الروائي الأردني زياد قاسم.. وداعاً!!!

 الناقدة: د. منتهى طه الحراحشة

muntaha_taha@yahoo.com

Sep 18, 2007


يا زياد:

إذا كانت النفوس كباراً            تعبت في مرادها الأجسام

وتوقف قلبه عن الخفقان، وفقدت الأمة العربية كاتباً مبدعاً وروائياً متميزاً، إنه زياد قاسم الذي قال لي يوماً عندما بدأت أكتب رسالة الماجستير حول أعماله الروائية: "إنني أشاطرك المسؤولية في كل حرف من أحرف هذه الرسالة وما تكتبينه هو انعكاس لرؤيتي لهذا الواقع".

وماذا تكتب الأقلام في مثل هذه الظروف؟!!  وهل تضيف جديداً إذا ما فعلت؟!!

رحل الكاتب الأردني زياد قاسم وهو في قمة عطائه، كان مبدعاً يمتلك دقة واضحة في كتابة النصوص الروائية.  ويبين الكثير من الإنتاج الجديد في الرواية في الأردن، وبخاصة في الرحلة الأخيرة أنه استطاع أن يقدم مجموعة من الأعمال الروائية تتصف بالغزارة والتنوع، وأن يضم في عالمه الروائي ما تحتويه عوالم معاصريه من الروائيين جميعاً، فجاء عالمه الروائي زاخراً بالشخصيات والأحداث والأنماط والمواقف، إذ يكاد أن يكون معادلاً للمجتمع الخارجي ترتبط عناصره ارتباطاً سببياً، ويستمد كل عنصر قيمته النسبية من علاقته بالأجزاء الأخرى ليجسد في النهاية رؤية للعالم والحياة.

ويعد زياد قاسم واحداً من الكتَّاب القلائل الذين احترفوا الفن الروائي في الأردن، وقد اتصف إنتاجه الروائي بالغزارة والواقعية، فكانت الرواية أداته الرئيسية وهمة الأول، وقد أصدر مجموعة من الأعمال الروائية في اتجاهات متعددة تاريخية واجتماعية ونفسية، وتكاد تشكل رؤيته الفنية والفكرية في هذه الروايات مساراً متكامل الحلقات، ويعود ذلك كله إلى قراءاته الواسعة وثقافته المتميزة.

وتميَّز الكاتب من غيره من الكتَّاب في الأردن بتأخر إنتاجه الروائي، ويعود ذلك لأسباب متعددة أهمها أن الأدب لم يكن هدفاً جاداً في حياته بالقدر الكافي "لم أفكر في يوم من الأيام أن أكون روائياً أو قاصاً أو أن أقترب من شيء اسمه الأدب، كان يستهوني التراث والفلسفة أكثر بكثير من الأعمال الأدبية، لكني كتبت أول رواية (المدير العام) لأسباب خاصة ولم أتوقف من حينها ولن أتوقف طالما بقيت على قيد الحياة"([1]).  وتشكِّل رواية (المدير العام) نقطة الانطلاق لعمله الإبداعي، ثم شرع بكتابة رواية أخرى بعنوان (أبناء القلعة) 1990م التي جسد من خلالها موقفه من القوى القومية العربية.

كما تميَّز زياد قاسم عن العالم الروائي في الأردن في أنه استطاع أن يتخطى مستوى الرواية الواقعية إلى إنتاج ما يعرف بروايات الحقبة أو الأجيال المتمثلة في (رباعية الزوبعة) والتي تضم عالماً متكاملاً من الشخصيات وتمثّل أفكاراً ومواقف متعددة ومتنوعة عبر ثلاثة أجيال يطرح من خلالها رؤيته للواقع والحياة.

أما رواية (العرين) فقد جسَّد من خلالها أثر خبرات الطفولة والتنشئة الأسرية في تشكيل شخصية الفرد، كما أنه يبجل الكفاح الفردي والحرية الفردية ويعلي من شأن الفرد.

لقد استطاع زياد قاسم من خلال أعماله الروائية أن يطرح قضايا متنوعة ضمن إطار فني جديد فحقق بذلك نقلة نوعية مهمة في أعماله الروائية من حيث الموضوع والمستوى الفني وطريقة المعالجة فأعمال زياد قاسم الروائية ليست أعمالاً تسجيلية للوقائع، ولكنها عملية اختيار على درجة عالية من الحساسية والتعقيد والتركيب والتنوع وبذلك شكّلت ظاهرة متنوعة ومتميزة فكراً وفناً في مسار الرواية الأردنية.

وقد بدا زياد قاسم واعياً في حياته الأدبية لما يمكن أن يقع فيها من تناقض بين أمرين:

الأول: ضرورة الالتزام بالتعبير عن الواقع الذي يعيش فيه ويسيطر على ذهنه ووجدانه.

الثاني: يتصل بالتطور الفني الحالي في ميدان الرواية، من حيث كيفية الطرح في معالجة القضايا، وتوظيف الأدوات والوسائل الفنية والتخلص من الرؤى التقليدية والرومانسية للعالم والحياة.

إلا أن طبيعة النشأة وظروف البيئة المحيطة به جعلته يتجه إلى الواقعية لتتيح له التعبير عن رؤيته السياسية وهي الأمة السورية بمشكلاتها الإنسانية والاجتماعية والسياسية والحضارية "أنا منحاز انحيازاً كلياً للمكان الذي يمثّل سوريا الطبيعية وفي اللحظة التي أصبح فيها موضوعياً تماماً وينتهي انحيازي وتنتهي حياديتي عندها لا أصبح روائياً لأنني أغدو بلا موقف"([2]).

كما أنه يؤمن بالبطولة الجماعية "أنا أؤمن بالفردية، ولكن في رواياتي يوجد مجموعة أبطال وهذا يعود إلى إيماني بالوحدة السورية وقدسيتها، فلا أحاول تغليب بطل على آخر، فهم متساوون حتى الشرير والصعلوك"([3]).

نعم كان زياد قاسم روائياً مبدعاً ومنتمياً له حضورٌ قوميٌّ بارزٌ، لم يكن مؤرخاً بقدر ما كان مبدعاً فنيّاً.

وعلى الرغم من عزلته عن الأوساط التي كان ينتمي إليها إلا أنه سعى لدعم الأوساط الثقافية ورحب بكل الابداعات الشابة . كان يرى أن القيمة الحقيقية للأمة تكمن في شعبها، يكره الأنانية ويتعامل مع أصحابها بقسوة، يحب الأوطان ويؤمن بالقومية الصادقة وإبداعاته تدلل على ذلك، فهي تحتوي بداخلها على جزء كبير من حياته الذاتية.

يهتم بالعمل الجيد ويركز على إبراز الفكرة والصياغة الفنية.

كان سريع البديهة وقوي الملاحظة يمتلك الحس بالمسؤولية تجاه النص الذي يبدعه ولديه موقف جماليٌّ فيه.

 إنه زياد قاسم

فقدناك أيها الكاتب العزيز……


 

* قسم اللغة العربية جامعة آل البيت.

([1]) الرأي، عمان، العدد 1026، 31 تموز 1997م، ص11.

([2]) الروائي زياد قاسم في حوار مع المجد بعنوان: الأمة محتاجة لمخلص فيه نفس قومي كبير، عمان، العدد 1065، 10 آذار 1997، ص12.

([3]) مقابلة مع زياد قاسم أجرتها الباحثة بتاريخ 21/3/2000م، عمان.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net