يُقيم المسرح الوطني الفلسطيني
– الحكواتي سابقاً – في القدس الشريف معرض صور فوتوغرافية
للمصور محفوظ أبو ترك ، والزائر لهذا المعرض سيجد أن أبا ترك
بمعرضه هذا قد سجل بعدسة كاميرته جوانب كثيرة من مآسي الشعب
الفلسطيني تحت الاحتلال الغاشم في العقود الأربعة الماضية ،
خصوصاً مدينة القدس الذبيحة .
ومحفوظ أبو ترك المولود في
العام 1948 عرف الكاميرا وعرفته في بداية شبابه ، ونشرت الصحف
والمجلات المحلية آلاف الصور التي التقطها ، وكذلك الكثير من
الصحف في الدول الشقيقة والصديقة والأجنبية . وأول ما يلفت
انتباه الزائر هو الصور التي التقطها أبو ترك من زوايا وجوانب
مختلفة للأماكن المقدسة في القدس مثل المسجد الأقصى ، وقبة
الصخرة ، وكنيسة القيامة ، وكنيسة الجثمانية ، وبوابات سور
المدينة التاريخية ، وشوارعها وأزقنتها . ثم لا تلبث أن تنتقل
الى صور للمسجد الأقصى وهو يحترق في ذلك الحريق الذي أشعله
مايكل روهان في 21-8-1969 واعتبره المحتلون مجنوناً فاقداً
للأهلية كما هي العادة في كل الجرائم الشبيهة . هذا الحريق
الذي أتى على زخارف فسيفسائية في المسجد العظيم لا تُقدر بثمن
، كما أتى على منبر صلاح الدين الأيوبي التاريخي ، ، وبجانب
هذه الصور هناك صورة لأمير القدس وفارسها الراحل فيصل الحسيني
وقد أوقعه جنود الاحتلال أرضاً ، والشباب المقدسي يلتفون حوله
لحمايته ، وكذلك صورة لامرأة عجوز فلسطينية داستها بساطير
عساكر المحتلين في القدس .
واذا كان أبو ترك قد التقط
آلاف الصور لآلاف البيوت التي هدمها المحتلون في القدس وغيرها
من المدن الفلسطينية ، فإن معرضه يحتوي على آلاف الصور التي
التقطها " لمخيم الصمود " الذي أقامته عشرات العائلات المقدسية
الفلسطينية على أراضي الأوقاف في واد الجوز ليسكنوا فيه بعد أن
هدم المحتلون بيوتهم وضاقت بهم السبل .
وصور معرض محفوظ أبو ترك
متعددة المضمون ، تحمل هموم وطن وتاريخ مدينة ومأساة شعب ،
فالزائر لا يستطيع أن يقف طويلاً أمام صورة لطفل شهيد وجهه
ملطخ بالدماء ووالدته وقريباته يبكينه ، وتنزل الدموع من عينيه
، وهو يرى مئات الأشخاص من مختلف الأعمار يقتحمون النيران في
المسجد الأقصى ليطفئوا الحريق المتعمد . ويشعر بعظمة التضحيات
التي يقدمها الشعب الفلسطيني وأبناؤه يتصدون بصدورهم العارية
لقوات الاحتلال ، وقطعان مستوطنيه الذين يحاولون اقتحام المسجد
الأقصى مرات عديدة لتدنيسه وهدمه تمهيداً لبناء هيكلهم المزعوم
على أنقاضه .
وفي تقديري أن معرض صور أبي
ترك ، والمعارض الشبيهة لها تأثير أقوى من عشرات المحاضرات
والخطابات الرنانة التي يُلقيها بعض السياسيين وأشباههم عن
القضية الفلسطينية، فهكذا هي الفنون وهكذا هو الابداع . ولهذه
الأسباب فإنني أتمنى على وزارة الثقافة في السلطة الوطنية
الفلسطينية أن تتبنى هكذا معارض ، وأن تنسق لها لتجوب العواصم
الشقيقة والصديقة ، ليرى الأشقاء والأصدقاء مدى فداحة الجريمة
التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني وبحق الأرض الفلسطينية.