عمو ندب ملك بني عمون لم يرتحل غريباً في المفازات.. ولم ينفلت من بين يديه عَنان الفعل.. وها هو ابن هصل إيل يُقبل نحونا حاملا ذاكرة عمون وقناديلها.. فَرَحَاً وابتهاجا لأيامٍ عديدة وسنين مديدة ..

هي عمان إذا باختلاف أحقابها وتعاقبها قصة نُسجت أركانها بخيوط نور موشحة بأكاليل الغار ... ففي كل ركن فيها قصة خلق وإبداع أبدعت حروف ملحمتها الضياء على مر الزمان.

لم تكن عمان يوما منزاحة من بُرَه الوجود.. ولم تجرؤ القرون ولا تعاقب الأمم والشعوب إمحاء الوجود العمّاني.. فأديم عمّان أسّس عالمنا الرؤيوي والاستشرافي، وهو جوهر المسألة، وتموضع المناخات، وترميز الخرائط والديموغرافيا. أديم عمان تمسُّك بالمبتغى الإنساني القارُّ في وجدان الأردنيين.. وما حِراكُنا السياسي محليا وعربيا وعالميا إلا من منظومة الالتزام بنداء الأرض في تمرحلاته، وإحساس القيادة بالمسؤولية التاريخية والحضارية.. وهو في الأساس وعي وإدراك لوجع الإنسان واحتياجاته، ورؤيا تؤسس للخير والعدل.. للإنسان؛ هنا وفي الجوار وفي الكوكب.

هي عمان ... ربيع دائم ... غصونها الريا، من كل غادية، استفاقت شذى ... ومن كل رائحة امتدت ندى، فإذا الفضاءات نور وبهجة ... وإذا الدنيا طوع مناها.

هي عمان زاهرة العواصم ... الرمز، لما كان الرمز نبراس الهدى ... والمتكى حيث استوى على أريكة نداماها الشموخ ... فتماهت الأشياء فما عدت تدري أيهما؛ أهي أم صباحات آذار أم مساءات العاشقين؟ ظلا وارفا ونشيد مستقبل اكتنز الماضي فأينع للقادمين من أجيالها

هي عمان ... بعبق أنفاسها الطيبة ... وانتشاء صبحها الوضاح ... وباجتلاء نورها غدت مركب الحلم ومستقر الحقيقة وفصل الخطاب.

عمان اشتياق العاشق، وقد كابده الشوق فياضا ومحموما، وراعفا بنبض القلب، فمن الأردن إلى الأردن، ومن لاعج القلب حين البعاد إلى ضجيج الصدر حتى نؤوب.. فيا سيدة العشق.. وسيدة الحضور وسيدة الرؤى والوئام ودليل العاشقين, يا شافية الفؤاد وصالا، وقد سباه الهيام ... يا دوحة الأمل، وصرح الفكر .. وشريعة العدل.

عمان لا حجارتها ولا طرقاتها.. وإنما عمان السلسبيل وتاجها الملكي.. عمان الأقحوان وفتنة الفيروز وتألق عذاريها رائحة لمشربياتها، وغادية من نشيدها بأزرقها الممتد وفراشاتها على ضفة القلب والحشا.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com